عِنَبَة هاربة
*****
تحركت يَدُهُ بآليةٍ مُتسارعة فيما بين عُنْقُودِ العِنَبِ المُستلقي باستسلام يتوسد ما انْفَرَطَ منه فى الطبق، وبين فُوَّهَةِ فمه التي تنفتح مُتزامِنة مع وصول أصابعه إليها.
أفلتت عِنَبَةٌ من بين أصابعه، شهق بحسرة واِخْتَلَجَ جسمه والْتَاعَ قَلْبُه وهو يراها تفر من فوق حِجْرِهِ تحت مَائِدَةِ السُّفْرة.
، غَطَسَ وراءها، جثَا على ركبتيه واستَنَدَ على كفيه، يبحث ويفتش المكان تفتيشًا دقيقًا دون جدوى، أصابه اليأس والإحباط، قام ليكمل اِزْدِرَادَ حبات العنب بنفسٍ حزينة.
في الوقت الذي انطلقت فيه نَمْلَةٌ كَشّافةٌ ماهرة تسبّح بحمد بارئها فى طريقها لإخبار أَخَواتها بعثورها على وجبة شهية خلف قائم المائدة.
مازالت العِنَبَةُ الآبِقة التي أفسدت عليه متعته تخايله، يعاود النظر تحت المائدة يفتش، سرح بأفكاره يتذكر امرأته الشابة الراحلة التي لم تقضْ معه سوى شهور قلائل، هي من كانت تأتى له بأى عِنَبَةٍ هاربة، كان يُصرّ على الإتيان بها إصرارا، فلم يكن يفلح في كل مرة في العثور عليها على الرغم من أنه لا يقل عن المرحومة فى قُوَّةِ الإبْصَار.
كانت تضحك ساخرة وتقول:
- دعها، حق الأرض، ستأتينا وحدها فيما بعد.
؛ يُصرّ ويُلحف فلن تكتمل متعته ويهنأ له بالٌ إلاّ بالعثور على العِنَبَةِ الثَّمِينُةِ المفقودة، وكانت زوجته الراحلة تأتى له بها.
ما كانت تَشرَع فى شيء إلاّ بَسْمَلَت، بل وفوق ذلك تذكر الله دومًا قيامًا وقعودًا فى غير صلاة، فإذا اِنْحَنَتْ لبعض عملها المنزلي سبحت بحمد الله العظيم، إذا انتصبت قائمة رددت:
- سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد.
كانت إنسانةً عجيبة حقاً، أَرهَقَته عَدْوًا وراء نعشها قُبيل دفنها، كلما اقتَرَبَ من النعش جَاشَ النعش وانْطَلَقَ بعيدًا سابحاً في الهواء بحامليه يجرى أمامه.
عادت أصابعه تنزع العنبَ من عُنْقُودِهِ مثنى وثلاث، أفلتت عِنَبَةٌ ثانية، تتبعها بعيون كالصقر وغطس من فوره وراءها تحت المائدة، تريث هنيهه مُفكرًا لما لا، ثُم ردد بصوت عالٍ كتعويذة سحرية :
- بسم الله الرحمن الرحيم .
كانت فرحتُهُ غَامِرةً عندما أَبْصَرَ العِنَبَة، مد يده والتَقَطَها وهو يغمغم:
- تعالي يا بنت الكلب.
لم يصبر عليها قذفها في فيهِ وهرسها بأسنانه وعلى وجهه آيات البهجة والسرور.
شرَعَ رأْسَه بخُيَلاَءٍ قائمًا ليصطدم بعنفٍ بحافة المائدة، يرتج طبق العنب، تتدحرج حباته على سطح المائدة فارّه، تسَّاقط.
تتعالى صيحات النمل يلهج بآيات الحمد لله، فقد أمطرت عليهم السماء أعنابًا.
*******
سمير العَصَري
