اضْمِحلال
*****
لا شيءَ يُشبهُ المَوت
فالمَوتى لا يموتون أبدًا،
ولا يتنفّسون أبدًا،
أنتَ مرغمٌ أن تَحيا
مِن جَديد،
بِجُثّةٍ لا تملِكُ الخَيار، لا قرارَ لها،
لا مواقيتَ للنّومِ ولا مواعيدَ
لمطارحةِ الفِراشِ الغَرَام..
لن تُجيدَ الانتِحار
كلّما حاولتَ رمي نفسِكَ في
فوّهةِ بركانٍ تبَخّرتْ، صَعَدْتَ فوقَ غَيمة،
ومن ثُمّ هَطلْتَ رمادًا..
لن تُجيدَ ضربَ رأسِكَ في الحائِط
ففي كلّ مرّة تفعلُها تخترِقْه!
ولا أن تلفّ حبلَ الغَسيلِ على عُنقِك
سَترتديكَ المعاطِفُ القديمةَ فقط،
لِتُحَلّقَ بِك..
لا انعِكاسَ لصورتِكَ في المِرآة
ولا ظِلّ لك،
تُحاوِلُ عَبثًا ارتشافَ فنجانٍ من القهوة،
قِراءةَ البريدِ المُتراكِمِ على الطّاولة،
إشعالَ سِيجارة،
الصُّراخَ عاليًا للتّنفيسِ عن عَجزِك،
مناداتَ اسمك!
لكنّ الفَراغ ابتلعَ الصّدى فجأة!
وصَوْتُكَ ظلّ عالقًا في جوفِه..
لا تُحاوِل الضّحِك،
ولا لمسَ كتفِ أمّك،
إيّاكَ وسُؤالها عن حالِها،
عن ثِيابِها القاتِمة مثلًا،
وسَبَب نَحيبها، أو حتّى عن ذاكَ
الشّريطِ الأسود الذي يُحيطُ بإطار صورتِك؛
لا تستمِع للهمهَماتِ الخافِتة حولَ مصيرِ
زوجتِك الحسناء؛
ولا تكترِث لنظراتِ صديقكَ الزّائغة؛
فقط غادِ، وإياكَ أن تلتَفِت..
لا تُحاوِل البُكاء،
ولا شُربَ الماء،
لا تَعُد أَدْراجكَ للبيتِ ولا تتّصِل بأحد،
لا تحاوِل مَلأ فراغِكَ بالتهامِ الطّعام
فأنتَ لنْ تجيدَ الأكلَ قَطْ،
سَتكونُ أنتَ هذه المرّة، وجبةَ دسِمةَ لدوودِ الأرض،
لن تشعُرَ بالقرَفِ مِنه، فقط مُجَرّدَ دغدغاتٍ خفيفَةٍ
على عُنُقِك،
وقُبلاتٍ حارّةٍ على وجنَتيكْ؛
وصوتُ تجشُّئهِ في بَطنِك؛
يملأُ أُذُنيك!
*******
تناهيد عبد الرحمن
