قراءة الأستاذة زنوبيا الأسدي في قصة: من_ثقب_إبرة
✍لـلأستاذ الناقد: محمد البنا
-------------------------------------
ومن باب تعريف المطلع أنني أقدم هنا نقدا إنطباعيا،
لذا أود أن أحيطه علما بالمعنى الدقيق للانطباع.
إذ عُرفت #المقاربة_الانطباعية على أنها:
"منهج يرتكز على استخدام الذوق الفني والجمالي، والانطلاق من معايير تأثرية مصدرها: القلب والعاطفة والوجدان. ويتسم غالبا بالتسرع في إبداء الرأي الشخصي، والاختصار في تحليل المنتج الأدبي والفني عموما. وبالتالي هو تعريف مختزل يلخص المضمون العام للنص ويرصد جوانبه الدلالية والفنية مكتفيا بإشارات بسيطة مبتعدا عن التفصيل والاسهاب"
وأن ما أقدمه من قراءات فهو دفع من "بارت" الذي يرى أن المكتوب يجبر القارئ على المشاركة في الكتابة والتورط فيها، وأن لا يقف موقف المتفرج وأن لا يبقى ضمن دائرة المستهلك.
----------------------------------------
#القراءة
هيئ لحدث عفوي أو مفتعل، واستأجر شخصين لدخوله. الأول ضعه في العمق. والآخر عن بعد (خلف الكواليس). بعد أن ينتهي الحدث، استجلبهم ليقصوا عليك.
غالبا سيروي الأول: الحدث من الداخل، مختزلا وبلا تفاصيل.
الثاني: سينقله من الداخل والخارج بتفصيل دقيق.
تلك الشخصيات التي تبدو ثانوية في الحياة، غالبا هي من تسيرها. وهذا ليس بجديد ولا مفاجئ بالنسبة للقارئ. فقد نقلت كثيرا كتب التاريخ عن دور حاجب أو جارية أو ساقي أو مهرج لملوك وقادة. وكيف لهم أثرا ملموسا مغموسا في سيرورة الدولة.
•اتخذ الكاتب في سير قصته النهج "المضموني" ليصف لنا حالة اجتماعية إنسانية.
"من ثقب إبرة" شخصية من الدرجة الثانية للمجتمع (الطاهي) تراقب المجتمع بعين من الدرجة الأولى وترصد تحركات شخصياته على مسرح الحدث.
حفل زفاف وعروج لنوع الآلات الموسيقية المستخدمة وتطور لغة الغناء. وعندما نقول تطور ليس بالضرورة تطورا إيجابيا؛ فالتطور يمكن أن يكون عكسيا أيضا "صخبٌ شديد يعلو ويهبط، متماهيًا مع نغماتٍ يصدح بها مكبر الصوت المتصل بآلة التسجيل الحديثة "
حفل الزفاف يعد أحد أهم الثيمات الاجتماعية في مناطق الوطن العربي والشرق الأوسط.
يستثمرها الكاتب ليشخص رزمة من المواجهات البشرية.
لو عدنا لقراءة المشاهد سنجد أن كل مشهد كان ثنائيا. قيل قديما: أن الإنسان اجتماعيا بطبعه.
(والد العريس/الطاهي، والد العريس /صاحب الموسيقى، الفتاة النباتية/ زوجها اللاحم، الثري/الطاهي، جامع الطعام والطاهي.
الآمر/ المأمور، الثراء/ الفقر، اللاحمة/ النباتية)
"ما بين ايقاعاتٍ نحاسية ووتريات هادئة وناعمة، ولا يتفاجأ أحدٌ من الراقصين، عندما يظن ذلك المتحكم أنه فاجأهم بأغنية شعبية بذيئة الكلمات"
سبب عدم المفاجئة يعود لانخفاض مستوى الحاسة الذوقية من قبل المتلقي. بسبب صخب الحياة الحديثة وانشغال أهلها منصرفين عما يشبع الروح لذة وحلاوة.
"الليلة ليلةٌ قمرية، والسماء صافية" منذ وجد الإنسان ارتبط بالطبيعة، وصار لكل عنصر منها مدلولات مثلوجية في وجوده وأبرزها القمر وماله من انعكاسات قد تنحى بنفسه جانبين:
الإيجابي- كجمال النور والضوء.
والسلبي- بما يتعلق بالوحدة والخوف.
ومن حيث انتهى الطاهي من التعريف بنفسه سنتأكد أن ورود القمر هنا أولا كان مرتبطا بسوء قد يحدث "كما أتمنى ألا يكون الأخير، فلا مصدر رزقٍ لي غيره"
فانفصاله عن العمل يعود لأمور عدة:
قد لا ينهي إعداد البوفيه في وقته المحدد مثلا:
"أنا يا سادة..الطاهي المُوكل إليه تجهيز البوفيه، وهمّي الرئيس الآن هو الانتهاء من إعداد البوفيه قبل الساعة العاشرة"
أما الارتباط الذي بدا إيجابيا للقمر " أنظر إلى عقارب ساعتي، ترد النظرة مبتهجة" واضح من التبادل السريع بين الطاهي وساعته بصورة رمزية أنه أتم العمل عند وقته المحدد.
"هذا الرجل المهندم في بساطة، الذي يحمل وجهه ملامح هادئة، وتحمل يده طبقه الثالث، وقد اتخمته قطع اللحم المشوي، هذا الرجل...صديقي، نعم صديقي الذي لا أعرف اسمه"
يستخدم الكاتب الإيحاء، إذ يمكن لإنسان يرتبط بآخر برابطة معينة تجمعهما.
يشير القرآن: "إنما المؤمنون أخوة" إذ أن رابط الإيمان شيد لهذه الأخوة.
ويشير الكاتب: "هذا الرجل هو صديقي،نعم صديقي الذي لا أعرف اسمه"
فأي رابطة أسست لصداقتهما إذن؟
"سألته عيوني ممتعضة..لم ؟، فأجابتني عيونه راجيةً متوسلة، فما كان مني إلا أن غضضت الطرف عنه، فانصرف مبتسمًا شاكرًا، ..... " فأخرج خلسة أكياسًا بلاستيكية، وأفرغ فيها ما اجتمع في أطباقه الثلاثة من لحوم، .... أودع في عيني - نظرة امتنان، كانت رسالته الأخيرة قبل أن يبتلعه الظلام"
يبدو أن الرجل كان يجمع الطعام لا ليأكله وحده، بل وجود الأكياس البلاستيكية تدل على أنه يحاول جمعه بها لأشخاص آخرين خارج الحفل. ومن خلال النظرات المتبادلة وما شابها من توسل وامتنان يتضح عوزه وفقره-ربما أطفال جوعى ينتظرون ما حازه من الحفل. وخاصة أنه ختم بالظلام.
لو عدنا لطريقة "تشاتشمان" في التفرقة بين أنواع الحبكة سنجد أن الكاتب عمد للحبكة القائمة على الكشف وهي الحبكة المسماة بالمودرنية التي تعتمد عليها القصة الحديثة. التي لا تطرح بها الأسئلة كي يجاب عنها كما القصص الكلاسيكية والتي تتجلى عن أحداث ملهاوية او مأساوية. إذ تعتمد الحديثة الكشف فقط وليس الإجابة.
تذكرني غالبا قصص "محمد البنا" الرمزية بقصص آرنست همنغواي، إذ كلاهما لا يعتمد الصور البلاغية ولا المجازية ولا استعارات ولا مجازات أو تشبيهات، كما تخلو من العبارات الوصفية ومع هذا كله قصصهم مشحونة بالإيحاء.
#القصة
من ثقب إبرة
صخبٌ شديد يعلو ويهبط، متماهيًا مع نغماتٍ يصدح بها مكبر الصوت المتصل بآلة التسجيل الحديثة، ما بين ايقاعاتٍ نحاسية ووتريات هادئة وناعمة، ولا يتفاجأ أحدٌ من الراقصين، عندما يظن ذلك المتحكم أنه فاجأهم بأغنية شعبية بذيئة الكلمات، من تلك الأغنيات المنتشرة في كبائن وسائل النقل، فهم قطعًا ليسوا من راكبيها، لكنه الجسد عندما يجد متنفسًا ليجهر بعطشه، والنفس عندما تُتاح لها الفرصة للتحرر من القيود، فهنا والآن كل شيءٍ مسموح، بل ومرغوب ايضًا.
الليلة ليلةٌ قمرية، والسماء صافية، ولم يعد صعبًا على أحدكم التكهن، أنني متواجدٌ في حفل زفاف، بالطبع سأل أحدكم ..من أكون ؟..لا بأس..سأخبركم الآن وليس لاحقًا، لسبب بسيط، ألا وهو أنني لست من هواة التشويق، كما أنني أمقت الإنتظار...أنا يا سادة..الطاهي المُوكل إليه تجهيز البوفيه، وهمّي الرئيس الآن هو الانتهاء من إعداد البوفيه قبيل دقات الساعة العاشرة.
لم يكن هذا الحفل هو باكورة حفلاتي، فقد سبقه العشرات من مناسبات شبيهة ومختلفة كُلفت بإعداد أطعمتها، كما أتمنى ألا يكون الأخير، فلا مصدر رزقٍ لي غيره.
أنظر إلى عقارب ساعتي، ترد النظرة مبتهجة، ووالد العريس يقترب، ويرسل نظرته تسألني، فتجيبها إيماءةُ رأسي، فيدير رأسه صوب المتحكم في آلة النغمات، ويشير له إصبعه - يبدو أنها إشارةٌ اتفقوا عليها مسبقًا - لُيعلن الأخير افتتاح البوفيه.
وكالعادة تترى الوجوه، وتتراص الاجساد في طابورٍ شبه منتظم.
وجوهٌ ألفتها، فهم ضيوف شرف، ووجودهم في هكذا حفلات ضرورة لابد منها، ومنهم هذا الرجل الأنيق - سبق أن التقيت به في مكتبه - أتذكره جيدًا لكنه لا ولن يتذكرني، دعاني لمقابلته منذ ما يزيد عن العشر سنوات، كانت مظاهر الثراء الفاحش تحيط به من كل جانب، بدءًا من أفراد الأمن وانتهاءً بأثاث مكتبه، ظننت ليلتها أنّ الجنة أتت اليّ تحبو، لكنه قاتلني على كل قرش، ولم يبتسم ويهدأ إلا عندما وافقت على نُصيف ما عرضته ابتداءا.
ما بدا عليه من ارتياح لانتصاره وهزيمتي- ولم أكن مهزومًا بالطبع - مشهدًا عالقًا بمخيلتي حتى هذه اللحظة، وهو يضع في طبقه القليل من السلاطة، وقطعة لحم صغيرة، ثم ينتقل خطوتين ويضع ملعقتي أرز.
ووجوهٌ أخرى أراها للمرة الأولى، وربما تكون الأخيرة ايضًا، غالبيتهم من أهل العريس وأهل العروسة، ومنهم..تلك الشابة التي وشى بها إلىّ أحد مساعديّ، عندما همس قائلًا: أنها تكاد تُفرغ السلاطة من قطع الجمبري.
أشرت له ألا يهتم او يتدخل ويتركها لشأنها، لكنني تابعتها عن كثب، وكما توقعت ذهبت ووضعت الطبق المتخم بقطع الجمبري أمام زوجها الشاب، وعادت لتنتقي ما يحلو لها من طعام.
أما هذا الذي تروّنه للمرة الثالثة أمام البوفيه، وأثار استغرابكم تصرفه المشين، هذا الرجل المهندم في بساطة، الذي يحمل وجهه ملامح هادئة، وتحمل يده طبقه الثالث، وقد اتخمته قطع اللحم المشوي، هذا الرجل...صديقي، نعم صديقي الذي لا أعرف اسمه، وما كان بيننا حديث، فمنذ أول لقاءٍ جمعنا - لا أتذكر متى على وجه التحديد - سألته عيوني ممتعضة..لم ؟، فأجابتني عيونه راجيةً متوسلة، فما كان مني إلا أن غضضت الطرف عنه، فانصرف مبتسمًا شاكرًا، ومضى إلى طاولةٍ شاغرةٍ في زاويةٍ ضوؤها خافت وجلس، كما سيمضي الآن أمام أعينكم ويجلس، وتظاهر بتناوله الطعام إلى أن هدأت الحركة المكوكية لوالد العريس، فأخرج خلسة أكياسًا بلاستيكية، وأفرغ فيها ما اجتمع في أطباقه الثلاثة من لحوم، ونهض وقبل أن يستدير أودع في عيني - كنت ليلتها أتابعه كما أتابعه وتتابعونه الآن - نظرة امتنان، كانت رسالته الأخيرة قبل أن يبتلعه الظلام.
