قراءه انطباعية في رواية ماتريكس
للروائي الأستاذ محمد البنا
كما عودنا الأديب الكبير الأستاذ محمد البنا على قصصه المثيرة للجدل نجد أنفسنا في حالة من التبصر أمام عمل روائي سيبقى لا محالة كحالة هجينة من السرد القصصي الطويل و البنية التشكيلية المألوفة لأدب الرواية بشكال عام .ما يميز (ماتريكس ) هنا هو أسلوب السرد الذي أنقذ القصة من اليباس السريع و النمطية السهلة لأسباب متعددة ومتشابكة:
- اللغة:يرتبط استخدام اللغة ارتباطاً وثيقاً بتيّار السّرد الحكائيّ الأصيل في الثقافة المصرية (مثل استخدام اللهجة المحكية و الألقاب التاريخية المرحلية ( هانم ...باشا .)..لينقلنا بشكل صادم لحياة المتنفعين والمتسلقين من المخمليين الذين نهضوا على أكتاف المحرومين من طبقات الشعب المستغلة و المسحوقة.تذكرنا بساطة اللغة بالسهل الممتنع الأشبه بالتأثير السحري لحكايات الشرق القديمة ورمزيتها السردية البسيطة كحكايا ألف ليلة وليلة وهذا يذهب بنا إلى أن الكاتب احتاج لخوض تجربته الحياتية في تلك المرحلة من تاريخ مصر المعاصر وقتاً كافياً حتى يخلق في مخيّلات المتلقّين نضج الواقع على الورق عبر اللغة ،حتى ولو كان المتلقي ابن البيئة أو إفرازها التلقائي الذي نالت منه التجربة شاء أم أبى .
- الحبكة :قام الكاتب بربط ولادة الرواية بأحداث كبيرة على الصعيد السياسيّ المتعلق بثورة ٢٥ يناير(الثورة على النظام الأوليجاركي الذي تسيطر فيه قلةٌ على الثروة مستولين على حق الشعب الكادح حيث يحاول فيها رجال الأعمال والمستثمرون السيطرة والاحتكار على هيئات ونظم الدولة، محاولين إدارة دفة الحكم لمصلحتهم، وبذلك يسيطرون على كل هيئات وسلطات الدولة، تشريعية كانت أو تنفيذيه بل وحتى قضائية). كشخصية ( سمير) الذي تطورت بمعيار مشابه لذروة الفساد وتفشيه.
الرواية تبدو في ظاهرها مرتبطة بشكل وثيق بتفسخ الطبقة الارستقراطية والفساد البرجوازي المتأصل تاريخيًا و إنسانيًا بكل تبعاته الكارثية من قبل عام ٢٠٠٨ وما تلاهاعلى الطبقة المسحوقة و المتوسطة.ورغم أن الشخصيات الروائية قد تلبَّست الأفكار المعلبة التي ستخدم قضية الرواية ودوافعها إلا أنها تمكنت من عكس صورة التدهورٌ الاقتصادي الذي أدى لظهور جيل جديد من حملة الشهادات الجامعية الذين لا يجدون وظائف مجزية في المجتمع ولهذا كان الشباب العمود الفقري للثورة في الحقيقة بينما أجهز الكاتب على توازن الشخصيات الشابة في السرد (كشخصيات دينا و هاني ) من خلال تحطيم رموز إيديولوجية الأخلاق كقبول ٍغير معلنٍ لمفهوم تطهير الثورة المألوف تاريخيًا و إنسانيًا.
- الشخصيات الروائية : لم يكن الكاتب حيادياً في خلق واقع الشخصيات الرئيسية فنحن نرى بنية ًهشةً لطرائق أفكارِها و ملامِحها النفسية .خلال الأحداث سنرى التذاكي، الادّعاء، الشكوى، الخوف، التنبّؤ، الخيانة، العلاقات المحرمة ،الفساد الأخلاقي لكننا لن نستطيع أن نرى ذلك الهامش الإنساني لها ،فلا نرى ندمًا، شفقة ،رحمة ،انسانية أو تعاطفًا. لدينا فضاء مشترك كقراء مع شخصيات ستسقط ولا ريب في عجلة تسارع الأحداث لقلَّة تداخلها العفوي كمخلوقاتٍ بشريةٍ تحت مستوى الشبهات. حكمَ الكاتب بالإعدام على شخصياته وحرم القراء من محاكمتها ببراعة محنكة، لا يوجد اختيار ديمقراطي في حركة الشخصيات الأربعة وحوارها بل دكتاتورية مطلقة بثوابت واضحة.
- الأسلوب السردي : لطالما انفرد الكاتب باسلوب السرد السينمائي الذي يعتمد تقطيعًا مشهديَا دراميًا عَنِي بخلق صُوَر بصريّة على شكل حكاية تصلح لروايةٍ تلفزيونيّة محددة الملامح والآفاق، بتشويقها وتلاحق أحداثها وطزاجة صراعها. سيتمسك القارئ بحدسه ووسيتتبع الطريق الذي رسمه الكاتب له بذاكرته وتوقعاته.المساحة الزمنية الأفقية خدمت النص تلقائيًا .نرى تسلسلًا منطقيًا للأحداث بشكلٍ فنيٍ واستجلاء ًموضوعيًا ينقل القراء لمصاف النقاد لأنه يركز على مبدأ المعرفة المشتركة وانطباعاتهم عليه. ورغم الحكم المسبق على الشخصيات فإننا نرى الكاتب وقد قدَّم معرفة كافية بموضوعه وجرَّ المتلقي للانخراط فيه بوعي وتمايز و بمعايير مألوفة تواكب توجها عالميًا يعنى بالإنسان العريي المعاصر و أزمات الربيع العربي و تبعاتها على الشعوب العربية.
- سنرى جمالية مختلفةً في بناء المتن السردي في الفصل الأول من الرواية هي ومايصاغ بثنائية المشهد ؛ حيث نرى بناء المنصة الدرامية ببنيتها وشخصياتها من وجهتي نظر متقابلتين فهناك إطلالة الكاتب الذي رسم الحدود والملامح و المفارقات ثم وجهة نظر شخصية سمير وتحويلها من مشارك متفرج في بداية تراكم الأحداث وارتباطاتها إلى مونولوجيست يستقرأ البعد المستقبلي للأشخاص و الأحداث كاشفًا عن جزءٍ خفي مما سيحدث. ربطٌ موازٍ ومثيرٌ للريبة سيخاطب عقل القارىء وأحكامه الخاصة.
- الرمزية : استخدم الكاتب معيار "الحساسية الجديدة " في اختيار العنوان فهو مضلل مسببٌ للكثير من الدلالات و الإشارات الثقافية المتعددة. ماتريكس في علم الرياضيات هي مصفوفة الأعداد أو الرموز أو التعبيرات المنتظمة في أعمدة هدفها خلق عبور من الدخول إلى المشكلة الحسابية ثمَّ الوصول إلى حلٍ لها.وقد اُستخدم العنوان رمزيَّا لإضافة ِأبعادٍ للشخصيات الأربعة التي تمثل مصفوفة العمل الروائي وبنيته الهجومية على الطبقة البرجوازية الفاسدة في المجتمع.نجد التشابك العاطفي المريض بين الشخصيات الأربعة كرمز للانحلال الأخلاقي والمفهوم النرجسي للذات و مبدأ (ميكيافيلي) الشهير، الغاية تبرر الوسيلة ولهذا نرى الغموض محيطًا برمز الشر المطلق والمجسد بشخصية سمير الانتهازية الخبيثة وقدرته على التسلل لغاياته من خلال استخدام نقاط ضعف خصومه وشركائه واللهو بالمتنفعين من خططه وضحاياه في نفس الوقت.ستبقى تلك الشخصية رمزًا نمطيًا لطغيان قوى الشر واستمراريته المطلقة في خلق النزاع الوجداني و النزعة الصادمة التي قد تفكك مجتمعات وتلغي أنظمة سياسية وتغير مناهج اقتصادية تاركة بصمات فكرية واجتماعية متعلقة بحقبة زمنية و أجيال بأكملها.
- قد يؤخذ على الكاتب إغراقه في الإيجاز في مادة دسمة تحتمل الكثير من الشخصيات الضدية و تفاصيل و أحداث كان من شأنها إغناء سردية العمل والإضافه لزخمه وحيويته.
- رواية "ماتريكس" رواية من روايات الشرق الذي نعيشه، تمتاز بمرونتها وبعدها الإنساني وقدرتها على تجسيد مرحلةٍ زمنية تاريخية وإنسانية تتحدى عقل القارئ وتتفاعل معه تلقائيًا بتتطور أحداثها وثورية المنطق السردي المباشر .هي أزمة فكرية تتناول أفكارًا وجودية ، تسقطُ عن القارئ دور التلقي وتجعل منه مشاركًا بوعي الشخصية متنبئًا بحركاتها وسلوكها مستقصيًا وجودها ورغباتها بلغة بسيطة سلسة بعيدًا عن الرواية التقليدية الكلاسيكية.
*******
Kinana Eissa
