قصة قصيرة
بقلم أ. نزار الحاج علي
هل أنت مواطن شريف؟
عند تخرجي من كلية الهندسة المعمارية، في بداية التسعينات، تم ندبي للعمل في أحد مشاريع النفط في مدينة طرطوس، وعند التحاقي بالخدمة، فاجأني مدير المشروع بسؤاله:
_هل أنت مواطن شريف؟
أجبت بسرعة وعفوية:
_أكيد نعم.
_ إذاً لا مكان لك عندي في هذا المشروع.
شعرتُ بالصدمة الشديدة، لأن كل الكلام الذي قيل لي عن المهندس أبو علي، وعن كونه مثالاً يحتذى للمواطن الشريف، فكيف يرفض التحاقي بالعمل معه؟
باءت كلّ محاولاتي لاقناعه بالفشل، في النهاية استسلمتُ للواقع.
_سألبي رغبتك، وأبحث عن رزقي في مكان آخر، لكن بشرط أن تشرح لي ماعلاقة هذا السؤال برفضي.
تنهد أبو علي، تنهيدة قوية، وصبّ لي كأساً من الشاي.
_حسناً سأخبرك بثلاثة مواقف ولك الحكم.
_ في الستينات من القرن الماضي كنت طالباً أدرس في كلية هندسة الميكانيك في إحدى الجامعات الأوربية، زارنا وقتها رئيس مجلس الوزراء، وطلب أن نبذل جهوداً مضاعفة في التحصيل العلمي، فالوطن بحاجة لكل أبناءه الشرفاء، وهناك نهضة حقيقية من سدود، ومصانع، وسكك حديدية تنتظر مساهمتنا الفعالة.
_وفعلاً أنهيت سنوات دراستي بتفوق، وحصلت على فرصة عمل في ألمانيا الغربية، لكنّي فضلتُ العودة لأخدم الوطن، رغم إلحاح أبي الشديد، بعدم العودة.
_عند وصولي إلى المطار برفقة بقية الطلاب، تم استقبالنا استقبال الأبطال، وبحضور رئيس الوزراء شخصياً، كرّر علينا نفس الخطاب، وحدد لنا مواعيد مختلفة مع الوزراء المعنيين، كلٌّ وفق اختصاصه، وكان موعدي بعد ثلاثة أيام مع وزير الصناعة.
_طبعاً فاتني أن أذكر لك، أنه تم مصادرة شهاداتنا العلمية، وجوازات سفرنا، بمجرد هبوطنا من الطائرة، كإجراء روتيني.
_موعدي مع الوزير المختص، استغرق ثلاثة أشهر بدلاً من ثلاثة أيام، بسبب انشغاله المستمر.
أخيراً تم ندبي للعمل في معمل الجرارات الزراعية في مدينة حلب، والذي كان قيد الإنشاء وقتها.
_على الفور طُلب مني الإشراف على تنفيذ الأعمال المدنية، فاعترضت بشدّة، كوني مهندس ميكانيك، والأولى أن أتابع المكائن الموردة للموقع.
_استغرق جدالي ثلاثة أشهر، حتى تقدمت في النهاية بطلب نقل، وفعلاً استجابت الوزارة، وتم تعييني في السكك الحديدية، وعندما اطلع مدير المشروع على سيرتي الذاتيه، طلب مني متابعة الأعمال المدنية الخاصة بمدّ سكة الحديد، بسبب خبراتي السابقة.
_اعترضت بشدة وطلبت النقل فوراً، استجابت الوزارة بعد عدة شهور، وتم ندبي للعمل في مشروع مصب النفط بطرطوس، لكن مع ملاحظة تشكك بانتمائي وإخلاصي للوطن.
لم أجروء بعدها على الاعتراض، وتم تكليفي كالعادة بالإشراف على الأعمال المدنية لقواعد خزانات النفط، وتدرجت بعدها في المناصب، حتى أصبحت الآن مديراً لقسم الأعمال المدنية في الشركة!.
_ هذه كلّها برأي قصة واحدة، خطأ بسيط في بداية مسيرتك المهنية، كان السبب في تساقط أحجار الدومينو، حتى وصلت بك الأمور للنهاية الحتمية.
_معك حق يا بني، وسأروي لك القصة الثانية باختصار شديد.
_في الليلة السابقة للقصة، كنت أطالع في الصحيفة لقاءً مع السيد وزير الداخلية، أكدّ فيه على دور المواطن الشريف في مكافحة الجريمة، وكان الحظّ حليفي لأثبت للجميع انتمائي الوطني، فقد باغتُّ لصّاً وضيعاً ضئيل الحجم، وهو يحاول سرقة بيتي مساءً، وبسبب الفارق الجثماني، استطعت الإمساك به وتقييده بسهولة، ثم بادرت فوراً للاتصال بالشرطة، لكنهم وبسبب انشغالهم الشديد، لم يتمكنوا من الحضور، رغم وعودهم المتكررة، أنهم سيصلون خلال دقائق.
ومع بزوغ الفجر، قررتُ أن نقله في سيارتي الخاصة إلى القسم المختص.
_وهناك حدثت المفاجأة، فجأة تحوّل هذا الضئيل إلى رامبو، وكال لي سيلاً من التهم الملفقة، أبسطها أني سرقت منه مبالغ مالية ضخمة كانت بحوذته.
قرر الضابط فتح ملف، وإرسال اللصّ للمشفى لإجراء معاينة، ووضعي في السجن بانتظار استكمال التحقيق.
ولولا لطف الله أولاً، ومعرفتي بأحد أصحاب النفوذ ثانياً، لم أكن لأرى النور ثانية، لكن ليس قبل أن أسقط حقي، وتكرّم اللص الذي على إسقاط كافة التهم الموجهة لي!
وقبل أن أبدي رأياً بالقصة، بدأ في الثالثة، وكان متحمساً جداً هذه المرة، فلم يمض على قصته وفق ما ذكر، سوى أيام قليلة.
_قبل أشهر قليلة يا بني، تابعت حلقة تلفزيونية مع السيد وزير التموين، وكان يتحدث بشكل منطقي وعقلاني، وختم اللقاء بالطلب من كلّ مواطن شريف أن يساعد بقمع المخالفات التموينية، وذلك بإبلاغ الجهات المختصة، والتي ستبادر فوراً باتخاذ الإجراءات اللازمة.
ضحك قليلاً، ثمّ تابع حديثه:
_كانت مهمتي واضحه وضوح الشمس، فقد حددت في الليلة السابقة، عدوي وعدو هذا الوطن.
لقد كان الجزّار أبو صطيف هو المقصود، وسيقع أخيراً في شرّ أعماله.
قالها، وضحك بصوتٍ أعلى هذه المرّة.
_مثل العادة رفع السعر ٢٥ ليرة عن السعر التمويني، فرفضت الدفع، وسارعت فوراً للإبلاغ عن المخالفة.
وفعلاً حضرت الجهات المختصة بسرعة، وسجّلت محضراً بالواقعة، وتمت إحالة الملف للقضاء.
هنا هههههههه تأكدت من جدية الوزارة في تطبيق تعليمات الوزير، و ارتفع شعوري وإحساسي وفخري بالمواطنة، حتى كاد أن يرتطم بالسقف ههههه هههههه.
_تم تعين موعد الجلسة بعد أسبوع واحد فقط، لكن غريمي لم يحضر، فتمّ تأجيل الموعد هههههههه.
_تكرر ذلك عدّة جلسات، إلى أن صادفني ظرفٌ طارئ استدعى غيابي عن إحدى الجلسات، واعتقدت وقتها أن الأمر طبيعي وأن القاضي سيتفهم عذر غيابي هههههههه.
لكن في المساء ثبت لي عكس ذلك، فقد أفزعني الطرق الشديد على الباب، بأمر من المحكمة حضرت دورية من الشرطة لسجني والتحفظ عليّ حتى الموعد اللاحق، أي لمدة حوالي شهر ونصف وفق ما شرحه لي الضابط مشكوراً.
لم تستطع كل توسلاتي وحججي بإقناعه، لكن في النهاية استطعتُ ببعض النقود، شراء عطفه وتفهمه، على وعدٍ مني بعدم إعاقة القضاء.
وفعلاً حضرتُ قبل الموعد بساعات، لكن كالعادة تم تأجيل الجلسة، لعدم حضور المتهم.
استمر الحال عدة جلسات، حتى بدأ اليأس يتسرب إلى صدري، وصرتُ أبحث عن وسيلة للتنازل عن الدعوى، حيث نصحني أحد الأصدقاء بتكليف محامٍ شاطر ولهلوب على رأي الإخوة المصريين.
وبالفعل استطاع المحامي تحقيق طلبي بالتنازل، بعد أن استنزف مني ثروة لا بأس بها، وبعد أن أسمعني القاضي كلماته القاسية، وكيف أنني سقطتُ من نظره، بعد أن كنتُ سابقاً مثالاً للمواطن الشريف.
استغرقنا معاً في موجة هستيرية من الضحك، حتى انقلبنا على ظهورنا.
خرجتُ من عنده بسرعة وهو ما زال على حاله من الضحك الجنوني، إلى أقرب مركز لاستصدار جواز سفر، بعد أن أغمضتُ عيني عن كلّ الإعلانات المنشورة في صالة المركز.
