زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

زهرة المنغوليا _ بقلم: أ. محمود فودة







زهرة المنغوليا

*****

 نظرت إلى حجرته بعينين مغرورقتين بدموع الذكرى من خلف شباكها  الزجاجي، كثيرا ما راقبتْه وهو منكب بجسده المكور الضخم على طاولة كبيرة أمامه، يمسك بيده (مازورة) وبيده الأخرى قطعة من الطباشير يضع بها علامات على ثوب من قماش (الأورجانزا) ويتنقل بعينيه الضيقتين المسحوبتين بين ثوب القماش والتصميم الذي رسمه على ورق (الكانسون)، وكلما أنجز شيئا، هرع إلى النافذة، لوح إليها بيديه وجسده كله يهتز ثم ينادي عليها بكلمات ثقيلة...                                               
   اختلس زوجها النظر إليها من خلف صفحات الجريدة المسائية التي يطالعها... طواها وألقاها أمامه على الطاولة، مسح عينيه بطرف كمه، ثم أشعل سيجارة، أخذ منها نفساً عميقا، سرعان ما زفره، وخلف غمامة الدخان، توقف قطار الذكريات عند منتصف الأربعينيات من العمر، حين التقيا والتقت أقدارهما، كانت تصغره بعشر سنوات، حملت بعد بضعة شهور، لم تسعهما الدنيا فرحة، انطوت أيام الحمل خفيفة سريعة، لم يقلقهما إلا كبر حجم بطنها عن المعتاد...
  وتذكر وقوفه على جمر الانتظار أمام  غرفة العمليات، يتقلب بين الرجاء والخوف، يروح و يغدو، لا يطيق البقاء على مقعد ولا يرقأ له طرف، و الخوف ينهش قلبه، غفا هنيهة... ثم قام فزعاً على صراخ طفولي متقطع، امتلأت رئتاه بهواء الارتياح ،فتحت الممرضة باب الغرفة وبشرته... طار خفيفاً، يوزع  كلمات الشكر، ويده تسبق لسانه... ولد... أخبرهما الطبيب بذلك قبلاً  كما أخبرهما بأشياء أخرى... حينها قررا أن يحتفظا بالجنين أملاً بأن يكرمهما الله ويكون الطفل على غير ما باح به (السونار       أعاد الطبيب على مسامعه  ذات الكلام الذي سمعه منذ شهور، اربدّ وجهه، مادت به الأرض، وكأن الطبيب ضربه بمطرقة على مؤخرة رأسه، لكنه تمَلكَ نفسه، جرّ قدميه وهو يردد:- لله الأمر من قبل ومن بعد.
تناول الطفل الذي بدا كقطعة عجين صغيرة متكورة، جلس بحذر على طرف سريرها، لم تستطع الكلمات التي انزلقت من لسانها ثقيلة تحت تأثير المخدر أن ترسم بسمة واحدة على زوايا شفتيه.                     استعادتْ وعيها سريعا، مدت يديها جسرا لتضم الحب إلى صدرها، ضمته إلى ضلوعها، اجتهدت أن تلقمه ثديها، أخذه في فمه بفطرة عرجاء، اطمأنّ عليهما، ودعهما ريثما يستريح.                                                                                في المساء استقبلته بدموع ثكلى، قطّع الذعر الفائض من عينيها وارتعاشة شفتيها نياط قلبه، لفهما صمت طويل، غلت الظنون  في مراجل قلبيهما، نفساها زفرات مكتومة بين فينة وأخرى، تشاغلت هي بوليدها، وتعلل هو بالرد على رسائل التهنئة، استرق النظر إليها وهي تتحسس وليدها: أصابعه القصيرة، كفه المفلطح، وجهه المكور، طبطب عليها واحتضنها، أذاب مخاوفَهما دفءُ قلبيهما.
كبرت قطعة العجين وتكورت، وتشكلت كائناً ملائكيا، ترعرعت معه كل معاني الجمال، أغلق مسالك الهموم إلى قلبيهما، لكن... ما خلت حياتهما من المنغصات التي طاردتهما في البيت والشارع وعيادة الطبيب، وفي أحلامهما.
  اعتاد الطفل أن يتعلق بدمية لأحد الحيوانات، ازدحمت حجرته بالدمى، راقباه كثيراً وهو يجري على ألسنتها حوارات بريئة من وحي خياله.
  ذات برد شديد، جمع الدمي ورصها بجانب بعضها، قام إلى الستارة الأورجانزا و قصها من تحت حافة الشباك بقليل، قطعها أجزاء وصنع منها ملابس للدمى؛ ليدثرها من البرد، وقفت مدهوشة، لم تغضب، ولم تزجره، انتظرت لترى... وهكذا فعل بالستارة الثانية على الشباك الآخر للحجرة، طرقت على الحديد الساخن، ألحقته بدار لرعاية الموهوبين، ملك القلوب ببراءته، وروحه المرحة، مضى يوزع حلوى السعادة على من حوله، أنشأتْ له قناة على اليوتيوب، حصد مئات الآلاف من الإعجابات والاشتراكات وآلاف الدولارات
  ذهب بهما قطار العمر بعيدا، توحشت مخاوفهما واصطدما بهاجس الموت المفاجئ ...
 بات يافعا في العشرين من عمره... تطارده الكاميرات، والمعجبون والمعجبات وربما وكما يدور في فكر الكثيرين  (المشفقون والمشفقات
   في الصباح منذ عامين، لم يستيقظا -كالعادة- على صوته وهو يؤدب الأرنب الهارب، ولا وهو يزجر اللبؤة التي افترست غزالته دون شفقة، ولا رحمة بجنينها، ذهبت الأم إلى حجرته؛ فإذا به مستلقٍ على ظهره والدمى مرصوصة فوقه تنظر  إليها بعيون جامدة.
 توقف قطار الذكريات، و عاد الأب لمراقبة الأم الثكلى وهي منهمكة بالضغط على بخاخ الماء تدفع به بلورات فضية، تنعكس عليها أشعة الشمس وقت الغروب  فكأنها ترش عقيقا على بساط أخضر تزينه ورود باسمة،
 ليقطفاها صبيحة غد ويضعاه إكليلا على قبر (زهرة المنغوليا) في ذكراه الثانية.

٢٠٢٠/٩/١

******

 *المازورة (شريط القياس)



********

محمود فودة 




















عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية