زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قراءة نقدية _ بقلم: الأديب / عبد الرحيم خير _ في قصة " بلد العميان " بقلم: الكاتبة






( في بلد العميان يصبحُ الأعورُ ملكا )

دلالة العمى في نص (بلد العميان ) 
للأستاذة/ أمل البنا دراسة نقدية ...

بلد العميان ...

*****

عنونة مميزة تقودنا مباشرة إلى القصة الشهيرة والتي حملت نفس الاسم ( بلد العميان ) والتي كتبت عام 1904 للكاتب هـربرت جورج ويلز، ولكن بانتهاء القراءة يظْهرُ للقارئ أن المحتوى لم يحمل من القصة ولم يتناص معها إلا في العنوان الذي اختارته الكاتبة وبعناية فائقة،  وكأنها تؤكد قبلا أن النص وإن حمل نفس العنوان إلا أنه يحمل فكرا وطرحا ودلالة مختلفة للعمى عن تلك الدلالة السابقة ..
والمتأمل للنص يجد أن المسكوت عنه والذي تعمدت الكاتبة أن تشير إليه تلميحا وايحاءً هو ما أعطى للنص قيمته وجاذبيته ووسع من دوائر البحث
 داخله،  ليجعل من كل كلمة قابلة للتأويل والتفسير وأظن أن الكاتبة من بداية القصة ومقدمتها مرورا بحديث الدرويش ووصفته للتخلص من العمى والعودة للحياة الطبيعية انتهاء بمقابلة الوالي  واختيار كلمات الحوار وعدد المتكلمين وترتيب أرقامهم، أعتقد أن ذلك كله  لم يكن عاديا وإنما هو ترتيب له دلالته التي تخدم الفكرة وتساهم في دفعها بقوة نحو ذهن القارئ والمتلقي.
وإيمانا مني أن المسار الطبيعي لتلقي الأدب والتفاعل معه هو أن نسير مع الكاتب ونرافقه رحلته لنرى كيف يسند الأدوار لأبطاله وكيف يوظف الأحداث ويشارك أبطاله فيها أحيانا بوصفه راويا عليما ، كل هذا مع الوضع في الاعتبار زمان الكاتب وبيئته والأحداث المؤثرة في إنتاجه الأدبي .
وبالعودة إلى دراسة دلالة العمى في النص نجد أن هذه الدراسة ما هي إلا حلقة في سلسلسة أفردت لدراسات دلالة العمى؛ هذه الدراسات التي تطور فيها مفهوم ودلالة العمى منذ عصر اليونان القدماء والذين كانوا يعتبرون العمى عقابا من الآلهة يُعوض عنه الفرد الأعمى عن طريق مَنحه بعض المهارات والميزات من قبل الآلهة،  إلى أن تطور هذا المفهوم في الأدبين (المسيحي/اليهودي) فاعتُبر العمى فيهما عيب ونقص يجلبه الإنسان على نفسه نتيجة لارتكاب الخطيئة وهو نقص سببه كره الآلهة، وللخلاص منه يجب التبرك بملامسة رجال الدين الاتقياء وطلب الصفح والغفران ..
ومع ظهور الإسلام وتنزل القرآن ظهر مفهوم جديد للعمى إذ الأعمى هو المعرض عن الحق  والمكذب للهدى والقرآن قال تعالى:
 (وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ
 فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا )
وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)
ومن هنا وإلى يومنا فقد تعددت وتوسعت الدراسات التي تناولت مفهوم ودلالة العمى وتطوره وانتقال المعنى من المفهوم الحسي إلى المعنوي..

هذا وقد تجسدت دلالة العمى والإبصار بمفهوميهما الحقيقي والمتخيل  في ثنائيات متناقضة متعددة تظهر كلها تطور وتغير المفهوم، ومن هذه الدلالات:
( الجهل/العلم، الحق /الباطل، العدل /الظلم، الإيمان/الكفر) ....وكما اختلفت دلالة العمى باختلاف الدراسات اختلف أيضا توظيف العميان في التراث الأدبي بين من احترمهم وقدرهم فصورهم ووصفهم  بالموهوبين المتميزيين ومن عاداهم واحتقرهم  فوصفهم بالأشرار الخبثاء, بينما عدهم آخرون  حكماء مجربيين، وهناك من اكتفى  فتعاطف معهم فوصفهم بالأبرياء قليلي الحيلة والضعفاء الراضيين .....   
وهنا نواجه السؤال الأهم إلى أى دلالة تنتمي دلالة العمى وينتمي أبطال  قصة بلد العميان للكاتبة( أمل البنا ) هل تأخذنا الدلالة إلى المعنى الأول الذي يرى العمي عقاباوجزاءً من الآلهة؟، ولكنّ سائلا يسأل وأين هي هذه الألهة التي عاقب أهل  القرية بالعمى  وهل العمى هنا حقيقي أم معنوي كالضلال والجهل والإجابة في قوله تعالى:(
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً )
فالهوى قد يصبح إلها ويُردي صاحبه فيعميه عن رؤية الحق والصواب، وهو ماتحيلنا إليه دلالة سؤال المتكلم الأول وحديثه عن الشيخ الذي نصحهم بطلب بقرة الوالي (أظن أن هذا الرجل قد أصابه الجنون، أيريد منا ان نتجرأ على الوالي بسؤال بقرته) فهذا الخنوع سببه تأليه الوالي والخضوع له لا لشيء إلا لهوى في نفوسهم قد يكون مصدره الخوف أو الجبن والخنوع والتسليم..

أم هو المعنى الثاني لدلالة العمى عند الأدبين ( اليهودي والمسيحي ) وأن العمى هو نقص وعيب نتيجة لارتكاب خطيئة ما وما الدواء إلا بالتبرك وطلب الصفح والعفران، وهو ما أحالتنا إليه دلالة التبرك ببقرة الوالي في قولهم جميعا وقد شاهدوا ثورته وغضبه عليهم بعد أن طلبوا بقرته قالوا بصوت واحد:  ( لتقديم قربان لها أيها المبجل)
وماهذه الخطيئة التي اقترفوها إلا  التجرؤ على طلبٍ مثل هذا وما هذا النقص الذي لحقهم - سواء كان حقيقيا أو معنويا-  إلا بسخط الوالي الذي يعتبرونه إلها ويخشون مخالفته.

أم هي الدلالة الثالثة دلالة العمى التي ظهر مفهومها الجديد مع ظهور الإسلام ودعوته إلى إعمال العقل والبصيرة والتفكير السليم قبل قبول أورفض الدين الجديد الذي هو الدين الحق، والذي حرص كل الحرص على الدعوة للتبصر والتفكير واهتم اهتماما خاصا بهذا المعنى وجعل عمى البصيرة مساوٍ لعمى البصر، ومنه أن كلمة البصر ومشتقاتها وتصاريفها في القرآن الكريم وردت( ١٤٨) ومن هذا العدد  الكبير لم يطلق لفظ البصر ويراد به الرؤية الحقيقة؛ رؤية الأجسام والصو والضوء بالعينين إلافي (٨٨)حالة فقط، ثم دلت الكلمة (البصر)  على معنى التبصر العقلي والفكري بظواهر الكون والحياة في باقي المرات ....
وهو مالم يحدث مع أهل القرية الذين نحوّ عقولهم وانقادوا طائعين لظلم الوالي واستبداده ولم يصمدوا لمواجهته ساعة لينالوا حقوقهم المسلوبة
وإنما تخلوا حتى عن آدميتهم عند مواجهته....

(الوالي في ثورة غضب عارمة قائلاً: أعطيكم بقرتي أيها الرعاع !!وكحيوانات قد اكتظت بالطعام تدافعت أصواتهم نحوه: لتقديم قربان لها أيها المبجل) 

وإذا كانت الكاتبة قد تركت لنا مهمة البحث عن دلالة العمى فإنها أيضا أعطتنا سلطة القضاء والحكم على هؤلاء العميان، ولنا أن نسأل هل العميان هنا وبهذا الوصف هم  الموهوبون المتميزون؟  أم هم الخبثاء الأشرار؟ أم هم الضحايا الأبرياء؟ أم هم قليلي الحيلة الضعفاء؟ سؤال يتردد صداه في  أذن القارئ ولاتجيب عنه الكاتبة،  بل تتركنا عن قصد نبحث بأنفسنا عن هذه الدلالة الغائبة المراوغة، لعلنا نقبض على الدلالة المقصودة ..
ولتيسير الأمر وكشف الغموض وإماطة اللثام عن هذه الدلالة  نستعين بدراسة أخرى وهي  الدراسة الرائعة التي قدمها الدكتور (شريف الجيار ) بعنوان (الأعمى في ثلاث مرايا سردية ) بحث فيها دلالة العمى في ثلاث روايات ( رواية الأيام لطه حسين ، ورواية قنديل أم هاشم ل يحي حقي ، ورواية مالك الحزين ل إبراهيم أصلان) وانصب عمله في هذه الدراسة حول البحث عن دلالة العمى في هذه الروايات،  وبدأ دراسته بالنقد والتحليل لرواية الأيام  ل طه حسين وقد خلص من هذه الدراسة إلى أن العمى عنده كان يعني الإصرار على طلب العلم والتمرد على الواقع من خلال العلم نفسه ومنه استخلص أن دلالة العمى في رواية الأيام بمعنى الإصرار والتحدي والقدرة على مواجهة الواقع وتغييره للأفضل ...
وهو مالم نجده في قصتنا فلم يكن هذا موقف أهل القرية وإنما كان موقفهم الاستسلام والخنوع والرضا بما فرضهم عليهم هذا الوالي المستبد ...

ثم انتقل بعدها للحديث عن يحي حقي ورائعته ( قنديل أم هاشم )وأوضح أن شخصية العمى والتي تجسدت في  شخصية فاطمة النبوية والتي كانت هي الضحية التي فقدت عينيها بسب الزيت الذي أعطاه لها الشيخ وزعم أنه زيت مبارك.
انتهت الدراسة وقد خلصت إلى أن دلالة العمى تعني الانهزام والأعمى هو الضحية المغلوب على أمره ...
وربما تشابهت هذه النتيجة قليلا مع قصتنا إلا أن هناك فرق جوهري فالعمى في قصتنا ربما لم يكن بالمعنى الحقيقي وهو ما نلمحه في مواضع كثيرة منها ...( و كأن بينهم من يخشون افتضاح أنفسهم أمامه)

وأخيرا ختمت الدراسة برواية مالك الحزين للكاتب إبراهيم أصلان والذي يسأل على لسان الشيخ حسني من هو الأعمى ؟! هل هو من فقد البصر أم البصيرة؟!  هذا السؤال أجاب عنه الكاتب من خلال شخصية الشيخ حسني بقوله ..
(إن الأعمى هو إنسان فقد البصيرة ولا يملك الإرادة والرغبة في تغيير الواقع) ....
وهو المعنى الأقرب لدلالة العمى في قصتنا بلد العميان....

يحسب  للكاتبة أنها  جعلتنا  وعن قصد نشاركها الكتابة بما أتاحته لنا من تلك المساحة من فلسفة الأحداث المروية لنصبح ودون أن نشعر مشاركون في تبعات هذا الموقف المتخاذل لأبطال قصتها وكأنه من حقنا أن نشاركها السرد والكتابة بتعديل أو تصويب القرارات أوباستنهاض هذه العزائم والهمم الخائرة وأن ندفع  هؤلاء الخانعين الذين رضوا بالذل والمهانة ليبذلوا جهدهم وطاقتهم نحو الحرية والتغيير 

؛؛ في النهاية تبقى دلالة العمى المعنوية على الخوف والجبن والتخاذل والانهزام  هي المسيطرة وسيدة الموقف، ومالم يتخل أمثال هؤلاء الجبناء عن خوفهم ومالم لم يتحسسوا طريقهم نحو الحرية والخلاص فسيبقي العمى ملازما لهم  وعلامة عليهم،
وسيجد القارئ نفسه وبعد كل هذا الفشل في زحزحة الموقف والوقوف في وجه المستبد / الوالي أمام حقيقة صادمة أنه هو المقصود وأنه واحدٌ من أولئك الخانعين في بلد العميان والتي أصبح فيها الأعور/الوالي ملكا.... 
..............................   ...................................
كنت أود أن تسهب  الكاتبة قليلا في ذكر أملاك  الوالي بوصف  قصره وهيئة معيشته وأملاكه لتقنع  القارئ بضآلة الطلب الذي يطلبه أهل القرية وذلك لأن المستبد دائما ومع قدرته على تلبية المطالب البسيطة إلا أنه يتعاظم باستبداده ظنا منه أن هذا يعد بداية التنازلات فيدفعه استبداده لرفضه،  مع معرفته بصغر الطلب وحقارته وحاجة شعبه الملحة لما يطلبون، إلا أن الاستبداد وتعاظم  المستبد صفتان حاكمتان ومسيطرتان على نفس المستبد و مرجعيتة في كل قراراته وتصرفاته خاصة مع أمثال أولئك الخانعين، وأظن أيضا أن الكاتبة قد تداركت ذلك بذكر لون البقرة (بقرتك الصفراء ) بما يوحي أن له أبقارا غيرها وبألوان  وأحجام مختلفة....

تبقى القراءة قاصرة ويبقي جمال  النص وتميزه في قدرته على استيعاب قراءات متعددة ومن زوايا مختلفة خالص مودتي ا /أمل البنا مع خالص الأمنيات بدوام الإبداع والتوفيق ....



                  ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛ عبد الرحيم خير .













عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية