قراءة بقلم أ. عبير عزاوي
في قصة زوجة الأب للأديب العالمي أنطون تشيكوف
........
زوجة الأب هي. ترميز عميق لسلطة النقد التي تنزاح من مفهومها الاجتماعي التقليدي لتعبر عن العلاقة الاشكالية الأزلية بين النقد والإبداع، ثم تتوسع هذه العلاقة لتحمل دلالات سياسية تعكس الصراع الطبقي الذي يعصف بالمجتمعات ابتداء من أصغر خانة له وهي الأسرة مروراً بالمجتمع وانتهاء بالفكر الانساني العام متمثلاً بالقصة التي يحاول الكاتب / بطل القصة أن يوصلها لزوجة أبيه بلغة شاعرية، لكنها اي العجوز تتدخل في مدلولات الكلمات متذرعة بتأويلاتها السياسية ومضامينها التي قد تحمل على محمل الثورية والنقد السياسي المبطن ، ليطال نقدها في النهاية حتى أدق التفاصيل من علامات ترقيم وإشارات تعجب ، وأظن ان المقولة التي أراد الكاتب إيصالها هي أن انصياع المبدع للرقابة يلقيه أخيرا في متاهة الفوضى والعدمية ويفرغ إبداعه من المضمون وهذا مارمزت اليه (الورقة المسودة بالخطوط بعد أن كانت بيضاء ).
اعتمد الكاتب على التبئير الخارجي الرؤية من الخلف حسب تقسيمات جيرار جينت، فالسارد موقعه خارج الشخصيات ويتحدث عنها ، واستخدم ضمير الغائب ليسرد قصته.
ولعبت المشهدية البصرية دوراً في كشف الحدث وساهم الحوار في تعطيل السرد ولعب دورا كذلك في الكشف عن الشخصيات، ورسمها اضافة لتعليقات الراوي ( السارد)، وملاحظاته الدقيقة في وصف حركة الشخصيات والتي سيطرت عليها شخصية البطلة التي صورها مهيمنة تحتل مكانها على الكرسي إشارة لقدرتها على التحكم بينما المبدع ( الكاتب ) يقف منصاعا لما تأمره به، بل ينته الأمر به إلى تقبيل يدها البارزة العظام ، وهذه الصورة المنفرة المستفزة للمشاعر لم يرسمها الكاتب عبثا بل تقصد ان تثير في نفس القارئ الاشمئزاز من عنجهية وتسلط زوجة الاب، واستسلام ابن زوجها لها ، وهذا يحيلنا الى تسلط الرقابة على الفن وانصياع المبدع لهذه الرقابة بلاقوة فاعلة حيث يصبح الابداع قاتماً مفرغا من محتواه .
كان عنصرا الزمان والمكان مطلقان غير محددين وهذا مقصود بالتأكيد لأن العلاقة بين الرقابة والفن تنسحب على كل زمان ومكان ممكن .
حضر التكثيف والاضمار بقوة فالمشهد لخص مقولات كثيرة دون أن نعرف خلفيات كل من الشخصيتين الفاعلتين بالتفصيل .وأتاح الكاتب مساحة واسعة لتخيل القارئ وسد الفراغات التي لم يملأها هو فكان القارئ مساهماً في الحدث وهي دعوة ليتخذ القارئ موقفاً حازماً من المبدع الذي تتسم مواقفه بالتذبذب والانبطاحية والانصياع لسلطة الرقابة التي تكم الأفواه وتمنع حرية التعبير والتفكير ..
*****************
زوجة الأب
على كرسى كبير ذى مساند يعود إلى الأسلاف، جلست سيدة عجوز صغيرة الجسم. وجهها مجعد ذو لونٍ اصفر - رمادى وكأنه ليمونة معصورة. كانت تنظر إلى جانب واحد، بكآبة وارتياب، متململة فى كرسيها دون استقرار، وبين الحين والآخر ترفع إلى انفها الدقيق الشبيه بالمنقار، قنينة صغيرة تحوى أملاحاً ذات رائحة (سعوط)، وكانت تشعر بأنها متعكرة المزاج. والى جانبها وقف شاب بمظهر جذاب، اسمحوا لى أن أقدمه لكم: انه شاعر، وابن زوج السيدة العجوز الصغيرة الجسم، وكان يدور بين زوجة الأب وابن الزوج، الحديث التالي:
قال الشاعر: جئت إليك بعملٍ يا أمى .. لقد كتبت رواية، ولقد أمرتنى أن أقرأ لك كل ما اكتبه. اسمحى لي، ها هى الرواية الآن....
- حسناً، سوف نقرأها.... ولكن لماذا يبدو عليك الحزن ؟ هل يعنى ذلك انك مستاء من تدخلى فى عملك ؟ هل تمانع ؟ هل أنت من ذلك النوع من الأشخاص ؟...
- ولكن، أنا مسرور يا أمي! كيف تأتى لك أن تقولى هذا ؟. لم أفكر حتي.... اخذ الشاعر نفساً عميقاً، اغمض عينيه قليلاً وبذل جهده لإظهار ابتسامة.ثم أردف: أنا مسرور جداً.... أرجو أن تحسنى إلي.... ينبغى لنا - نحن الكتـاب - أن نكون تحت رقابة ما......
- هكذا إذاً،.... هيا.. اقرأ لى ما كتبته، سأستمع لك.
بدأ الشاعر يقلب أوراقه ببطء. سعل مرتبكاً، وبدأ يقرأ:
كان صباح يوم من أيام شهر آيار الرائعة، وكان بطلى مستلقياً على الشاطئ، ينظر إلى الأمواج الهادرة، وهو يتأمل.... .
قاطعته زوجة أبيه: قف. قف.. اشطب كلمة "يتأمل".
- ولكن لماذا ؟
- الله يعلم ماذا كان يتأمل بطلك ! ربما كان شيئاً ما يمكن....
- ولكن سأوضح لك فيما بعد، يا أمي.
- يمكن للمرء أن يستنتج الكثير من الأشياء، قبل أن تكون قد وصلت إلى إيضاحاتك.... اشطبها.
شطب الشاعر كلمة "يتأمل"، واستمر يقرأ:
وبجانبه، على الرمل، كان يضع صندوق أصباغ وقطعة قنب تمتد على إطار....
- قف. قف.... كيف يمكنك أن تكتب مثل هذا ؟ اشطب كلمة "قنب"...
- ولكن لماذا، يا أمي؟
- ألا تدل تلك الكلمة على "التصّيد" ؟ ألا يمكن أن يكون فى معنى الكلمة تلميح إلى اضطرابات فى سكك الحديد، وان تلك الاضطرابات ترتبط مباشرة بـ .....
استبدل الشاعر كلمة "القنب" بـ "قطعة قماش" واستأنف القراءة:
كان مرافقه فلاح شاب يقف على حافة الشاطئ....
- أعدها. طوحت العجوز بيديها فى الهواء، وأدخلت أرنبة انفها فى قنينة أملاح الشم. أعدها... من اجل ماذا تريد فلاحاً هنا ؟ لماذا ؟ كيف دخل فى الموضوع ؟ استبدله بشيء آخر....
- سوف استبدله بـ "ولد صغير".
- ينبغى أن لا تفعل ذلك... إذا كان الولد الصغير يقف صباحاً على شاطئ البحر، فهذا يعنى انه ليس فى المدرسة، وهو تلميح بوجود نقصٍ فى المدارس.
مسح الشاعر حاجبه، تنهد بعمق، وواصل القراءة.
ولكن كلما توغلنا فى الغابة، كلما كانت هناك أشجار كثيفة، يتوجب قطعها. بدأت مخطوطة الشاعر تدريجياً تتغطى بخطوط سوداء، وبشطب، ونقاط، وفقدت باضطراد لونها الأبيض، وتبدلت إلى اللون الأسود. جميع الكلمات تم شطبها، عدا بعض علامات التعجب، والأرقام والقليل من ظروف الزمان والمكان. كانت العجوز تقف بالضد من علامات التعجب، لان مثل هذه العلامات، ربما كان القصد منها، زواجاً غير شرعى أو غير قانوني، يؤدى إلى اختلاط الطبقات الاجتماعية. وهى ترفض ضمائر الشخص الثالث، ذلك لان كلمة "هو" للعـاقل و"هو" أو "هي" لغير العاقل، قد تعنى أى شخص أو أى شئ: رينان، لزال، موسكو تلغراف، أو شيدرين ...وهى لم ولن تسمح له بأن يستعمل "الفوارز" لأنها - حسب ظنها - تلمح إلى ....
قالت العجوز: لماذا تركت هوامش فى مخطوطتك ؟ المسافة الفارغة تعني، أن لا حصاد. اقتطعها بالمقص!.
استطاع الشاعر بطريقة ما أن يصل إلى نهاية روايته:
أعلن الشخص المسؤول، قرار المحلفين بصوتٍ مرتعش: كلا انهم ليسوا مذنبين. صفق الحاضرون للقرار. .
انتفضت السيدة العجوز واقفة على قدميها، وقد امتلأت عيناها بالرعب، ومال غطاء رأسها جانباً، لتظهر ضفيرتها التى لا ترى فى العادة.
- هل جننت ؟... هل تبرئ السفلة ؟
- لكننى افعل الشيء الصحيح! انهم ليسوا مذنبين، يا أمي.
- ليسوا مذنبين ؟ هل فقدت عقلك ؟!. مجرد كونهم لم يصغوا لأسيادهم، وكانوا وقحين، وقليلى الأدب مع مساعد المدعى العام، وسمحوا لأنفسهم بأن يتحذلقوا أمام المحكمة، ينبغى أن يجلدوا بالسياط. ألا تعلم بان التبرئة تفسد أخلاق المرء؟ وتتلف الناس!. تريد أن تقول إن الجرائم يمكن أن تمر دون عقاب! ابدلها، من فضلك!
شطب الشاعر كلا، انهم ليسوا مذنبين وكتب:
فاسيلى كلنسكي، يعاقب بالعبودية فى المناجم، لمدة غير محددة، وتعاقب زوجته، ماريا، بالعبودية فى المعامل لمدة أربعة عشر عاماً.... .
السيدة العجوز منعته من شطب صفق الحاضرون للقرار .
- الآن، أخذت روايتك شكلها الصحيح. - قالت زوجة الأب - يمكنك السماح لأى شخص بأن يقرأها.
قَبل الشاعر يد السيدة العجوز، البارزة العظام، ورحل.
الأديب العالمي انطون تشيكوف .
