المجرم
****
تعلو الزغاريد، يرتفع الصياح بتحية العدل، تصفق الكفوف، ولا عودة في أحكام قضاء المحكمة بالحكم ببراءة المتهم.
هكذا المشهد بقاعة جنايات لقاتل هو صاحب المنزل حين وجد على غير المتوقع اللص بمنزله.
-لا يدرك القضاة ما سبب الجريمة؟
الباعث للجريمة لا يشكل ركنا أساسيا، أركانها ركن مادي وهو فعل المجرم، وركن معنوي وهو نية أرتكاب الفعل وعلاقة السببية بالفعل، هذا من مفكرة شراع القانون، لكن هو المحرك لها، الجريمة تبدأ من حالتك النفسية، شعور بالسوء والكراهية والغبطة والحزن، اندماجك مع نفسك في وحدتك مع الشيطان؛ فتترك مساحة الخيال تتسع، وتصطدم بالواقع في شرنقة مغلقة عليك وحدك، تتحلى بالصمت، تتقن السكوت، تصمم على منهج الصبر، تؤيد التسامح، تكتشف بدائيتك روح «هابيل» تحوم فوق رأسك، يحاربك المجتمع والفقر ربما والشيطان مؤكدا.
-ألن تمل من الصراعات؟ هي حرب مستعرة للبقاء؟
سؤال يطرحه بنفسه ويتردد صداه داخله
دراستة كانت لمدة تجاوزت الخمسة عشر عاما، الحصول على بكالوريوس الهندسة من أعرق الجامعات المصرية بالقاهرة كان شاقا، لا يدرك أحد كم الإهانات التي تلقاها فوق رأسه، ندبة في الحاجب الإيسر أثر مفتاح ثمانية من الأسطى «حسن»، لازالت تذكره بطفولة شاقة، أب يحلم بلقب مهندس، يواصل العمل ليل نهار، أجازاته الصيفية يقضيها بأي عمل حرفي في محاولة اكمال المسيرة، مازال يسعى للتطور رغم الصورة القاتمة أمامه، لن يضرنا وجود لون أزرق في لوحة سوداء، يريد أن يحب، أن يشعر لكن هذا مرفوض، من أين له بمبلغ للطعام معها بمطعم على النيل، الفقر ليس عيبا لمن يتحمل، ولمن لا يملك قوت يومه درب من الجنون ربما والواقع يقول كلماته.
مسكنه أعلى العمارة بالطابق الأخير، تجمعات المياه بباحة العمارة بالأعلى لم تكن مزعجة إلا بالصباح في فصل الشتاء لافسادها حذائه الوحيد، وحيث الأمل لا مجال لليأس.
تخرج من الجامعة يطلب العمل دون فرص حقيقية، حتى سنحت فرصة بهذا الرجل ذو الجلباب أسفل العمارة
- يا حضرة المهندس، نريدك بعمل؟
ماذا يكون من عمل خلف رجل ظنه مسكين يسكن غرف أسفل العقار وأولاده الخمسة؟
- اتفضل ياعم «إدريس».
- نريد تصميم لهذا الچراچ، وتصميم لتلك العمارة، تعلم القانون الجديد للتصالح، يريدون تأشيرة مهندس على رسومات هندسية.
أمسك الأوراق لتكون المفاجأة
- هل أنت المالك لهم يا عم «إدريس»؟
- أملك الجراج يا بيه، الأستاذ المحامي زميلك هو من كتب العقود، والأستاذ في الدور الثالث موظف الحي سوف يسلم الأوراق للحي بعد أسبوع، نتمنى أن تنهي عملك سريعا،
هو يملك اللقب «بيه» ولا يملك عشائه، ماذا يجني من ورقة معلقة على الحائط وغيره يملك كل شيء بماله؟
على الحائط مكتوب بحبر اسود وتاريخ قاتم لا قيمة له وموقعة من رئيس جامعة ويتوسطها شعار أزرق عليه نسر علامة للنصر، أي نصر ولا تملك قوت اليوم بآدمية.
أنهى الرسومات، تسلمها الرجل برغم النزال والرغبة في الفوز بالأوراق مع وجود أقل الخسائر المادية المتحققة مؤكدا له، ولا يوجد ما يمنع من تقسيط المبلغ المطلوب، كيف لمعدم أن يعلو وسط هذا الجنون، تم الاتفاق المجحف وتحققت خسارة للعلم أمام الجهل تحت الحاجة لمبلغ لعلاج الأخ المتبقي من العائلة المنكوبة بحادث السير منذ عامين، مازالت الألوان القاتمة تلوح في الأفق، والحل هو السرقة لجزء من المال لاتمام عملية الأخ.
وقف المحامي بقاعة المحكمة يوضح كيف استطاع السارق عبور بوابة مسكن القاتل بخفة الفهد ورعونة الأنسان، حاول الهروب عندما اصطدم بتواجد القاتل، لم يسمح له بالعبور للعودة، صنفت جريمة دفاع عن المال والنفس بفضل مرافعة مطولة وأسانيد رتبها المحامي ولا عزاء للقتيل.
بباحة المحكمة لمع نصل معدني حاد بطعنتين أحدهما قاتلة لعم «إدريس» والأخرى بالقضاء الواقف أصابته بجرح غائر بالرقبة، ليعلو الصراخ وتسيل الدماء ساخنة إنتقاما لأخيه.
وقف الأخ سجين القضبان والمحامي بجرحه أمام القضاء في محاولة لإقامة ميزان العدل المنكوب.
هنا انتهى الدكتور بالجامعة من شرح محاضرته عمليا للطلاب بتلك القضية، مؤكدا أن المجرم لا يكون مجرما بطبعه بل هو جمع بين ظروف اجتماعية ونفسية وبيئية يصعب تفسيرها دون البحث في الباعث على الجريمة.
*****
بقلمي: تامر مدبولى
