حين يُستنطق الجماد..
قراءة في قصة ( راقصة الباليه )
********
يزخر أدبنا العربي والشعري منه خاصة بمحاولات متكررة لأنسنة الجمادات وتصويرها بصورة الإنسان العاقل، ومنحها لسانا لا فظا وسمعا يقظا وقلبا حافظا وذلك في تجارب شعرية كثيرة عبر عصور الشعر المختلفة بداية من العصر الجاهلي وشاعره الذي خاطب الدمن والآثار ووقف مناديا ومكلما لبقايا الخيام وأطلال الديار، وذلك عبر مقدمة عرفت بالمقدمة الطللية؛ وفيها يقوم الشاعر وقبل البدأ في موضوع القصيدة بالوقوف على أطلال وبقايا الديار؛ ديار أهله وأحبابه الراحلين، يخاطبها ويحدثها، يسألها ويستمع إليها، يراها تحمل أرواحَ من رحلوا وغابوا، والكاتبة في قصتها ( راقصة الباليه ) راحت تغزل على هذا المنوال وتنسج خيوطَ قصتها وتحكم حبكتها، وهي وبما تملكة من قدرة إبداعية وملكة سردية قدمت صورة جديدة لهذه الأنسنة؛ أنسنة الجمادات، أصبح فيها الجماد وعلى غير العادة هو المتكلم لا المخاطب، هو المتحدث لا المستمع، عبرت الكاتبة عن فكرتها وصاغت أحداث قصتها على لسان راوٍ مفترض ( راقصة الباليه ) ، رمز الحبيبة العاشقة والتي يظهر أنها من أهدت حبيبها اللعبة أو شاركته شراءها، فسكنت روحُها جسدَ اللعبة وصارت تنظر بعينيها وتتحدث بلسانها ...
سلطت القصة الضوء على زاوية من زوايا العلاقات الإنسانية المعقدة؛ علاقة الحب من طرف واحد تلك العلاقة التي تشوبها الاضطرابات والصراعات النفسية الحادة، بين ما يطمح إليه المحب ومايرتجيه مقابلا للأحاسيس والمشاعر الفياضة والتي تكون بلاثمن فتقابل من الطرف الآخر بالأهمال واللامبالاة، ومن هنا تتكون هذه العلاقة المعقدة وتتشكل عبر مجموعة من المشاعر المتناقضة بين الطرفين (الاهتمام /الاهمال ، الشغف/ الفتور ، الشوق والحنين / اللامبالاة والتبلد) هذه المتضادات الثنائية تطورت في هذه القصة فأصبحت أكثر تشابكا وتعقيدا، أصبحت علاقة ثلاثية هرمية، رأسها هو الزوج المحب المحبوب في آن، وطرفاها فتاتان؛ الزوجة التي لا تبالي ولاتهتم، و(راقصة البالية)،زمز الحبيبة الغائبة.
بدأت هذه العلاقة المعقدة في التطور والتأزم سريعا (مضى على زواجهما شهر كامل) كان الزوج طوال هذه المدة يعاني الإهمال والإرهاق، مبكرا اصطدمت مشاعره المشتعلة بمشاعر زوجته المتبلدة ورغبته بممانعتها، وحرصه على إسعادها وإرضائها بتعمدها إغضابه واستفزارة ( امتدت يده لتلامس ظهرها، فتحت عينيها وشهقت ؛ ارتعد جسدها وتشنجت أطرافها) وفي كل يوم ومع اشتعال رغبته وتبلد إحساسها تزيد فجوة الاختلاف ويزيد اضطرابه ومعاناته (يدور هو في الغرفة متوقدا.... يلف حول السرير ......يضرب الوسائد بالأرض )
كانت الزوجة في هذه العلاقة هي الطرف الثاني لم تبادل زوجها الحب، تكره فكرة أن يلمسها أو يقترب منها (امتدت يده لتلامس ظهرها، فتحت عينيها وشهقت ؛ ارتعد جسدها وتشنجت أطرافها)
ومعاملة الزوجة وسلوكلها يبدو أن له أسبابا منطقية يمكن من خلالها تبرير تصرفاتها، فقد تكون أرغمت على هذا الزوج وتزوجت من لاتحب، أو قد يكون لها حبيب ملك قلبها وكانت تتمناه زوجا، وما هذا العناد والصلف إلا انتقاما من زوجها الذي فرقها عنه، وهو ما يفسر سلوك الزوجة وسوء معاملتها (يحاول احتضانها ؛ تدفعه بحزم) هذا الانتقام المركب انتقام الزوجة من زوجها بنفورها وسوء معامتلها، ورغبة المحبة اللعبة في الانتقام (تمنيت أن تتحطم عظامها) يكشف عن ذروة الصراع الثلاثي المعقد
ويفتح باب التأويلات ويحمل في طلياته عنصري التشويق والإثارة .
الطرف الثالث هو المحبة (الرمز ) وهي قد تكون جارة أو قريبة كانت تشاهد وترصد، تراقب وتتابع أحوال الزوجين بدافع الغيرة ( روائح العطر تفوح هذا المساء يرافقها أنغام موسيقا حالمة تنبعث من زاوية الغرفة)، (يخرجان للسهر كل ليلة ؛ يعودان منهكين)
لم تفقد الأمل بمن تحب ومازالت تنتظره وتتمنى قربه ووصاله (( كم اشتقت لأن يمرر أصابعه على جسدي فتسري تلك القشعريرة اللاهبة في أوصالي و يجتاحني طوفان الارتعاش اللذيذ ))
تلومه وتشفق عليه في آن لهذا الاختيار الخاطئ، تتمنى لو لبت رغبته وعوضت حرمانه
((أنتظر لمسته؛ آه.. ليته يدّورالمفتاح لأخرج إلى دائرة رقصي ؛ سأرقص له أجمل ماعندي ))
ولأن علاقة الحب من طرف واحد هي علاقة معقدة قوامها العطاء دون مقابل فإنها تحاول إسعادة وتحقيق رغباته تتمنى لو استطاعت أن تطفئ نار حبه وتنزع فتيل شوقه ووجده (( كم أتمنى لو أقوم بقفزة واحدة أطير ، ثم أحط على طرف الفراش وأنسلّ إلى داخل جسدها الهامد ))
وفي النهاية كانت اللقطة الفريدة بؤرة الحدث التي جمعت خيوط الحكاية، وصورت لحظة اشتعال الزوج بنار الشوق وانصهار روحه، وجروحه التي سالت دما ، ولحظة من تبلد الزوجة وبرودها المعتاد وفي مفارقة بديعة تشظى فيها الحدث التقطت عدسة الكاتبة صورة أخيرة فقد الزوج فيها صبره
وبلحظة استبصار أزالت تلك الغمامة من على قلبه وأحيت تلك المشاعر المخبوئة في أعماقه وأعادت إليه ذكرى الحب القديم، شظية من ذكرى
عاشقة حطمها وكسّرها بيديه .
....راقصة البالية قصة مميزة بأحداثها وشخوصها وفكرتها تكشف عن موهبة أصلية لخبيرة في هذا الفن في كل ما تقدمه من كتابات بالغة القيمة والجمال خالص مودتي وتحياتي
*********
للمبدعة الأستاذة / ﻋﺒﻴﺮ عزاوي
************
راقصة الباليه
*******
توقف عن لمسي، منذ تزوج وأحضر هذه المتعجرفة .
كم اشتقت لأن يمرر أصابعه على جسدي فتسري تلك القشعريرة اللاهبة في أوصالي و يجتاحني طوفان الارتعاش اللذيذ .
روائح العطر تفوح هذا المساء يرافقها أنغام موسيقا حالمة تنبعث من زاوية الغرفة ؛ إضاءة خافتة ويداه تعبثان بأزرار فستانها الأصفر ؛ مضى على زواجهما شهر كامل ؛ يخرجان للسهر كل ليلة ؛ يعودان منهكين ؛ يحاول احتضانها ؛ تدفعه بحزم؛ وتستغرق بنومها ؛ و يقضي هو ليله أرقاً .
كم أتمنى لو أقوم بقفزة واحدة أطير ، ثم أحط على طرف الفراش وأنسلّ إلى داخل جسدها الهامد .
كم أتحرق لتلامسني أصابعه؛ تيار من لهب راعش يسري في ذراتي .كيف يمكن أن أسكن في جسدها؟!
طغت الفكرة في رأسي، استحوذت عليّ وأخذت تطفو على ماحولي وتشيع هالة داكنة من توجس ؛ حينها امتدت يده لتلامس ظهرها، فتحت عينيها وشهقت ؛ ارتعد جسدها وتشنجت أطرافها.
تمنيت أن تتحطم عظامها تحت وطأة الثقل الذي يزيد بمرور كل لحظة،بالشد والجذب بين طوفان رغبته الجامح وبين سكونها .
نهضت متثاقلة على نفسها ؛ مبتعدة عن جسده الضاج باللهفة ؛ قاوم ابتعادها؛ لكنها نجحت في ايقاف فورته .
دخلت الحمام ، متمايلة بجسدها اللدن الذي أبغضه؛ يتسلل إليّ صوت انسكاب الماء ، ممزوجاً بصوت نشيجها .
يدور هو في الغرفة متوقداً ، غارقاً في الهالة القاتمة للغضب، ؛يلف حول السرير يضرب الوسائد بالأرض ؛ هاهو يقترب من الرف يركز عينيه على جسدي المشدود بخفة صلبة؛ يسري فيه ارتعاش جديد
بادئاً من مفرق رأسي إلى إصبع قدمي الذي أقف عليه، أرفع ذراعي فوق رأسي أمسك معصم يدي اليسرى بيدي اليمنى ويلامس باطن قدمي اليمنى ساقي اليسرى، وأمشق جسدي البلوري النحيل لتمر منه ذرات الضوء عندما أرقص .
وأكثر ما يكون اشتعالي عندما .يسحب يده إلى جانب العلبة يدّور المفتاح عدة دورات فأبدأ دورة جديدة ما إن يتوقف المفتاح ؛ تنساب موسيقا بحيرة البجع ؛أخرج من منتصف العلبة؛ أدور راقصة في مسار دائري حولها ، بينما عيناه تتأملان دوراني فأكاد أقع .
أنتظر لمسته؛ آه.. ليته يدّورالمفتاح لأخرج إلى دائرة رقصي ؛ سأرقص له أجمل ماعندي . يده تمتد؛ تحوم حولي تتوقف ؛ تحوم أسرع ؛ ثم تهوي على الرف فتنثر مافيه في أرجاء الغرفة . ويمسك هو بيده التي جُرحت وسالت دماؤها .
و على صوت التحطم، خرجتْ مسرعة ، الماء يقطر من شعرها وجسدها ؛ويبلل الأرض مع كل خطوة من خطواتها المتحفزة . تغمض عينيها ؛ تمشي على أطراف أصابعها ،تلف نفسها بلحافها وهي ترتعش ؛ وتحكم إطباق الغطاء حول جسدها المبلول. وهو يقترب بحزم من تخومها .
على أرضية الغرفة تمتزج قطرات مائها بقطرات دمه ، تتبعثر شظايا جسدي الزجاجية مطحونة باللوعة ، شظية صغيرة فقط تتجه الآن إلى قلبه.
