عن الكتابة..
• كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفصح العرب، ولم نر في كلامه كثير سجع، ولا كثير تزويق، انظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام:
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
• ظهر السجع والتزويق في أيام انحطاط اللغة العربية حين اختلط اللسان العربي بغيره من الألسنة، وبقيت هذه السنة جارية _أي سنة التكلف والتزويق_ يتبناها بعض الناس حتى عصرنا هذا.
• قالوا: البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، مع فصاحته.
أي أن يتناسب الكلام مع المقام، وأن يكون خاليا من العيوب.
• عرّف ابن المقفع البلاغة فقال: هي الكلام الذي إذا سمعه جاهلّ ظن أنه يحسن مثله.
وأحسب أن ابن المقفع _والذي كان أبلغ الناس_ قد عرّف البلاغة تعريفا عميقا في وقت مبكر شديد التبكير.. ففي العصر الحديث يتحدثون عن "الكاتب" و"النص" و"المتلقي"، وقد جمع ابن المقفع العناصر الثلاثة للعمل الأدبي في تعريفه للبلاغة.
• قد يقول قائل: قد تأثر الكُتّاب بالقرآن الكريم، ففي القرآن الكريم يتكرر الحرف في فواصل الآيات في كثير من السور.
أقول: الكاتب الذي يزوق الكلام، يجمع كلمات مثل: (بائع، جائع، ماتع، رائع، بارع..) ويحاول توظيفها، فيلوي نصه حتى يتماشى مع الكلمات التي اختارها، بينما حين نقرأ قوله تعالى:
«إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الإنسان: ما لها؟، يومئذ تُحدّث أخبارها، بأن ربك أوحى لها..»
نشعر أن الرنة تتناسب مع موضوع السورة الذي يتناول أحداث قيام الساعة، ولو تتبعنا الآيات آية آية، لن نجد أدنى اختلال، بينما النص البشري المسجوع سنكتشف فيه أن الكاتب يلوي عنق المعنى لتوظيف كلماتٍ بعينها حتى يستقيم النغم الموسيقي، وشتّان بين كلام البشر وكلام الله.
• يفضّل المتذوقون للغة العربية الشعر الجاهلي على غيره، لماذا؟.
لأن الشاعر في الجاهلية لم يكن يتكلف، كان يقول قصيدته وكأنه يتحدث، غير أننا نلاحظ غموضا في تلك الأشعار، والسبب هو جهلنا باللغة العربية، وبعادات القوم في ذلك الزمن. انظروا لقول علقمة الفحل وكان من كبارِ شعراء الجاهلية:
فإنْ تَسألـوني بالنِّسـاء، فإنَّني .. بصيـرٌ بأدواءِ النِّسـاء طبيبُ
إذا شابَ رأسُ المَرْءِ أو قَلَّ مالهُ .. فليس له من وُدِّهِنَّ نصيبُ
يُرِدْنَ ثَراءَ المالِ حيثُ عَلِمْنَهُ .. وشرْخُ الشَّباب عنْدَهُنَّ عجيبُ
•••
فَدعها وسلِّ الهمَّ عنك بِجِسرةٍ .. كَهَمِّكَ فيها بالرِّادفِ خبيبُ
إلى الحارث الوهَّاب أعلمتُ ناقتي .. لِكلكِلها والقُصْريْين وجيبُ
ففي كُلِّ حيٍ قد خَطَبتَ بنعمةٍ .. فحُقَّ لِشأسٍ من نَداكَ ذَنوبُ.
الأبيات الثلاثة الأولى تبدو واضحة ليس فيها أدنى تكلّف حتّى أن السامع يظن أنه يستطيع أن يأتي بمثلها، لأن الكلمات المستعملة فيها مألوفة عندنا.
وكذا الأبيات الثلاثة الأخيرة بسيطة ليس فيها أدنى تكلّف غير أنها تبدو غريبة وغامضة لأننا فقط لم نألف استعمال تلك الكلمات.
• قال النقاد أن شعر عمر ابن أبي ربيعة يشبه شعر الجاهليين، فانظروا إليه كيف كان يقول الشعر:
قالت الكبرى: أتعرفن الفتى ؟ .. قالت الوسطى: نعمْ، هذا عُمَر
قالت الصغرى، وقد تيَّمتُـهـا : .. قد عرفناهُ، وهل يخفى القمر!
وقد أجمع النقاد أيضا أن أبا نواس أشعر أهل زمانه رغم أنه كان يكره العرب كثيرا لأنه كان فارسيا، وكان الفرس في زمانه يكرهون العرب.
قال مرة قصيدة يصف فيها ذهابه مع رفقائه في آخر الليل عند صاحب خمّارة، وكانوا متعطشين للشراب، وحين سمع طرقهم فزع منهم لأنه حسبهم رجال الأمن، وحين عرفهم فرح بهم ونشط، وراح يرحب بهم، وأراهم خمرة صافية سال لعابهم حين رأوها، وبدأ يسقيهم وقد شبه زجاجة الخمر بإمرأة أنيقة، وحين بدأ مفعول الخمرة بكى بعض رفاقه لأنهم تذكروا حبيباتهم، بينما طرب آخرون، وهم على هذه الحال اختفت نجمة الشعرى من السماء وسطعت نجمة الصباح التي تؤذن بانسلاخ الليل. فقال:
وَلَيلَةِ دَجنٍ قَد سَرَيتُ بِفِتيَةٍ .. تُنازِعُها نَحـوَ المُدامِ قُلوبُ
إِلى بَيتِ خَمّارٍ وَدونَ مَحَلِّهِ .. قُصـورٌ مُنيفاتٌ لَنـا وَدُروبُ
فَفُزِّعَ مِن إِدلاجِنا بَعدَ هَجعَةٍ .. وَلَيسَ سِوى ذي الكِبرِياءِ رَقيبُ
تَناوَمَ خَوفاً أَن تَكونَ سِعايَـةٌ .. وَعاوَدَهُ بَعـدَ الرقـادِ وَجـيبُ
وَلَمّا دَعَونا بِاسمِهِ طارَ ذُعرُهُ .. وَأَيقَنَ أَنَّ الرَحلَ مِنهُ خَصيبُ
وَبادَرَ نَحوَ البابِ سَعياً مُلَبِّياً .. لَـهُ طَـرَبٌ بِالزائِريـنَ عَـجيبُ
فَأَطلَقَ عَن نابَيهِ وَانكَبَّ ساجِداً .. لَنا وَهوَ فيما قَد يَظُنُّ مُصيبُ
وَقالَ ادخُلوا حُيِّيتُمُ مِن عِصابَةٍ .. فَمَنزِلُكُم سَهلٌ لَدَيَّ رَحيبُ
وَجـــاءَ بِمِصبــاحٍ لَـهُ فَأَنــارَهُ .. وَكُـلُّ الَّذي يَبـغي لَدَيـهِ قَريبُ
فَقُلنا أَرِحنا هاتِ إِن كُنتَ بائِعاً .. فَإِنَّ الدُجى عَن مُلكِهِ سَيَغيبُ
فَأَبدى لَنا صَهباءَ تَـمَّ شَبـابُها .. لَهــا مَــرَحٌ في كَأسِها وَوُثوبُ
فَلَمّا جَلاها لِلنَدامى بَدا لَهــا .. نَسيمُ عَبيــرٍ ســاطِعٍ وَلَحيبُ
وَجاءَ بِها تَحدو بِها ذاتُ مُزهِرٍ .. يَتوقُ إِلَيها الناظِرونَ رَبيبُ
كَثيبٌ عَلاهُ غُصنُ بانٍ إِذا مَشى .. تَكادُ لَهُ صُمُّ الجِبالِ تُنيبُ
وَأَقبَلَ مَحمودُ الجَمالِ مُقَرطَقٌ .. إِلى كَأسِها لا عَيبَ فيهِ أَريبُ
يَشُمُّ النَدامى الوَردَ مِن وَجَناتِهِ .. فَلَيسَ بِهِ غَيرُ المِلاحَةِ طيبُ
فَمازالَ يَسقينا بِكَأسٍ مُجِدَّةٍ .. تُوَلّي وَأُخرى بَعدَ ذاكَ تَؤوبُ
وَغَنّى لَنا صَوتاً بِلَحنٍ مُرَجَّعٍ .. سَرى البَرقُ غَربِيّاً فَحَنَّ غَريبُ
فَمَن كانَ مِنّا عاشِقاً فاضَ دَمعُهُ .. وَعاوَدَهُ بَعدَ السُرورِ نَحيبُ
فَمِن بَينِ مَسرورٍ وَباكٍ مِنَ الهَوى .. وَقَد لاحَ مِن ثَوبِ الظَلامِ غُيوبُ
وَقَد غابَتِ الشِعرى العَبورُ وَأَقبَلَت .. نُجومُ الثُرَيّا بِالصَباحِ تَثوبُ
بينما حين تسمع المتنبي وهو يقول:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم .. وتأتي على قدر الكرام المكارمُ
وتكبر في عين الصغير صغارها .. وتصغر في عين العظيم العظائمُ
فتدرك أنه شعر متكلف مصنوع مرسوم مزوّق، وهذا بعيد عن البلاغة.
هذا لا يعني أن كل شعر المتنبي متكلف، فالمتنبي ابن بيئته، وزمانه، حيث كان الذوق الأدبي سقيما، وكانوا يرون في التكلف جمالا.
لكن مع ذاك المتنبي كان يقول أشعارا رائعة ليس فيها تكلف حين يكون غاضبا أو حزينا، انظروا إليه وهو حزين ليلة عيد بعيدا عن أهله حين كان عند كافور الإخشيدي في مصر:
عيدٌ.. بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ .. بمَا مَضَى، أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ!
لم يَترُكِ الدّهْرُ مِنْ قَلبي وَلا كبدي .. شَيْئاً تُتَيّمُهُ عَينٌ وَلا جِيدُ
يا سَاقِيَيَّ: أخَمْرٌ في كُؤوسكُما .. أمْ في كُؤوسِكُمَا هَمٌّ وَتَسهيدُ؟!
أصَخْرَةٌ أنَا، ما لي لا تُحَرّكُني .. هَذِي المُدامُ وَلا هَذي الأغَارِيدُ!!
وانظروا إليه وهو يهجو كافور الإخشيدي الذي كان عبدا أسود، حين رأى رجليه الغليظتين:
وَتُعجِبُني رِجْلاكَ في النّعلِ، إنّني .. رَأيتُكَ ذا نَعْلٍ إذا كنتَ حَافِيَا.
• يقال أن أفضل بيت هو ذاك الذي إذا أردنا نثره لم نستطع.
#خلاصة_القول:
سأضرب لكم مثالا لتعرفوا ما أود قوله لكم:
تخيلوا لاعب كرة سلة محترف.. تخيلوه وهو يجري بالكرة، يتحرك بحرية في المستطيل الصغير، يمرر بسلاسة، يسدّد بثقة، يراوغ.. ستشعرون أن الكرة جزء منه يفعل بها ما يشاء الوقت الذي يشاء. ولو نحن أنزلنا أحد المشجّعين المغرمين بكرة السلة إلى الميدان، هل سيكون أداءه مثل أداء اللاعب المحترف! سيرتبك، سيتعثر، ستنفلت الكرة من يده، ستخفق تسديداته، سيشعر المشاهدون بمدى تكلف حركاته..
هذا هو الفرق بين صاحب البلاغة الأصيلة، وبين شخص يود أن يكون بليغا.
لكن، مع ذاك، لاعب الكرة المحترف كان يوما ما يرتبك ويتكلّف، ومع التدريب الصارم وصل درجة الاحتراف، لذا وجب على الكاتب الذي يطمح أن يصير بليغا أن يجتهد كثيرا.
*****
عمر عباس
