ذكر لبقراط رجل من أهل النقص يحبه، فاغتم لذلك، وقال: ما أحبني إلا وقد وافقته في بعض أخلاقه، وأخذ المتنبي هذا المعنى فقلبه وأجاد، فقال:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص* فهي الشهادة لي بأني فاضل
وجاء عن عبدالله بن مسعود أنه قال : اعتبروا الناس بأخدانهم، فإن المرء لا يخادن إلا من يعجبه
إن من أكثر الأشياء مشاهدة والتي تدعو للدهشة حالة التجاذب والتنافر بين الأرواح، وحتى داعي الهوى الذي يقتحم القلب بلا سبب، والأعجب حين يقع مع اختلاف في ميزان التناسب والمشاكلة كأن يهوى الرجل الفاضل امرأة دونه في الخلق والمنزلة!
يرى ابن القيم رحمه في كتابه الرائع "روضة المحبين"، أن المحبة والنفرة هي مقتضى تناسب وتشاكل بين الأرواح، فكل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، وهذه المناسبة إذا كانت غير أصلية يحصل التوافق بين الأرواح فقط اذا تجاورت واشتركت في قصد من المقاصد وإن زال القصد ذهب التوافق.
اما اذا كانت المناسبة أصلية ، فهو اتفاق أخلاق ، وتشاكل أرواح وانجذاب أشباه، فتكون الروحين متشاكلتين في أصل الخلقة، فتثبت المحبة وتتمكن، ولا يزيلها إلا مانع أقوى من السبب، وعليه فالمحبة قسمان :
-عرضية غرضية، فهذه لا يجب الاشتراك فيها، بل يقارنها مقت المحبوب وبغضه للمحب كثيرا، إلا اذا كان له معه غرض نظير غرضه، فإنه يحبه لغرضه منه، كما يكون بين الرجل والمرأة اللذين لكل واحد منهما غرض مع صاحبه.
-- القسم الثاني: محبة روحانية سببها المشاكلة والاتفاق بين الروحين والمناسبة و هذه المحبة لا تكون إلا من الجانبين ولابدّ، فلو فتش المحبّ المحبّة الصادقة قلب المحبوب لوجد عنده من محبته نظير ما عنده، أو دونه أو فوقه ،
-وفي قوله تعالى ((وجعل منها زوجها ليسكن إليها)) سورة الاعراف ، جعل علة السكون والمحبة أنها منه،ولو كانت علة الحب حسن الصورة الجسدية لوجب ألا يستحسن الأنقص، في حين يوجد الكثير ممن يؤثر الأدنى ويعلم فضل غيره ولا يجد محيدا لقلبه عنه، لأنه أحبه لموافقة جوهر نفسه فهو كالمرآة يبصر فيها المرء طباع نفسه، كما قيل:
وما الحب من حسن ولا من ملاحة*ولكنه شيء به الروح تكلف
أما عن سبب هذه المشاكلة والمناسبة فيرى بن القيم أنه من الأشياء التي لا يمكن تعليلها ولا بيان سببها كانجذاب الحديد الى الحجر المغناطيس، فهو انجذاب بالطبع وميل بالخاصية، وهو توافق في أصل عنصر الروح الرفيع.
ولا تكاد تجد اثنين يتحابان إلا وبينهما مشاكلة،أو اتفاق في حال أو فعل أو مقصد، وإن تباينت المقاصد والأوصاف والطرائق لم يكن هناك إلا النفرة.
وجاء في التمهيد لابن عبدالبر أن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول : ”لا تسألنّ أحدًا عن ودّه إياك ، ولكن انظر مافي نفسك له ، فإنّ في نفسه مثل ذلك، فإن الأرواح جنود مجنّدة”
-وكعادته ابن القيم فهو لا يترك جانب من جوانب المسألة المطروحة إلا ويفنده أحسن تفنيد ويعمل على تأصيلة وتفصيله بطريقة عبقرية، كيف لا وهو أعجوبة عصره وكاتب لا يشق له غبار،هاهو يطرح سؤالا عظيما، وكثيرا ما سبّب للمريدين الحيرة، وهو اذا كان المحب لا يهوى إلا من يشاكله بروحه فحتما الآخر سيحبه فيشتركان في المحبة، ولكن الواقع يشهد بخلافه، فكم من محب غير محبوب ،بل بسيف البغض مضروب؟
وقد أجاب عن هذا السؤال ابن حزم الأندلسي في كتابه "طوق الحمامة" ولم يوافقه عليه ابن القيم وهو في الحقيقة كلام عجيب: "أن نفس الذي لا يحب من يُحبه مكتنفة الجهات ببعض الأعراض الساترة، والحجب المحيطة بها من الطبائع الأرضية، فلم تحس بالجزء الذي كان متصلا بها قبل حلولها حيث هي، ولو تخلصت لاستويا في الاتصال والمحبة.
ونفس المحب متخلصة عالمة ماكان يشركها في المجاورة، طالبة له، قاصدة إليه، باحثثة عنه، مشتهية لملاقاته، جاذبة له لو أمكنها كالمغناطيس والحديد".انتهى كلامه.
يرى ابن القيم رحمه الله ببطلان هذا القول لأنه مبني على أصل فاسد وهو أن الأرواح موجودة قبل الأجساد وانها كانت متعارفة متجاورة -ولو سلمنا بهذا القول لأقررنا بأزلية الروح وهذا منكر من القول لا يصح-، بينما الحقيقة الشرعية تقول أن الأرواح مخلوقة مع الأجساد و أن الملك الموكل بنفخ الروح في الجسد، وذلك أول حدوث الروح فيه..ا.ه
ويبقى عالم الأرواح من الأسرار التي غيبت عنا شرعا ((قل الروح من أمر ربي)) وعجز فهمنا القاصر عن إدراك كنهها (( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)) ولا تعليل أسباب اشتراكها المحصّل لنفرتها وانجذابها للنقيض أحيانا، ثم ماذا عن الرؤية المنامية هل هي مجرد خيالات وأحاديث نفس ام أن الأرواح تلتقي حقيقة، باعتبار أنها فارقت الجسد حال نومه قال تعالى ((اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى)).
لعمري كيف للإنسان وهو يجهل حقيقة نفسه وذاته أن يتألى على الله، ويطلق للساننه العنان في ردّ أو الأخذ من شرع الله ما يوافق هواه الذي هو غير قادر على التحكم فيه ولا منطقته؟
-قراءة من كتاب
#روضة_المحبين_ونزهة_المشتاقين
#متعة_المطالعة
#مرام_يوسف.
