قراءة تحليلية بقلمي: أكثم جهاد
للومضة " تقمّص " للكاتب المبدع الأستاذ: أمير المدرس.
=======النص(ومضة قصصيّة)========
تقمّص
لبسوا قشور الحضارة؛ فاحت جاهليتهم.
بقلم: أمير ٱلمۘدرسۜ /العراق.
=================
كما نعلم أنّ الومضة هي البريق المفاجئ واللمعان المبهر اللافت للنظر بشكل مدهش وغير متوقّع، وهذا اللامتوقع هو معيار نجاح الومضة، فكلما أبهرتنا الومضة زاد منسوب الدهشة فيها وبالتالي ارتقاء النص الأدبي.
والومضة القصصية هي إحدى فنون هذا الأدب المدهش وهي من الفنون القصيرة ولكنها بذات الطابع السهل الممتنع، فكيفية البناء تحتاج إلى حرفة واحتراف للقاص في اختياره للفكرة المناسبة وكذلك التطبيق الصحيح لبنود الومضة.
-العنوان:
تقمّص: مصدر تَقَمّصَ، والتقمّص هو التلبّس فنقول تقمّص القميص: أي لبسه في الظاهر وتلبّس شخصية غيره في الباطن.
وتقمّص الشّخصية: أي قلّدها وأتقن تأدية دورها.
إذاً العنوان نكرة وهو كاشف لمتن الومضة وهذا مأخذٌ على الومضة، رغم غزارتها الفنيّة والأدبية، ورغم تكثيفها بشكل رائع؛ إلا أنّ العنوان كشفه الشطر الأول للومضة (لبسوا...) فلو كان العنوان (توحّل) مثلاً لارتقت الومضة بسرد ساحر.
-التحليل الفني والأدبي:
(لبسوا قشور الحضارة) هذا هو السبب الذي أدى لوقوع الحدث (التقمّص) اللباس غير المناسب وغير الملائم لأتباع الحضارة فهم لم يلبسوا مفاهيم الحضارة الحقيقية والتي هي بالأساس كنز دفين في تراثنا والتي كانت لقرون مضت هي الحضارة الأولى والأخيرة في العالم، عندما كانوا أجداد صانعي الحضارة المزيفة في وقتنا الحاضر يعيثون في الأرض فساداً ويبيتون في كهوفهم عراة وجوعى على هيئة وحوش ضارية وفي خوف دائم من القادم المجهول.
فلا مبدأ يحفظ لهم كرامتهم، ولا حضارة تزيّن لهم حياتهم؛ في حين أنّ أجدادنا كانوا يصنعون المجد بكل أشكاله في ذلك الوقت من علوم وآداب وفنون شتى بكل أريحية وأمان تحت وصاية حاكم عادل متفهم لقدرات نوابغ رعيته الذين دأبوا على صنع حضارة تغني الأجيال القادمة إلى ما شاء الله.
ولكن للأسف هناك ثلّة من دعاة التحضّر الحديث قد ركنوا موروثهم التاريخي والإنساني العريق جانباً، وأخذوا على عاتقهم نقل حضارة الغرباء والتشبّث بزيفها، والانبهار بمقوماتها وهم في حقيقة الأمر أخذوا القشور وتركوا الجذور، فالأشكال المادية التي عبّر عنها القاصّ بعبارة (قشور الحضارة) لم تكن يوماً من الأيام مظهراً حقيقياً له ديمومته، بدليل تبديل تلك القشور من حين لآخر تماماً كما تتغير قشور الشجرة الأصيلة، تسقط القشور كلما مرّ الخريف عليها، ولكن الجذع الأصيل يبقى على حاله.
ونهاية تلك القشور إلى حيث تجرفها المياه العادمة وتحلّلها كمواد عضوية وتنتهي عند ذلك المقام.
-(فاحت جاهليتهم) تلك هي القفلة المدهشة والنتيجة المباغتة، فهذا هو حال من لبس رداء ممّن ليس أهل لذلك...نهاية موحلة ونتيجة الوحل رائحة نتنة.
تشبيه مجازي بليغ، وهذه النتيجة هي التي جعلت للومضة بريقها الخاص...(فاحت جاهليتهم) حيث بذلك يكون الأمر قد تجاوز كل أسباب الحضارة وكل سنوات الرقي والتّقدّم التي ما زالت المناهج التعليمية والثوابت التاريخية والشواهد العينية تشهد لها، للأسف تجاوزوا كل ذلك وسقطوا في زمن الجاهلية الأولى ولكن بصورتها المعاصرة فالمضمون هو هو في (انعدام الأخلاق وانهيار القيم والمبادئ) كل ذلك بحجة (التبادل الثقافي) وللأسف هو التبادل اللاثقافي واللاأخلاقي وشواهد ذلك واضحة للعيان من انحلال للأخلاق العامة وتفشّ للفساد في مجتمعاتنا ..هم السبب الرئيس في نشر تلك القذارة وليست الحضارة كما يدّعون...هذه هي الحضارة الغربية ومقوماتها وهذا هو حال من اتخذها نبراساً له عندما ينكر أصوله ويتخلى عن مفاهيم حضارته العريقة.
وفي الختام تحيتي للقاص المبدع الأستاذ أمير المدرّس، وألف مبارك على التتويج...نعم ومضة جميلة جدّاً ذات أبعاد فكرية وأخلاقية تستحق الوقوف عندها.
**************
قراءة وتحليل: أكثم جهاد/الأردن
