أغنِيةٌ على حافَّةِ الريحِ والمَطر
*******
مُثقلًا بالشِّتاءِ
يرتِّبُ أغنيةً للعَشاءِ الأخِيرِ
يعودُ إلى شجرٍ أصفرٍ في المرَايا
إلى لازَوَرْدِ الحَنِينِ
يَعودُ إلى وطنٍ مُثخنٍ بالبُكاءِ
يُغَنِّي بِلا شَفَتَيْنِ
غناءَ الذي لا يَرى في الشِّتاءِ
سِوى:
شبحِ الجُوعِ
أُحبُولةِ الموتِ في الطُّرُقاتِ
انكسِارِ العصافيرِ حولَ البَيَادِرِ
كانُونَ يَنْدُبُ خلفَ الشَّبابِيكِ
لا نارَ في البَيْتِ
لا قَمْحَ ..
هذا الشتاءُ طويلٌ
ولكنَّه أَشعلَ الوَجدَ في روحِه
أشعلَ النَّايَ
ثم مضَى بالغِنا مثقلا ..
.
.
((شوقًا إلى نَبْعِه .. عالٍ هديرُ النَّهْر
يَذُوبُ في شمعِه .. ليلُ الشتاءِ المُرّ
نايٌ منَ الغابَهْ .. يَبْكِي لزِرْيابِ
خانتْهُ سَبَّابَهْ .. في كفِّ حَطَّابِ))
.
.
فوقَ دَكَّتِهِ
جالسًا في الصباحِ
يقولُ لسَابِلةِ الحَيِّ
بعضَ النِّكاتِ السَّخيفةِ
يَلمَحُ ما بينَهم
شَبَحًا يَذرَعُ الدَّرْبَ
والعابرون الحَزانَى
يَمُرُّونَ لم يَفزعوا مِنْهُ
هلْ كانَ يُبْصِرُه وحدَه..
عادَ يُلْقِي النِّكاتَ
يُنادِي على شجرٍ في الظِّلالِ
يُقَلِّبُ مِسْبَحَةَ الوقتِ
ينتظرُ الشايَ
ينتظرُ الليلَ
ينتظرُ الـ...
ويَرى شبحًا مُقبِلا
.
.
((ياساهرًا قلْ لِي .. متَى يَلُوحُ الصُّبْح
تَصْحُو ابنةُ الفُلِّ .. ويَستفِيقُ المِلْح
أوقدْ لَنا نارَا .. إنَّ المسَا قَرُّ
لا أهلَ لا دارَا .. يا لَيْتَهم مَرُّوا))
.
.
الشِّتاءُ الذي مَرَّ لا يمنحُ القمحَ
لكنَّه
أخبَرَ الخيلَ والليلَ
عن فارسٍ لم يَعُدْ أَنْبَلَا
انحنَى
رَغمَ طولِ استقامتِه كالصِّراطِ
انحنَى كالخُواءِ
انحنَى مِلءَ فاقتِه
وانحنَى..
كانَ يَعلمُ
أنَّ السنابلَ قد تَنحنِي حينَ يَملؤُها القمحُ ؛
لكنَّه ما انحنَى سُنْبُلَا !
.
.
((النُّوقَ ياحادِي .. رِفقًا بها رِفقَا
تَحِنُّ في الوادِي .. وتَرْقُبُ البَرْقَا
مواسمٌ مَرَّتْ .. لم يُورِقِ السِّدْرُ
لا الدّومَةُ اخْضَرَّتْ .. لم يَسْهَرِ البَدْرُ))
.
.
الشِّتاءُ الذي مرَّ لا يمنحُ القمحَ ؛
لكنَّه في انتظارِ المواسمِ
قد سَنَّنَ المِنْجَلَا
جاءَ يَرْكُضُ مِن آخِرِ الفَقْرِ
يَحمِلُ خيبتَه في السِّلالِ
وقالتْ له نجمةٌ هبطتْ في الطريقِ:
"السماءُ لكم أيُّها الجائعونَ"
فلا تَبْتَئِسْ
إنَّ في عُلبةِ الوقتِ مُتَّسَعًا للدموعِ
فمَن شاءَ ماتَ مِنَ الجُوعِ
أوْ شاءَ أنْ يُقْتَلَا !
مطرٌ في الأَعَالي
تَعَثَّرَ في غيمةِ العُمْرِ حتى اضمَحلَّ
وقالتْ له الريحُ: لن تَهْطُلَا
.
.
((هذي الرِّمالُ لَها.. ناموسُها الأَقدَسْ
يَفْنَى بِها ولَها.. عَمَلَّسٌ أَطْلَسْ
تفنَى الفَرَاشاتُ.. يا زَهْرُ قُلْ لِلْمَا
تَعْوِي النِّهاياتُ .. وتَهْبِطُ الظَّلْمَا))
.
.
كانَ يَذكُرُ
أنَّ أباه يُجِيعُ الكلابَ
لكيْ تحرُسَ الحقلَ
والكلبُ ماتَ مِنَ الجُوعِ
مِنْ غيرِ أنْ يَسْأَلَا
حينَ ماتتْ كِلابُ أبِيهِ
عَدَا الذِّئْبُ في الحَقْلِ
وافتَرَسَ الحَقْلَ
والمَنْزِلَا
.
**********
محمد أبو شرارة
مجلة اليمامة
4/2/2021
