قراءة الأستاذ؛ أمير ٱلمۘدرسۜ
لقصة هذا الأسبوع من فقرة؛ نقد وتحليل القصة القصيرة
« الغميضة للكاتبة » ميرة كمال
~~~~~~~~~~
قراءة نقدية بقلمي أمير ٱلمۘدرسۜ لقصة « الغمّيضة للقاصة » المبدعة بوح الياسمين
• تقديم
الحروب وإن اختلفت أسبابها أو أماكنها، وقصص سردها، وأحداثها، الا إنها جميعاً تتوحد، في بيان حجم المأساة التي تسببه لأسر تلك الشعوب الفقيرة، التي لاتملك الا قوت يومها، فتأتيها الحروب لتسرق ضحكتها، وتأكل الأخضر واليابس.
• العنوان: الغميضة
بالرغم من أن الاسم معرف، لكن هذا الاسم يكتنفه الكثير من الغموض لأنها ليست كتلك اللعبة التي طالما لعبناها في صغرنا، لازالت لعبة ولكنها أصبحت على مستوٍ عالي، وعلى العموم فأن مفهوم لعبة الغمّيضة ليست هي المقصودة بالعنوان، ولايمكن تفسير النص مالم يتم الدخول إلى النص.
• الشخصيات :
لم تتوسع القاصة الممكنة من أدواتها الفنية في زج شخصيات كثيرة، لأن ذلك يضعف فكرة النص، ويشتت القاريء، وعندئذٍ تتشظى الفكرة الأساسية، ويمكن إدراج الشخصيات كالأتي:
الأب: الشاب المحب لعائلته، والذي يعمل على إسعاد عائلته.
الأم: الزوجة التي تتغير حياتها، بسبب فقدان إبنها ثم ابنتها، ومن بعدها ابنتها الثانية.
الطفلة: آخر الأطفال المغادرين، وهي لسان القاصة.
• السرد
جاء السرد على لسان الطفلة الابنة، فكانت لسان القاص، الذي وصف لنا الحدث بموضوعية، واستطاع أن يشدنا ويسرق انتباهنا إلى النهاية، بأسلوب سلس وجميل، ولم يغرق الحدث بالوصف، بل كان يعٌلِمْ عليه فقط، تاركا لخيال القاريء، يسرح في شريطاً سينمائياً يدور في مخيلته، وهو مستمتع بالسرد، لأنه بمثابة صورة ناطقة، لاتحتاج إلى المزيد من الشرح والتفسير، كونها واقع معاش، خاصة في عالمنا العربي هذه الأيام.
• الزمكان
لم يحدد القاص زمان ومكان الحدث، وهذه إحدى نقاط قوة النص، لأن الحدث وارد الحدوث في كل زمان ومكان، ضع يدك على خارطة وطننا العربي الكبير، و بإمكانك أن تنسب الحدث ل(فلسطين، سوريا، لبنان، ليبيا، العراق، اليمن...).
• التحليل الفني والأدبي:
يبدأ الحدث في المدينة(الوطن)، حيث يعلمهم الأب، المتفاني في السهر على أطفاله، لعبة جديدة، بأن يقول وزززززفيغَضوا عيونهم بينما يختبيء هو بين حبال الغسيل وشجيرات الجوري الجميلة، حيث رغد الحياة بالرغم من بساطتها، كانت جميلة، وعندما يدوي مثل صاروخ، يرتمي أطفاله على الأرض كقتلى، ليظهر لهم، قيستبقون، ومن يلمس ساق التينة أولاً، هو الفائز.
لم تتغير قواعد اللعبة، لكن مستوياتها هي المتغيرة، وكوننا إن علينا أن نتلقى قنابل الدول الكبرى، لأننا الأرض الأكثر ملائمة لتصريف شحنات أسلحتهم، يساعدهم في ذلك كوننا دول العالم الثالث، وأنظمتنا التي كثيرا ماتسمح بتدخلات لقوى إقليمية، وبالتالي تفرض أجندات معينة، يرفضها الشعب، مما يخلق اختلافات بالرأي، تقود إلى انشقاقات، تتطور إلى حروب، بدعم من القوى الكبرى نفسها،
تسقط طائرة قنبلة حقيقية، تلك هي اللعبة في مستوياتها العليا، فيسقط الابن شهيدا، وضحك الأب هنا بكاءً، وربما إشارة إلى أن شهيدنا تزفه الطبول وأكاليل الورد إلى مقبرته، والعبارة الجميلة التي يتوقف عندها كل قاريء (في المقبرة، دفنوا أخي، ونسوا أن يدفنوا جثّتينا…)، ذلك لأن كل عزيز نفقده، يموت برحيله جزء منا، يغادرهم الأب، ليدافع عن الوطن،
(_سأذهب لأحرس كرمَ التّين، تلعبان مع أمّكما ريثما أعود)، ولأن الأم لاتجيد اللعب معهما كما كان يفعل الأب، (تضحكُ؛ فتغدو عيناها بحيرتَيْن.)، ويلاحقهما الموت لتسقط اختها الأخرى شهيدة، تحت وابل قنابل الحرب التي لاتميز بين طفل وشيخ، و تتدهور الأمور مما يضطرهم الانتقال إلى المخيم، حيث الظروف الصعبة، وقلة الطعام، حتى تشبه نفسها تلك الطفلة البريئة المتبقية (ومع ذلك تظلّ ساقاي نحيلتين مثل صوصٍ أجرب!!)، وعندما تمرض، فتذهب بها إلى الطبيب، وهناك تلفظ الطفلة أنفاسها الأخيرة، تلك العبارة التي تدمي القلب، وتستنفر مابقى من أنسانيتنا، (قهقهتْ أمي…
جنحتْ جثّتي إلى القاع!)، والقهقهة هنا تبين حجم الألم، بل وأدمان الألم، حتى الثمالة، ورغم كل هذه المآسي، والآلام، لازالت اللعبة مستمرة، تلك هي لعبة الموت.
• الخلاصة
تلك الحروب التي تفرض هنا أو هناك، بسبب أو بدونه، أشبه بلعبة بالنسبة للدول الكبرى، لكنها في الوقت ذاته مأساة، تدفع ثمنها شعوباً بأكملها، لايسلم منها صغير ولا كبير، مأساة تستصرخ العالم، ولكن لاحياة لمن تنادي.
شكري وتقديري للقاصة الأخت الفاضلة بوح الياسمين، وعذراً إن قصرت في جانب، فالنص الجميل، يتقبل عدة تأويلات، ورجائي لها بالتوفيق الدائم.
أمير ٱلمۘدرسۜ /الْعِرَاق
••••••••••••••
•القصة المقترحة لهذا الأسبوع بعنوان؛ الغميضة
للأستاذة القاصة؛ بوح الياسمين،
وهي القصة الفائزة بالمركز الخامس في مسابقة القصة القصيرة في دورتها
الثانية لعام 2020.
•••••••-------••••••••
{ الغمّيضة }
في المدينة، علّمنا أبي لعبةً جديدةً.
يختبئُ في ركنٍ ما من الدّار!
وزززززززز … يئزُّ مثل طائرةٍ، نبحثُ عنه في كلّ مكانٍ؛ بين حبالِ الغسيلِ، وخلف شجيراتِ الجوري.
بوووووووم… يدوّي مثل صاروخٍ، نرتمي على الأرضِ قتلى، يظهرُ أبي فجأةً؛ ننهضُ، ونستبقُ من يلمسُ ساقَ التّينةِ أولاً!نضحكُ كثيراً، ونتسلّى كلّ يوم!
مرّةً، أزّ أبي مثلَ طائرةٍ، ثم دوّى مثل صاروخٍ، ارتمينا على الأرض قتلى، ولم ننهض! احتضنَ بقايا التّينة؛ وضحك أبي لوحده!!
في المقبرة، دفنوا أخي، ونسوا أن يدفنوا جثّتينا…
قال أبي :
_سأذهب لأحرس كرمَ التّين، تلعبان مع أمّكما ريثما أعود.
أمّي لا تجيدُ تسليتَنا مثلما يفعلُ أبي؛ تضحكُ؛ فتغدو عيناها بحيرتَيْن.
مرّةً، أزّت أمّي مثل طائرةٍ، ثمّ دوّتْ مثل صاروخٍ، ارتمينا على الأرض قتلى، ولم ننهض! ضحكتْ أمي لوحدها، وغدت عيناها نهرين.
في المقبرة، دفنوا أختي ونسوا أن يدفنوا جثّتي…
في المخيّم، لا عملَ لأمي سوى العنايةُ بي؛ تحشوني نصفَ ما يخرجُ من صناديقِ الإغاثة! وتُفرغُ في جوفي علبَ الحليبِ كلَّها! ومع ذلك تظلّ ساقاي نحيلتين مثل صوصٍ أجرب!! لذا فهي دائمةُ القلقِ عليّ؛ كلّما تسلّلتُ خارجاً لألعب الغمّيضة مع الأولاد؛ سحبتني من أذني قبل أن يبدأ الضّحك!
البارحة، مرضتُ، فهرعتْ بي إلى الوحدةِ الصّحّيةِ، عشراتُ الأمّهاتِ حملْنَ صيصانهنّ الجرباءَ، ووقفْنَ في الطّابور؛ عندما جاءَ دورُها، أطرق الطّبيب وقال لأمي: شدّي حيلك!
_شدّي حيلك!
قهقهتْ أمي…
جنحتْ جثّتي إلى القاع!
أقبلا عليّ، متهامسَيْن:
_صه! إنّه هنا، يختبئُ في مكانٍ ما! تعال معنا نبحثْ عنه!.
°°°°°°°°°°°°°°
نقد وتحليل القصة القصيرة
زمرة الأدب الملكية.
فرع القصص.
