زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

من ذاكرة _ الأديب / محسن الطوخي _ في الفقرة الأسبوعية « من أوراق الذاكرة» { زمرة الأدب الملكية }


 


«  من أوراق الذاكرة »


إعداد وتقديم: أ. جمال الشمري


تنسيق وتوثيق: أ. سامية عبد السعيد 


••••••••••••••••••••


« أوراق من الذاكرة »

 

الأستاذ: محسن الطوخي


•••••••••



استطاع من خلال الفيس وواحة القصة القصيرة التي يديرها، 

والعديد من منتديات القصة القصيرة 

أن يستقطب الكثير من المواهب الشابة،

فباتت اليوم بفضل دعمه نجوما تتلألأ في فضاءات القصة القصيرة.


لقصصه متعة فريدة، ولنقده وتحليلاته وتوجيهاته ودعمه بالغ الأثر لكل دارس وكاتب لهذا الفن الراقي الجميل.


سيرة وفاء وكفاح ونضال مرير وتميز ونجاح وألق.

______________


تنضج الموهبة مبكرا قبل أن يدرك الإنسان علاماتها.

والفن مراوغ، لا يكشف لك عن حقيقته، يمنحك فقط شعورا مغلفا بالضباب يشبه المتعة، ويملؤك بالكبرياء كونك متفردا.

لكنك لن تعلم أبدا دون معاونة صادقة وفاهمة طبيعة ذلك التفرد، ولا يمكنك التعرف على المسارات الصحيحة دون اقتفاء الأثر


***********


صبيان في حوالي التاسعة، تتركهما الجدة لتؤدي واجب عزاء:

- لا تغادرا حتى أعود.. لا ترتكبا حماقة.

لم يكن لديهما مايكسر الرتابة والملل، دارا بلا هدف، تشاكسا ثم توقفا فجأة وعيونهما معلقة بالسندرة

برقت في عيني أكبرهما بسمة ذئبية، أسرع دون كلام فأحضر منضدة الجدة بعد أن أزاح أغراضها جانبا، جرى الأصغر فأحضر مقعدا وضعه فوقها، صار في إمكانهما التسلق إلى وكر الأحلام. تلاشت العتمة خلال دقائق واستبانت الأشياء، استولت عليهما الدهشة وهما يديران البصر في مغارة علي بابا. بادر أصغرهما إلى دراجة ظهر مقودها تحت ركام من الأغراض، بينما راح أكبرهما يعالج صندوقا من الورق المقوى في حجم منضدة الجدة. كشف الغطاء عن رصات من الكتب، كلها من القطع الصغير. تفحصها، حملت كلها نفس العنوان ( المختار... ريدرز دايجست ). 

اتفقا على تأجيل الاستيلاء على الدراجة كيلا تكتشف الجدة تجاوزهما للمحظور الأكبر، واكتفيا بالحصول على رصة من الكتب. ومع ذلك فقد اكتشفت الجدة ماحدث، دلها الغبار والأتربة العالقة بملابسهما. لم ينجوا من العلقة، لكنهما حصلا على الدراجة، وعلى عالم من الروايات والآداب فتح أمام الصبيين عالما أرحب، وأبعد بكثير مما حملتهما إليه الدراجة


***********

ماذا لديك لتقوله للناس؟

كيف تواتيك الجرأة على الكتابة وأنت لم تمت ولا مرة بعد!

لم تحلق يجناحي طائر، ولم تغادر الأتموسفير.

لم تنكسر أمام طفل جائع. ولم تحترق بالوجد الصوفي.

ولم ترتكب خطيئة واحدة.


***********


أختي الكبيرة اتهمتني بالكذب لما قلت لها أن لي صديقا كتب رواية.

قالت لم يكتب رواية من قبل طفل في المرحلة الإعدادية.

قلت له:  ربما كانت على حق.

قال كالمفزوع: لم تكتبها!

في اليوم التالي قال: أختي تريد أن تراك.......

ابتسمت بعذوبة:

- أهلا بالمؤلف الكبير.

 ارتبكت، لكنها سيطرت على الموقف بلباقة أشعرتني بسعادة، وغمرني شعور بالتفوق وأنا الاحظ نظرات صديقي الواثقة. كان مؤمنا بي، ولا يزال بشكل لا أفهمة حتى بعد انقضاء عمر طويل.

اخرجت من حقيبتي (كشكول) تهرأت أطرافه. كتب على غلافه بخط رديء بالقلم الفلوماستر العريض عبارة 

( الجليد الساخن ). ابتسمت الفتاة وهي تطالع العنوان. تناولت الكشكول بعناية، وقرأت اسمي المسجل بخط رفيع في الركن السفلي الأيسر: محسن الطوخي. لم أسعد بسماع اسمي طيلة حياتي كما سعدت في تلك اللحظات. فتحت الغلاف ودارت عيناها على السطور بسرعة، ثم بترو، ثم أسندت ظهرها وانزلقت قليلا. وعندما مر وقت بدت فيه كما لو كانت نسيت وجودنا، مس صاحبي معصمي وأشار لي، فتبعته بهدوء إلى الحديقة الصغيرة المحيطة بالمنزل......

قالت لي وهي تداعب وردة جورية: رواية هايلة

فانتفشت كديك شركسي، ثم أضافت: بالنسبة لسنك.

فباخت فرحتي.

كانت الرواية تنتهي بابتلاع الامواج الهادرة في النهر للبطلة العاشقة. فسألتني: من أين أتت الأمواج؟. الأنهار  لا تملك أمواجا هادرة. قلت لها : تورجنيف، وشلوخوف كتبا عن أنهار هادرة. اتسعت عيناها: من اخبرك عن هؤلاء؟ قلت: كنز علي بابا.

بعد ساعة كنت أسير وحيدا مزهوا عائدا إلى البيت 

وحتى العلقة التي نلتها جراء تأخري لم تنل من عذوبة القبلة التي منحتها لي قارئتي الأولى.


**********


حصلت على شهادة الثانوية العامة في أعقاب كارثة ٦٧. ومات عبد الناصر خلال عامي الأول في كلية التجارة. كانت المصائب تحلق فوق الوطن، فهجرت التجارة التي لم أحبها، والتحقت بالكلية الحربية. لم يكونوا يدققون، كانت الدولة تحشد جيشا لمحرقة متوقعة، فوجدت نفسي بعد عام واحد ضابطا في الجبهة. مرت الحرب بخسائر بشرية أقل من المتوقع، واستعدنا سيناء المحتلة بعد سنوات من الجهد الدبلوماسي، وبكثير من التنازلات التي أطاحت بالعقيدة القتالية التقليدية. فصار المقاتلون الذين نجوا من المحرقة عبئا. وهكذا وجدت نفسي ضابطا متقاعدا في الثالثة والأربعين.

لم أعان من أزمة التقاعد لأن الجيش الذي غادرته لم يكن هو الجيش الذي التحقت به. كانت أحلامي القديمة التي بهتت قد صحت من جديد، فسعيت إلى المواقع القديمة التي هجرتها، قصور الثقافة، ونوادي الأدب، واحتجت وقتا إضافيا كان من المحتم أن يضيع لأكتشف أن العقيدة القتالية ليست وحدها التي يممت شطر المجهول والعشوائي. إنما الإنسان أيضا قد فقد البوصلة. لم تعد الأشياء كما كانت. صرت غريبا في عالم غريب، ولا أزال. فهل نجوت؟

أظنني نجوت، أما كيف حدث هذا. فتلك حكاية لا تروى في عجالة. لعلها رواية لن تكتمل أبدا


********


عرفت لاحقا أن رحلة الدروشة التي استغرقت اربعة أعوام مابين نهايات الخدمة وبدايات التقاعد كانت حتمية، وضرورية.

حتمية في مواجهة المجهول الذي ينتظرني بعد عامين. وضرورية لأني ماكنت قادرا من دونها على الوصول إلى إجابات عن الأسئلة الكبرى.

كنت أقرأ كثيرا في الفيزياء الحيوية، وفلسفة العلم، وشغلني فرويد بالتحليل النفسي، وتبعت يونج في رفضه للبيدو، ثم استغرقتني مسألة نشأة الكون فطفت بالنسبية، وقرأت في الكوانتم، حتى اصطدمت بمعضلة الوعي. كانت هذه نقطة تحول قادتني إلى الداروينية، ومن ثم تفتحت مداركي على تخرصات الالحاديين فقرأتها كلها محاولا التزام جانب الحياد الديكارتي.

كان هذا حالي عشية علمت أني أنتظر التقاعد في غضون عامين. ومن ثم كانت فترة الدروشة التي شملت استغراقا في العبادات، وقراءات مكثفة في القرآن والفقه الاسلامي، إلى جانب العهد القديم وقراءات في تاريخ الكنيسة القبطية.


********


كلما امتلأت، كلما اتسعت مساحات الفراغ داخلك.

يمكنك الإحاطة بضحالة المرء من مقدار زهوه واعتداده 

بنفسه. خيط رفيع بين الثقة بالنفس وبين الزهو بها.

تعينك الأولى على الاستغناء والاستقلال، ويزري بك الزهو  إذ يجعلك عبدا للإطراء.



********


لا أنصح الأديب بالاستغراق في قراءات نقدية.

ابق كما أنت انطباعيا ولا تحاول أن تكون منهجيا.

المنهجية تنأى بك عن تلقائية الفن وطزاجته.


**********


« حجاج أدول »


        أمسية من أمسيات صيف عام 86 الحارة , قادتنى قدماى الى قصر ثقافة الحرية بالأسكندرية - قصر التذوق الآن - قاصدا ندوة القصة بعد انقطاع دام عشرون عاما بدأت بالتحاقى بالكلية الحربية فى نهاية الستينيات. قادتنى المصادفة لأجلس الى جوار ِ( شاب ) أربعينى نوبى الملامح. سمرته المحببة ودماثته أزالتا الحواجز فتعارفنا سريعا بلا عوائق. قادنا الحديث حول شئون الأدب والكتابة الى المجاهرة بالضجر من الندوة الدائرة فانصرفنا قبل انتهائها، واستكملنا الحديث سيرا فى شارع النبى دانيال. كان ذلك الأربعينى هو حجاج أدول. زاملته منذ ذلك الحين  ما يقرب من عشر سنوات. كنت أستطيع على الدوام أن أسمع مراجل الغضب تدوى فى صدره, كان قد أنفق تسع سنوات مجندا فى الجيش حارب فيها الاسرائيليين وعاد ليجد فى انتظاره مقعدا خشبيا متهالكا فى وزارة الزراعة وراتبا هزيلا، فانكفأ شأن النبلاء على موهبته ينحتها بدأب. كان حينئذ يعالج قصص مجموعته الأولى التى نشرها فيما بعد تحت اسم ( ليالى المسك العتيقة ) . بهرتنى قصة الرحيل الى ناس النهر أحدى قصص المجموعة , وقعت فى غرام بطلة القصة ( آشا آشرى ) , قطعت آشا نياط قلبى وهى تصرخ ملتاعة :     ( صيام يانسٌاى) ..  كان صيام وقتها غائبا بالغرق فى النهر فى رحلة العودة من الغرق الأول فى المدينة الشمالية , ولم يغفر حجاج للخزان أن كان السبب فى تغريبة صيام , ولوعة آشا .  كانت أزمة غرق النوبة والتهجير ماثلة فى كيانه منذ ذلك الوقت. حتى جرفته السياسة فتشعبت بنا الطرق.

      فى لقائى الأول به وقبل أن نفترق وعد بأن يصحبنى فى الأسبوع المقبل ليقدمنى الى شخص فريد. قال أننى سوف أعجب به. ,قال أيضا أنه بالتأكيد سوف يحتفى بى, وقد كان, أصطحبنى فى الأسبوع التالى الى صالون أنور جعفر لكى تبدأ الخطوة الأولى من رحلة الألف ميل المسماة ( أصيل ).


************


« أنور جعفر »


      خلال خدمتى الطويلة فى الجيش هجرت الأدب مرغما، قرأت بنهم فى جميع الموضوعات، قراءة غير موجهه لا تضبطها خطة. ارتقت القراءة المكثفة بذوقى ومداركى، لكنها لم تشكل نمطا أو اتجاها فكريا، وكنت معزولا عن الصرعات الأدبية الحديثة التى كانت تمور بها الحياة الثقافية فى الثمانينيات، فسقطت فى بحر لجى من مصطلحات لم أكن على دراية بها . تيار الوعى، والبنيوية، والشكلانية، وسريالية الشعر والتصوير، وجودية سارتر وعبثية بيكيت وكامى، فأقبلت على مجلة فصول التى كانت فى ذاك الوقت تحتفى بنشر المقالات النقدية، ورحت أجوب شارع النبى دانيال، وسور الأزبكية، فألتقط كل كتاب يتناول النقد الأدبى.

 عندما التقيت بأنور جعفر فكأنما عثرت على ضالتى. ربما كان السبب الأهم هو أنه كان من الأصالة بحيث يدرك كم الزيف والضحالة عند أولئك الذين جرفوا الوسط الأدبى  فى اتجاه اللامعقول، وما يعد الحداثة، حتى باتت الواقعية سبة لصاحبها اعتقد أنه بدوره قد ارتاح لصفاتى الشخصية أكثر مما اقتنع بموهبتى الأدبية.

توثقت صداقتنا على مدار عشر سنوات نما فيها الصالون كطفل يحبو ويشب، وتزايد ضيوفه بمن انضموا اليه حتى لم يعد يتسع لمزيد. 

     في شتاء عام 88 بدأنا نرتاد المقاهى لنعقد ندوتنا، لم يكن للندوة بعد اسم، ولم يكن لها خطة، كنا ننخرط فى مناقشة قضية أدبية أو اصدار حديث، أو يطرح أحد الحاضرين أحدث أعماله فنتبادل فيه الاراء، ثم نفترق فى الهزيع الأخير من الليل، فأعود متثاقلا وقد امتلأ رأسى بعشرات الموضوعات. تلك كانت مدرستى، اذ أنفق الأسبوع بين الندوة والأخرى فى النبش على أرصفة النبى دانيال والمكتبات العامة والخاصة، أرجع الى أصول الموضوعات فأدرسها بنهم الجائع الى المعرفة. فهل استطعت أن أعوض ما فاتنى فى عشرين عاما بياتا إجباريا ؟ . لا أعتقد أنى أفلحت. كل ما أفلحت فيه هو إزالة بعض الصدأ أعاننى على المساهمة بالدور الذى قدر لى فى تأسيس ورعاية جماعة أصيل الأدبية . 

استمر انعقاد الندوة على مقاهى الآسكندرية ما يربو على سنوات ثلاث، حتى قدر لها أن تستقر فى النادى النوبى تحت اسم جماعة أصيل الأدبية


************


 جماعة أصيل الأدبية 



كانت قد أنفقت من عمرها قرابة ست سنوات دون اسم . ولابد أن الاسم - رغم شكليته يضفى شيئا ما على الكائن, بل أزعم أنه يضيف الى جوهره. وهذا ما حدث للندوة, فكما يصنع جنين الطير اذ يكتمل , فلقت أصيل جدار البيضة, وشقت سبيلها بازغة الى الوجود . 

      كانت الندوة فى ذلك الحين قد ضمت باقة الرعيل الأول , قامت واشتد عودها على أكتافهم وهم ليس على سبيل الحصر : أحمد عبد الجبار \ عبد الهادى شعلان \ أحمد قاصد \ ياسر عبد القوى \ رمضان عبد الحفيظ \ أحمد صالح \ شهدان الغرباوى \ عاطف الصبروتى \ على الشوكى \ أمينه عبد الله \ أمل سعد.

  وسرعان ماتدفق على ندوة أصيل بمرور السنين شعراء وقصاصون ومثقفون أثروا الندوة بأعمالهم , وأنشطتهم , ومبادراتهم وقد مارست الجماعة دورها من خلال الندوة الأسبوعية التى كانت تعقد مساء الجمعة من كل أسبوع. بالإضافة إلى ندوة عامه واحدة شهريا على الأقل. وكانت الدعوات توزع على قصور الثقافة, وعلى مقاهى المثقفين, وغالبا ما كان عدد الحضور يفوق طاقة القاعة على الاستيعاب. وقد تنوعت أنشطة الندوات العامة فشملت كافة أوجه الفن والفكر والثقافة.

مات أنور جعفر، واستجاب حجاج أدول للنداهة، وابتلع وقتي السعي وراء الرزق، فابتعدت عن الأنشطة الميدانية وقد فتح ظهور الفيس بوك في نهاية العشرية الأولى من القرن ميدانا أرحب وأبعد أثرا من كافة الأنشطة التقليدية كالندوات، والمؤتمرات. فصار في الإمكان الانخراط في الأنشطة الأدبية ولو كنت في قمقم.

لا أعد نفسي أديبا متميزا، كذلك لست ناقدا بالمعنى المتعارف عليه. إلا أنني أحمد الظروف التي أتاحت لي أن أكون شخصا مؤثرا بشكل من الأشكال.

كل مايحتاج إليه المرء ليكون مؤثرا وفاعلا في محيطه هو الاستغناء. وأظنني أملك منه مايفيض عن حاجتي.














عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية