
قراءة بقلم: مجموعة من الأدباء والكتاب في قصة «راقصة الباليه» للكاتبة: "عبير عزاوي"
وهي القصة الفائزة بالمركز (الثالث) في مسابقة القصة القصيرة لدورتها الثالثة لعام 2020.
قراءة الأستاذة: "بسمة الحاج يحيى"
••••••
عاشقة لقصة ”راقصة الباليه“ للكاتبة عبير العزاوي
#البداية..*نص بلون مغاير
*نص يعج بالمعاني المحشوة خلف كومة من المشاعر،،
*نص كالنار، يضج كل ما حوله في حين تبقى قبة الثلج عارية منتصبة رغم الإعصار..
*نص يطرق مسالة معاشة بعالمنا العربي، وهي من المسائل التي تندرج تحت خانة المواضيع المسكوت عنها رغم ما تثيره من جدال بين الأزواج، وما تخلفه من سلبيات على العلاقة التي تجمع زوجين يجمعهما بيت واحد ويغطي أحلامهما سقف واحد.. لتصير العلاقة هنا، بعيدا عن الحميمية، من المحرمات المرفوض الحديث عنها أو الجدال بشأنها..، وتتفاقم الأمور ليصير الجدل إحدى الطابوهات الذي يصعب الحديث فيها إلا في قاعات المحاكم..
*مع أن هذه العلاقة سطرت بنودها في سجلٌ بالسماء، وحضنت فصولها ملائكة العشق والهيام،،. لتكون كل نفس زوجا لتوأم النفس المرافق، يسكن كلاهما عند الآخر، يرعاه بين حنايا القلب ويهبه خلاصة العشق والمودة..
#درجة_تفاعل_الشخصيات_خلال_القص:
1/ #الساردة_أو_الدمية_بطلة_النص
*جاء النص على لسان بطلة فريدة، ميزتها العشق، بل هي كرة ملتهبة من المشاعر، .. تضجٌ خلاياها عشقا ومحبة..
*تحدثت بكل طلاقة عن كل مشاعرها، عن شوقها لحبيبها .. لم تدخر وصفها لتلك الحرارة التي يحدثها بذرات جسمها المصقول حين تلامس أنامله حنايا وانحناءات جسدها الممشوق المتلهف لكل لمسة تعيد اليها الحياة..
*فالحياة بنظرها، ان يتلامس جسداهما، أن يحرك النبض الساكن بداخلها، أن ترقص على نغم عزف شفيف يجمع بينهما.. الحياة بالنسبة لها كومة مشاعر تطلقها كلما اقترب منها،،
*أدمنته وأحبته..
*هي الدمية المصنوعة من بلور شفاف براق، تحمل وهجا مستمرا، تكاد تقفز من مخبئها لتعانقه، لتقدم له رقصة على غير المعتاد..،
*من شدة الشغف صارت قادرة على استنباط المزيد من قواعد العشق والمحبة لتجعله هائما بها، غايتها إسعاده فحسب،،
*فما أجمل أن تحترق أكثر وتتوهج هباءاتها لترى الرضا بعينيه.
*هل هذا كل ما هو مطلوب لتكون له سكنا؟ فما بال تلك الزوجة المتعجرفة لا تبالي بما يعتمل في قلبه ممٌا يجعل هباءاته تشتعل ولا تقدم على إطفائها؟
وكأن هذه الدمية الجماد تحولت بفعل الحب والمحبة الى كائن يعي ويشعر ويحب، وكأن باشتعالات خلاياها وهباءاتها اكتسبت روحا بداخلها.. وصارت متوهجة، بل صارت تنعم بالحياة.. وأصبحت تتألم.. ألمها دليل عشقها وعشقها دليل حياتها،، عانقت الحياة من أجمل باب، وأطلٌت روحها من نوافذ العشق والغرام..
متيٌمة، عبرت حدود الحياة، ومتيٌمة انغمست في ملاذ الحياة.. قبل أن تتهشم مشاعرها وتتكسر أوصال أحاسيسها وتندثر موتا مريعا شنيعا، فلا هي أغمضت عينيها لتنام بسلام مودعة هذا العالم المشحون باللٌاحب..، ولا هي أسلمت روحها فداء لمحبوبها الذي حطٌم كبرياءها بكل قسوة..، بل هي فارقت حياة أتيحت لها في غفلة من الزمن، و في حفنة من المشاعر تولدت داخلها فأهدتها شحنة لحياة مؤقتة.. ثم انطفأت فجأة.. انطفأت رغم شغفها، انطفأت رغم نقمتها على تلك المتعجرفة، تلك الكتلة الثلجية المتكورة إلى جانبه على السرير.. متعجرفة لم تحسن الرقص و لم تحسن احتضان حبيبها وما أحسنت بالمرة أن تكون له السٌكن..
**************
2/ #البطلة_المغيٌبة_الزوجة
وحالة التوهج المذكورة آنفا، مشابهة تماما لما يحدث بين الزوج وتلك المتعجرفة؛ فاشتعال وغضب ورفض وكرٌ وفرٌ لم يطفئه الدٌش الذي أخذته الزوجة ولا استكان الزوج الذي صوٌرته الكاتبة في حالة لا تقلٌ درجة توهٌجها عن توهٌج الدمية؛ إذ صار كومة ملتهبة هو الآخر تنتظر لمسة حنين تطفئها الزوجة..
ورغم فضاعة ما يصدر عن الزوجة، إلا أن الكاتبة لم تولِها دورا كبيرا قد يرفع من تسريع نسق السرد بين سطور النص.. فهل تراها(الكاتبة) تعمدت معاقبة الزوجة، حين ذكرت أفعالها وحركاتها باقتضاب واسترسال مقصود حتى لا تأخذ حيزا كبيرا بين كلمات النص والحروف؟ والحال انها، حين تتحدث عن الدمية وتشرع في ترصيف أحاسيسها وانفعالاتها، فإنها تكتب وتبرع في حملنا بجنات من العشق والسحر والمشاعر الدفينة المتوهجة...
3/ #البطل_الضحية_الزوج
وبين دمية خالها الزوج جمادا فما أبِه لها، وبين زوجة ظنها منتهى الحلم وقبس الإرتواء، تاه الزوج تحت سقف جمع الإثنتين ببيته...
الضدان يركنان غير بعيد عن بعضهما،، وغير بعيد عن محيط عالمه ومحيط مشاعره..
تلك التي تشعٌ حيوية وتتوهج حبٌا تبدو ساكنة، خامدة بمحرابها، في حين تلك التي تحوي بين جنباتها روحا فقد تبين أنها هامدة ككتلة ثلج انحدرت من كهوف الأنوثة..
تلك الدمية المصقولة بنصاعة الثلج حٓوٓت بين ذراتها وقودا وهٌاجا، وكلما تحركت ازدادت اشتعالا.. وازدادت اشتعالا أمام برود تلك الكتلة الثلجية الهامدة على سرير الحياة والعشق ..كجثة كانت مكورة هنالك..، تنام دون مبالاة للنيران المشتعلة حذوها، في حين تصحو كل المشاعر برأس دمية، يخالها الزوج مجرد علبة بلورية تنطلق بإشارة وتخمد بأخرى..
وطال صمت الزوج منذ بداية النص حتى تقريبا آخره، وهنا تعمدت كاتبة النص جعله في خانة معينة، خانة الصمت والخضوع والسكون وتقبل الأمر دون إعمال العقل أو المبادرة بإصلاح ما بدا غير عادي لزوجين ببداية حياتهما الزوجية.. بل و أدهى من ذلك، جعلت منه بطلا سلبيا، سلطت عليه ظلما، وسقته جرعات عديدة من حرمان ولامبالاة وتعجرف، و... و...
جام غضب سلٌطته على البطل، ربما أرادت الكاتبة أن تقول لنا من خلال خيارها ذلك، إن للزوج دورا فيما آل إليه و إنه يستحق بجدارة وضعه الغريب ذاك..
إلى أن جعلته بالنهاية، يخطئ قراره، ويسحق بيديه مصدر سعادة كان مخبٌأ ليكون مولٌد الفرح بحياته وبحنايا فؤاده،، لكنه بغباء، تجاهل نداء الحب والعطاء وتغابى عن فهم سيرورة العشق وقانون التآلف والتجاذب..
تجاهل قلبا معطاء، محبا، لينا، صبورا
وارتمى بحضن كان ربما منساقا إليه بغاية لكسب آخر، كسب لا يعترف ببنود العشق والتآلف والتحابب...
#المفارقات_الواردة_بالنص والتي كانت عنصرا هاما كمحسنات لاسترسال الأحداث ولتقنية القصٌ عامة:
*ذكرت الكاتبة بذكاء متناقضات عدة؛
#الموت_والحياة؛
الدمية تفتقد الحياة وتنتظر كل ولادة لها بقبضة زر، في حين أن الزوجة تحمل داخلها موتا ضخما للمشاعر والدفء حتى أضحى وجودها لا يشبه الحياة..
#الثلج_والنار؛
مع أن كل حركة تولد الحرارة، من منطلق فيزيائي للمواد، بيد أن حركات الزوجة وتنقلاتها وتقلباتها على السرير لم تولٌد حرارة لا بجسدها ولا بمشاعرها، على نقيض ما يحدث مع تلك العلبة المغلقة والساكنة فوق رف لا تتحرك وتبدو ساكنة غير أنها كانت بركان مشاعر متوهجة، متقدة، تعوزها لمسة واحدة من انامله لتنفجر توهجا..
#اللين_والقوة؛
جسد المرأة الناعم وملمس بشرتها اللين واللذان يحويان روحا نزقة، صلبة وقلبا قاسيا فظا..
#الهيام_والتعجرف؛
دمية من بلور مصقول، بلا روح ولا فؤاد يصنعان خلاصة العشق أو يفرزان فصول الحنان والرقة، ومع ذلك فقد أحسنت إفراز خلاصة المشاعر إذ نجدها تتضوٌر عشقا وهياما..، على عكس ذلك الكائن المسمٌى انسانا برتبة ابنة حواء، والتي من المفروض، نصفها لين ونصفها الآخر معجون من عطف وحنان كغريزة لكل أنثى تولد بها وتكبر معها..، لكننا نراها على خلاف المأمول، تتصرف بقسوة وبلامبالاة، ماضية ببرود لا تلوي على أمر..
#الفرح_والحزن؛
دمية وزوجة جنبا إلى جنب، وزوج واحد يتشاركان معه نفس الغرفة .. تحمل المُحٍبٌةْ له حزنا عميقا بداخلها، أما غير المُحٍبٌة فيبدو أنها راضية بما هي عليه وإلا لكانت غيٌرت الوضع أو عبرت عن عدم رضاها..
#الحركة_والخمود؛
الزوجة في حركة مستمرة لكنها بدون نفع لما قد يرفع من شأن العلاقة بينها وبين الزوج، إذ الخمود يسيطر على روحها. ومن جهة أخرى، تركن الدمية في ركن بعيد، ساكن، لكنها، كلها شوق لإسعاد الزوج ورفع منسوب الفرح لديه..
#الضجيج_والهدوء؛
زوجة تملأ البيت حركة ثم تنام بهدوء بينما تركن الدمية في هدوء ومشاعرها تضجٌ فلا تهدأ ولا تنام..
إذ ما يحدث داخل الغرفة المغلقة يبدو شبيها بتلك الضوضاء التي تشتعل داخل رأس الدمية.. فالدمية تضج وتكاد تنطلق من مكانها..، فورة اشتعال أصابتها حتى صارت تنتظر لمسة واحدة لتهبٌ بعنف عازمة على عدم التٌوقف..، مصرٌة على التٌوهٌج..، راقصة إبداعا وحبٌا تخيلته مسبقا سيكون جميلا، مسترسلا، خلابا...
#الخلاصة..
قلت منذ البدء، إن هذا النص من المواضيع المسكوت عنها، ولا يجرؤ أحد أن يطرق مثل هذه المسائل علنا..، والدليل أن الكاتبة جعلت الدمية البلورية تخرج عن صمتها لتقول ما لم تقله المرأة،، أو المفروض أن تقوله تلك المرأة الزوجة،، كما عجزت عن ذكره كل النساء.، الكاتبة ألهمت من بالجماد تسربلت لتقول وتشعر وتتحرر من صمتها والذي هو ربما يمثل صمت كل النساء بعالمنا،،
*في حين جعلت الزوجة صامتة، ولم تطلعنا على ما يدور برأسها، لم تعطنا ولو إشارة بسيطة عما يدور بخلدها أو ما يعتمل بصدرها..
*فهل ارادت كاتبة النص طرح مأساة معاشة بأغلب البيوت ؟
*أم انها توارت خلف دمية لتطرح موضوعا هو أحد المواضيع الصعب تداولها بعالمنا العربي ؟
*ومهما كانت مداراة الأمر، فالمسألة قد كشف عنها الغطاء، وآن الأوان لإعادة النظر فيها، من أكثر من زاوية، علٌ الأمور لا تزيد تفاقما..
*كاتبة النص أصابت في طريقة طرحها للمسألة واختارت زاوية ذكية أطلت من خلالها للموضوع بل ووضعت مجهرا على فصول المأساة، ودعتنا نشاركها ولوج المخبر الذي فتحته على مصراعيه، وفتحت معه بابا لطرح أسئلة كثيرة كمعاول لفك شفرات ما ظل مبهما، وما قد يسلط عليه الضوء لحل المسائل من العمق والتي ظلت ترزح داخل قتامته حينا غير هيٌن.. ومع ذلك لا أحد تجرأ لهدم ما هو آيل للسقوط وإعادة بناء ما ينبغي ترصيفه بتخطيط سليم وحذر..
*لكن، قبل الهدم وإعادة البناء، يتحتم وجوبا رفع الحصار عن المحظور المسكوت عنه و طرقه للنقاش وعدم تجاهله،،،
*فبطلنا بهذا النص أخذ كفايته من الأخطاء، فلا ندع غيره يواصل على نفس نسق الغلط.. كما أخذ كفايته من العقاب،، فلا يقع غيره من الأزواج تحت طائلة بنود القصٌ فيعنفون بلا هوادة كما تعنٌف بطلنا وصاحبنا هذا..
*نص جميل، بفكرة طرح أجمل، وبطلة بلورية الصنع أمتعتنا طيلة القص، مرة بوصفها لرقصها وفق نغم ساحر هدهدنا رغم عدم سماعنا لأنغامه طيلة القص، لكننا استشعرناه فحصلت الهدهدة، وأمتعتنا أكثر لما راحت تعرض ما يعتمل داخل ذراتها ويحرك هباءاتها التي فاقت، عند وصفها، حركة القلب للإنسان واختلاجاته..، وتوهجت كما لم تتوهج روح إنسان شفافيةٓ وهياما ونقاء وصفاء..، وتحركت تلابيب ما يشبه الروح داخلها حبٌا خالصا من كل الشوائب ممٌا أكسبها إلهاما لتسحر محبوبها كما لم تسحره من قبل..
*حالة تطهير جعلتنا الكاتبة نعيشها حين أنسنت الدمية وأتاحت لها ولنا فرصة سماع نغم صوتها الداخلي الشفاف..
تحيتي ومودتي لكاتبة النص، الأستاذة عبير العزاوي..
شكرا وتقديرا كبيرين لكل الفريق المشرف على باب القصة القصيرة والنقد بزمرة الأدب الملكية
___________
قراءة الأستاذ: "عبد الرحيم خير"
حين يُستنطق الجماد..
قراءة في قصة (راقصة الباليه)
يزخر أدبنا العربي والشعري منه خاصة بمحاولات متكررة لأنسنة الجمادات وتصويرها بصورة الإنسان العاقل، ومنحها لسانا لا فظا وسمعا يقظا وقلبا حافظا وذلك في تجارب شعرية كثيرة عبر عصور الشعر المختلفة بداية من العصر الجاهلي وشاعره الذي خاطب الدمن والآثار ووقف مناديا ومكلما لبقايا الخيام وأطلال الديار، وذلك عبر مقدمة عرفت بالمقدمة الطللية؛ وفيها يقوم الشاعر وقبل البدأ في موضوع القصيدة بالوقوف على أطلال وبقايا الديار؛ ديار أهله وأحبابه الراحلين، يخاطبها ويحدثها، يسألها ويستمع إليها، يراها تحمل أرواحَ من رحلوا وغابوا، والكاتبة في قصتها ( راقصة الباليه ) راحت تغزل على هذا المنوال وتنسج خيوطَ قصتها وتحكم حبكتها، وهي وبما تملكة من قدرة إبداعية وملكة سردية قدمت صورة جديدة لهذه الأنسنة؛ أنسنة الجمادات، أصبح فيها الجماد وعلى غير العادة هو المتكلم لا المخاطب، هو المتحدث لا المستمع، عبرت الكاتبة عن فكرتها وصاغت أحداث قصتها على لسان راوٍ مفترض ( راقصة الباليه)، رمز الحبيبة العاشقة والتي يظهر أنها من أهدت حبيبها اللعبة أو شاركته شراءها، فسكنت روحُها جسدَ اللعبة وصارت تنظر بعينيها وتتحدث بلسانها..
سلطت القصة الضوء على زاوية من زوايا العلاقات الإنسانية المعقدة؛ علاقة الحب من طرف واحد تلك العلاقة التي تشوبها الاضطرابات والصراعات النفسية الحادة، بين ما يطمح إليه المحب ومايرتجيه مقابلا للأحاسيس والمشاعر الفياضة والتي تكون بلاثمن فتقابل من الطرف الآخر بالأهمال واللامبالاة، ومن هنا تتكون هذه العلاقة المعقدة وتتشكل عبر مجموعة من المشاعر المتناقضة بين الطرفين (الاهتمام /الاهمال ، الشغف/ الفتور ، الشوق والحنين / اللامبالاة والتبلد) هذه المتضادات الثنائية تطورت في هذه القصة فأصبحت أكثر تشابكا وتعقيدا، أصبحت علاقة ثلاثية هرمية، رأسها هو الزوج المحب المحبوب في آن، وطرفاها فتاتان؛ الزوجة التي لا تبالي ولاتهتم، و(راقصة البالية)،زمز الحبيبة الغائبة.
بدأت هذه العلاقة المعقدة في التطور والتأزم سريعا (مضى على زواجهما شهر كامل) كان الزوج طوال هذه المدة يعاني الإهمال والإرهاق، مبكرا اصطدمت مشاعره المشتعلة بمشاعر زوجته المتبلدة ورغبته بممانعتها، وحرصه على إسعادها وإرضائها بتعمدها إغضابه واستفزارة ( امتدت يده لتلامس ظهرها، فتحت عينيها وشهقت ؛ ارتعد جسدها وتشنجت أطرافها) وفي كل يوم ومع اشتعال رغبته وتبلد إحساسها تزيد فجوة الاختلاف ويزيد اضطرابه ومعاناته (يدور هو في الغرفة متوقدا.... يلف حول السرير ......يضرب الوسائد بالأرض )
كانت الزوجة في هذه العلاقة هي الطرف الثاني لم تبادل زوجها الحب، تكره فكرة أن يلمسها أو يقترب منها (امتدت يده لتلامس ظهرها، فتحت عينيها وشهقت ؛ ارتعد جسدها وتشنجت أطرافها)
ومعاملة الزوجة وسلوكلها يبدو أن له أسبابا منطقية يمكن من خلالها تبرير تصرفاتها، فقد تكون أرغمت على هذا الزوج وتزوجت من لاتحب، أو قد يكون لها حبيب ملك قلبها وكانت تتمناه زوجا، وما هذا العناد والصلف إلا انتقاما من زوجها الذي فرقها عنه، وهو ما يفسر سلوك الزوجة وسوء معاملتها (يحاول احتضانها ؛ تدفعه بحزم) هذا الانتقام المركب انتقام الزوجة من زوجها بنفورها وسوء معامتلها، ورغبة المحبة اللعبة في الانتقام (تمنيت أن تتحطم عظامها) يكشف عن ذروة الصراع الثلاثي المعقد
ويفتح باب التأويلات ويحمل في طلياته عنصري التشويق والإثارة .
الطرف الثالث هو المحبة (الرمز ) وهي قد تكون جارة أو قريبة كانت تشاهد وترصد، تراقب وتتابع أحوال الزوجين بدافع الغيرة ( روائح العطر تفوح هذا المساء يرافقها أنغام موسيقا حالمة تنبعث من زاوية الغرفة)، (يخرجان للسهر كل ليلة ؛ يعودان منهكين)
لم تفقد الأمل بمن تحب ومازالت تنتظره وتتمنى قربه ووصاله (( كم اشتقت لأن يمرر أصابعه على جسدي فتسري تلك القشعريرة اللاهبة في أوصالي و يجتاحني طوفان الارتعاش اللذيذ ))
تلومه وتشفق عليه في آن لهذا الاختيار الخاطئ، تتمنى لو لبت رغبته وعوضت حرمانه
((أنتظر لمسته؛ آه.. ليته يدّورالمفتاح لأخرج إلى دائرة رقصي ؛ سأرقص له أجمل ماعندي ))
ولأن علاقة الحب من طرف واحد هي علاقة معقدة قوامها العطاء دون مقابل فإنها تحاول إسعادة وتحقيق رغباته تتمنى لو استطاعت أن تطفئ نار حبه وتنزع فتيل شوقه ووجده (( كم أتمنى لو أقوم بقفزة واحدة أطير ، ثم أحط على طرف الفراش وأنسلّ إلى داخل جسدها الهامد ))
وفي النهاية كانت اللقطة الفريدة بؤرة الحدث التي جمعت خيوط الحكاية، وصورت لحظة اشتعال الزوج بنار الشوق وانصهار روحه، وجروحه التي سالت دما ، ولحظة من تبلد الزوجة وبرودها المعتاد وفي مفارقة بديعة تشظى فيها الحدث التقطت عدسة الكاتبة صورة أخيرة فقد الزوج فيها صبره
وبلحظة استبصار أزالت تلك الغمامة من على قلبه وأحيت تلك المشاعر المخبوئة في أعماقه وأعادت إليه ذكرى الحب القديم، شظية من ذكرى
عاشقة حطمها وكسّرها بيديه.
..راقصة البالية قصة مميزة بأحداثها وشخوصها وفكرتها تكشف عن موهبة أصلية لخبيرة في هذا الفن في كل ما تقدمه من كتابات بالغة القيمة والجمال خالص مودتي وتحياتي للمبدعة الأستاذة / ﻋﺒﻴﺮ عزاوي
_________
قراءة الأستاذ: "غنام الديراني"
جميل هذا الغضب اللطيف العميق الغيور الماسك بالقصة من بابها الى محرابها !..والأجمل من كل ذلك هو هذه الفكرة التي تتلبسك وأنت تقرأ القصة بانسيابية غضّة وانزلاق عاتب حانق شرير!...
والفكرة هي :
ماذا لو كانت كل اشيائنا ومقتنياتنا مدركة وعارفة لكل ما يدور حولها، كأن تحرد سيارتي مثلاً وترفض أن تدور لأنها رأتني وبغفلة متها استقلّ سيارة أخرى أكثر منها حداثة وتطوّراً واشدّ بريقاً ولمعاناً ، وماذا لو غضب طقمي الكحلي والتفّت الساق بالساق حنقاً ونرفزة لأنني اشتريت طقماً جديداً وكنت بكل رهافة وانتباه أعلّقه في خزانتي مأخوذاّ بحسن قَصّته ولونه الآسر الفاتن!...
إذن ، لو كان كل ذلك لصارت الحياة جحيماً كنا لنرى الأشياء تتطاير من النوافذ على أجنحة الصرخات والشهقات والهمهمات !..
على كل حال ، احسنت يا استاذة عبير في ابتكار قصة قصيرة بطلتها لعبة مركونة فوق الرفّ فجسدتِ بعفوية وتلقائية كل مشاعر الأنثى المحبة بصدق وبعمق والمُعاتِبة حتّى التحطّم والإنكسار..لقد جسدت راقصة الباليه مشاعر المرأة واحاسيسها التي خلاصتها تقول :
أن تحبّك إمرأة يعني أن تعلن الحرب على نساء الأرض!!
تحياتي وتقديري لصاحبة القصة وللناشرين الأعزّاء..
_________
قراءة الأستاذة: "منى رمضان"
بلاغة حديث الجمادات تناطح جمود مشاعر البشر.
الرمزية مدرسة بلاغية وعلم كبير يهدف إلى التعبير عن سر الوجود.
ظهر علم الرمزية بفرنسا في أواخر القرن التاسع عشر.
قال العلماء عنها أنها نابعة من قدرة العقل على استيعاب المعلومات، فقد مثلت التعبير عن الانطباعات النفسية وحلت محل الأسلوب التقريري الذي يقع بالعمل الأدبي في جُب المباشرة.
ولقد استجمعت الكاتبة هنا كافة خصائص المدرسة الرمزية، ومنها الولوج في عالم اللاحدود حيث التغلغل إلى أسرار النفس وخفاياها ودقائقها.
الراقصة الزجاجية هنا تعشق وتراقب وتتألم ويصل بها الحال إلى أن تصبح شظايا جسدية مبعثرة بيد العاشق دون علمه
وهذه الصورة الفنية تبث إيحاءً عميقا ذا أصداء بعيدة وتضع الدمية على مساحة البطولة المطلقة للعمل من خلال التشخيص بكل حرفية.
الدمية صنعت مجالا وجدانيا شديد الحميمية بينها وبين معشوقها نتج عنه حميمية إنسانية بين العمل والقارئ من خلال سرد بلاغي ثري المفردات.
العبارات الجريئة لم تكن باعثة للخجل، بل للألم على حال الزوج الذي زجت به زوجته في دائرة الحرمان كما زجت بالقارئ في دائرة من التشابك الانفعالي بين التعاطف مع الدمية واستنكار رد فعل الزوجة.
فرط عاطفة الدمية صنع مفارقة رائعة أمام تبلد مشاعر الزوجة.
الشخصيات تاهت بها الدروب؛ فالدمية تنتحب حبا ولا يشعر بها أحد، والبطل يغرق حبا فيمن لا تشعر به، والزوجة تسير على درب اللا مبالاة فتأتي مفارقة جديدة يغلق بها العمل وهى الاتحاد الرمزى بين الماء والدم والزجاج رغم التباعد الوجداني الحقيقي بين الثلاث شخصيات.
البعد النفسي يقول قد تمزق حبيبك الحقيقي دون أن تشعر به وتلهث وراء من لا يشعر بك والناتج من دمك.
شكرا للأديبة ﻋﺒﻴﺮ عزاوي.. سلمت أناملك وإلى المزيد من العطاء لعالم الإبداع
__________
قراءة الأستاذة: "آدو السيد"
قصة جميلة توحي لنا بأن الحيوان والجماد أيضا يشعر مثلنا رغم التخيل الشديد فيها وبعد النظر لكن استطاع الكاتب إيصال الهدف والمضمون لنا بسهولة
هذه اللعبة استطاعت الشعور بمشاعر الحسرة واللهفة لدي الزوج عن تلك الزوجة المهمة
شكرا للكاتبه، فالأسلوب سلس وصريح، والنهاية من النهايات المغلقة التي استطاعت إيصال الفكرة بوضوح.
_________
قراءة الدكتورة::"نشوه أحمد حسين"
راقصة البالية.. هذه القصة متميزة جدا ومختلفة عن أي قصة أقرأها عن ذي قبل وأن دل هذا فإن كاتبها يتمتع بطريقة مبهرة في السرد وقدرة عالية علي إختياره للمحسنات البديعية وقراءة واسعة أيضاً فهي تجربة شعرية مسرحية للأحداث مختلفة
أبدع في إختيار العنوان وأحسن من اول سطر للقصة حتي نهايتها.
::::::::::::::::::::::::::::::::::
راقصة الباليه..
توقف عن لمسي منذ تزوج وأحضر هذه المتعجرفة .
كم اشتقت لأن يمرر أصابعه على جسدي فتسري تلك القشعريرة اللاهبة في أوصالي، و يجتاحني طوفان الارتعاش اللذيذ بادئاً من مفرق رأسي ، ومنتهياً إلى إصبع قدمي الذي أقف عليه، أرفع ذراعي فوق رأسي أمسك معصم يدي اليسرى بيدي اليمنى ويلامس باطن قدمي اليمنى ساقي اليسرى، وأمشق جسدي البلوري النحيل لتمر منه ذرات الضوء عندما أرقص .
أكثر ما يكون اشتعالي عندما .يسحب يده إلى جانب العلبة يدّور المفتاح عدة دورات ، يتوقف، تنساب موسيقا بحيرة البجع ؛أخرج من منتصف العلبة؛ أدور راقصة في مسار دائري حولها ، عيناه تتأملان دوراني فأكاد أقع .
روائح العطر تفوح هذا المساء يرافقها أنغام موسيقا حالمة تنبعث من زاوية الغرفة ؛ إضاءة خافتة ويداه تعبثان بأزرار فستانها الأصفر ؛ مضى على زواجهما شهر كامل ؛ يخرجان للسهر كل ليلة ؛ يعودان منهكين ؛ يحاول احتضانها ؛ تدفعه بحزم؛ وتستغرق بنومها ؛ و يقضي هو ليله أرقاً .
كم أتمنى لو أقوم بقفزة واحدة أطير من الرف الذي أنتصب عليه ثم أحط على طرف الفراش وأنسلّ إلى داخل جسدها الهامد .
كم أتحرق لتلامسني أصابعه؛ تيار من لهب راعش يسري في ذراتي .كيف يمكن أن أسكن في جسدها؟!
طغت الفكرة في رأسي، استحوذت عليّ وأخذت تطفو على ماحولي وتشيع هالة داكنة من توجس ؛ حينها امتدت يده لتلامس ظهرها، فتحت عينيها وشهقت ؛ ارتعد جسدها وتشنجت أطرافها.
تمنيت أن تتحطم عظامها تحت وطأة الثقل الذي يزيد بمرور كل لحظة،بالشد والجذب بين طوفان رغبته الجامح وبين سكونها .
نهضت متثاقلة على نفسها ؛ مبتعدة عن جسده الضاج باللهفة ؛ قاوم ابتعادها؛ لكنها نجحت في ايقاف فورته .
دخلت الحمام ، متمايلة بجسدها اللدن الذي أبغضه؛ يتسلل إليّ صوت انسكاب الماء ، ممزوجاً بصوت نشيجها .
يدور هو في الغرفة متوقداً ، غارقاً في الهالة القاتمة للغضب، ؛يلف حول السرير يضرب الوسائد بالأرض ؛ هاهو يقترب من الرف يركز عينيه على جسدي المشدود بخفة صلبة؛ أنتظر لمسته؛ آه.. ليته يدّورالمفتاح لأخرج إلى دائرة رقصي ؛ سأرقص له رقصة لم يرها من قبل. يده تمتد؛ تحوم حولي تتوقف ؛ تحوم أسرع ؛ ثم تهوي على الرف فتنثر مافيه في أرجاء الغرفة .يمسك بيده الأخرى يده التي جُرحت وسالت دماؤها .
خرجتْ مسرعةً على صوت التحطم، الماء يقطر من شعرها وجسدها ؛ويبلل الأرض مع كل خطوة من خطواتها المتحفزة . تغمض عينيها ؛ تمشي على أطراف أصابعها ،تلف نفسها بلحافها وهي ترتعش ؛ وتحكم إطباق الغطاء حول جسدها المبلول. وهو يقترب بحزم من تخومها .
على أرضية الغرفة تمتزج قطرات مائها بقطرات دمه، وتتبعثر شظايا جسدي الزجاجية مطحونة باللوعة.
الكاتبة: "عبير عزاوي".
________________
زمرة الأدب الملكية.
فرع القصص.
فقرة: نقد وتحليل القصة القصيرة.
2021/6/18.