قراءة سيميائية بقلم: الأديبة والناقدة السورية / كنانة حاتم عيسى
في نص قصة « مبتورة »
للأستاذ: جمال الخطيب
من عمر الهزيمة أنا
تأمل وجهه في المرآة
قال: ما زال لدي وقت، لم أكبر بعد، ما زلت فتيا.
انحنى الشجر، أصبح يابسا، جفت الجذور في التربة البيضاء، أغصان صغيرة مشوهة يعلوها الدرن، تحاول الاستطالة على ماء آسن.
قال: لولا هذا النُّدب، كان الخطيئة التي تذكرني بما يجب علي أن أكون، هذه الضوضاء النشاز تعلو كل شيء، أطرب لها وبعد العشاء أغفو مبكرا، لدي سنين وسنين .
التربة البيضاء تلوك الأغصان، تبدو نضرة، ينخر فيها الخراب، سيطول الأمر قبل تتقصف وتلتهمها الأعشاب وسوس الأرض.
قال: مليء أنا بالكراهية وجذاب، حتى الصغار يعرفون ذلك، اسقط نفسي في عوالمهم وأصبح جزءا منها، في جيناتهم أصوغ الوجع الذي لا يدركونه الآن، أملأ فراغات الحزن الذي سيحملونه بقية أيامهم .
تتلوى الأغصان، تحاول جاهدة، كل في اتجاه، ولا تكبر، يخمد عليها الجذع المجوف الفارغ ويحجب الضوء.
قال: كل هذا أجمله بالصمت، الرذيلة أمر جذاب، لولا هذا الندب، لن يكبر، انظر كيف يرضعون الكراهية، وهذا يمنحني سنينا أخرى من الحياة، سأضعهم في التيه ولو أنتجوا بذورا، فهي بذوري لوثتها، وهي أقدارهم، أفراحهم ستكون مبتورة لأنني أسكن فيها.
التربة البيضاء ستخلو يوما من عناصرها المغذية، وتتقصف الأغصان، وتعود جوفاء .
تأمل وجهه في المرآة وتساقطت أسنانه.
••••••
« القراءة »
____
نص خرافي يبدأ بالهزيمة واليباس وجفاف المشهد العبثي اللامتصل، ويؤطر الخطايا كهوية الإنسان الجديدة في العصر الجديد، هوية متفسخة تبتعد عن أدنى مفاهيم الإنسانية والقبول، نص يمجد القبح الساخر الذي يتغذى على النقمة و الكره و يثير مشاعر الهواجس والقلق والارتباك لدى المتلقي ،
فالسارد الرمز (لعمق الإنسان المعاصر الذي طغى عليه القبح) فهو في منظوره التحديقي للآخر يرى شرا لا يشيخ ولا يموت، المرآة بالنسبة له منظار حيادي يعكس رؤيته الفردية لكل فرد في المجتمع، داخلُه العَفِن يتغذى على طاقة قوامها التفكك والكراهية والانحلال ورغم أنه يبدو كجثة ناطقة إلا أن يتمادى في استمرارية وجوده المتفسخ ولا يعترف بانتهاء دوره وقرب فنائه وبصمته السلبية، فهو يرى نفسه شابًا في جذوة حياته ،لكنه الآن أشد عنفا وقسوة رغم شيخوخته وتهالكه الذي يجذب (الصغار) مكبلًا الجيل القادم بالمزيد من الخيبات والانكسارات القادمة. وكما ورد في النص:
سأضعهم في التيه ولو أنتجوا بذورا، فهي بذوري لوثتها، وهي أقدارهم، أفراحهم ستكون مبتورة لأنني أسكن فيها
استخدم الكاتب لغة خطاب فلسفية مبسطة وعميقة. فالنص هنا لا ينقاد في سماته إلى المتعارف عليه والمألوف الاعتيادي و الحقيقي بظاهره،
فهو يرتكز في بنائه الفني على سمة القبح، تشويه الثوابت، تضخيم النشاز، المبالغة في طرح التنافر والرفض وعلى عكس أدب القبح الذي ارتبط بالرعب والفكاهة والتضاد،نرى الكاتب قد أوغل في تضخيم فكرة التفسخ الاجتماعي، بتقابل مزعج متعاقب للقارئ، هدفه خلق رؤية مشتركة، حيث السارد يتأمل ملامحه في تعاقب مشهدي مع تهتك الطبيعة الأم وانحدارها واختفاء جمالها.
نص رائع موحش، جميل في تصوير قباحة واقعنا،استثنائي في إهانته لإنسانية الجنس البشري، فاق توقعات دمار المدنية والحضارة واستفشاء الرذيلة والانحلال. ومضى بصياغة رمزية لخلق صدمة فاصلة حادة، تجبر القارئ على امتصاص جرعة الحقيقة المرة. ،من مكان فقد امتياز بقائه بخراب إنسانية من مكثوا فيه.حيث (الحكايات المبتورة) هي نبوءة قصم للمستقبل ولبذوره.
إذهال
