زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قراءة _ بقلم: أ. رصيف الأمل / في نص _ نفوق" للكاتبة: Refaa Saeb


 


قراءة سريعة حينية لقصة قصيرة جدا ( ق.ق.ج


ضمن تعليق فوري على رائعة نص 


"نفوق" للكاتبة المتميزة Refaa Saeb


 *****


« نفوق » 


لم يسألني حفّارُ القبورِ كيف أريدُ أن يُسجّى جسدي ، وضعني ناحيةَ الغربِ ، صرختُ فيهِ أن يضعَ رأسي باتجاهِ الشرقِ ..

 لم يسمعني ، حفرَ ابتسامةً ، وروى تربتي بدمٍ كذِب !


بقلم الأستاذة: Refaa Saeb


   

     *****


أرى في هذا النصّ الجميل والبديع تناصّا رهيباً و نقلاً مهيباً لقوله تعالى في محكم التنزيل في الآية 8 و 9 من سورة التكوير: { وإذا الموءودة سُئلت بأيّ ذنبٍ قتلت


وكأن القاصة تسأل الموءودة ، فتقول لها : بأي ذنب قتلت ؟ ومعنى سؤالها توبيخ قاتلها ، لأنها تحيلنا مباشرة إلى الجواب على لسان بطلة قصّتها؛ ليأتينا نفس الجواب التاريخي- الصّادم، و منذ عصر الجاهلية.. 


- قُتلتُ بغير ذنبٍ. 


نفوق: عتبة جد ممتازة؛ فيها من الإيحاء و الرمزية مع المخاتلة والاحتواء لمضمون النصّ، وقلتُ مخاتلة؛ لأن اللفظ عادة ما يستخدم لوصف حدث ما وهو ممات الحيوان بصفة طبيعية، استغلته القاصة كحدث مبطّن في إشارة واضحة لدونية مكانة المرأة في المجتمع العربي عندما ساواها درجةً مع الحيوان، وهو اختيار موفّق لكاتبتنا المبدعة في تماهي  مع ثيمية النصّ، باعتباره أتى للدلالة على عمليّة الوأد الذي أشارت إليه السّورة، لتُخرج لنا ضمن عملٍ إبداعي قصصي مشهدا حيّا ناطقاً صوتا وصورة. ليبقى التساؤل قائما إلى متى ستظل المرأة تعاني ويلات التمييز والقهر والغبن من الجنس الآخر ( حفار القبر) في دلالة واضحة على المجتمع الذكوري المتسلّط.

كما لا يفوتني في هذه القراءة السريعة أن لا أشيد بروعة القفلة:

"روى تربتي بدم كذبٍ" والتي تحيلنا بدورها على قصة مأثورة من أجمل القصص في القرآن، حينما أتى الإخوة إلى والدهم النبيّ يعقوب بدمٍ كذبٍ غطّى قميص الضحيّة " سيدنا يوسف" عليه السلام، في تجلي واضح لمؤامرة دنيئة للتخلّص منه. وكأن القاصة تلمّح لعملية الاقصاء تلك،

عبر اسقاط تلك الواقعة على النهاية المأساوية لبطلة القصة حين دفنت حيّة وبعيونٍ مفتوحة لما طمحت إليه "برؤياها"  في قائم حياتها؛ ليقع وءدُها  مع كل آمالها وأحلامها وتطلّعاتها... رغم استجداءاتها (لحفار القبر) الذي لم يسمع نداءاتها وواصل دفنها بدمٍ بارد. 


بوركت أستاذة على بديع ما كتبتِ.


طلب مني أحد الإخوة في إحدى  المجموعات التطرق للفظ الشرق والغرب في القصة. 



*بالنسبة لثنائية الغرب والشرق: 


" وضعني ناحيةَ الغربِ ، صرختُ فيهِ أن يضعَ رأسي باتجاهِ الشرقِ .." 

القاصة هنا أوردت مصطلحين متنافرين أو متقابلين،  فالشخصية البطلة أرادت أن توضع ناحية الشرق، بينما وضعها (حفار القبر) ناحية الغرب،، أحدهما أراد أن يُشرِّق والآخر أراد له أن يُغرَّب قسرًا، 

وهنا تبرز تلك الهوة واضحة المعالم بين نقيضين اثنين، اتجاهين متقابلين من ناحية، وشخصيتين محوريتين متصادمتين من ناحية أخرى، 

وفي ذلك إشارة و دلالة من قِبل القاصّة على إبراز ذلك البَون وتلك الهوّة الشاسعة التي تعكس عدم وجود  اتفاق حاصل بين الشخصيتن الفاعلتن في القصة. 


كما أنّ مصطلح الشرق والغرب: وردا لتحديد الوجهة. 

* الشرق:  هو جهة شروق الشمس وبزوغها، وهو كناية عن الولادة ولادة صبح جديد، وفيه تتجدّد الحياة. 

* أما الغرب: فهو الجهة التي تغرب فيها الشمس، و هو مصطلح يُرمز به للاختفاء/ التلاشي/ الأفول/ الاندثار. 

ويقال فلان غربت شمسه: أي اندثر، تلاشى، و اختفى. 


=> ولعلّ في تقديم مصطلح الغروب على الشروق، يشير إلى وضعية انقلابية على السائد والمتعارف عليه، بل وحتى على نواميس الطبيعة نفسها، إذا أخذنا بالحسبان أن لفظ الشرق وجميع مشتقاته قد وردت موضِعًا في القرآن قبل لفظ الغرب وجميع مشتقاته، والأمثلة عديدة كقوله تعالى ( ولله المشرق والمغرب)

=> الشرق/ الشروق: هو مكان واتجاه القِبلة، بحيث أرادت بطلة القصة لرأسها أن يقابل جهة الشرق ليستقبل جسدها المسجّى وضعيّة القِبلة، كدلالة على أنها شخصية مضطهدة و "شهيدة". 

وأستحضر هنا قصة السيدة مريم حين ضاق بها الخناق فاتخذت وجهة الشرق {واذكر في الكتاب مريم إذا انتبذت من أهلها مكانا شرقيّا} سورة مريم الآية 16. 

=> في حين أنّ الجلاّد أصرّ على أن يُبقي رأسها متّجها نحو الغرب، بغاية التشفّي والإذلال، وكأنه يقدّمها قربانا للشيطان، بعدما وسوست له غريزته المتسلّطة فسقط ضحيّة هواه، ليُسند رأسها ناحية الغرب، وهو ما يجسّد عادة قِبلة الظُّلام-الظلاميّون ( السّواد/ الليل/ السحر الأسود/عبدة الشيطان). 

إذا، القاصة رسمت لنا الشخصية البطلة (المرأة المضطهدة) كضحيّة وشهيدة، لفعل شنيع سُلّط عليها من قبل الشخصية المحورية الثانية للرّجل المتسلّط (حفار القبر) الذي قدّمها قربانا في شكل أضحية. 

  وهنا وجب الربط بين العنونة وما أوردته من ملاحظات سابقة: أضحية/ ضحيّة/ قربان/ شهيدة => نفوق. 

وكأن القاصّة تنحاز لبني جنسها، حينما جرّمت فعل الحفّار، لتقول له أن قربانه لم و لن يُتقبّل منه، وأن أضحيته قد نفقت سلفاً بسبب لا إنسانيّته وسوء نيّته،

وإفساده في الأرض من خلال قتله لنفسٍ بريئة زورا وبهتانا وبغير وجه حق. 


وقد يطول بنا الكلام وتتعدد القراءات والأفكار، كلما تعمّقنا أكثر وأكثر في هذا النصّ الثّريّ،، ولكن سأكتفي بهذا القدر لعدم الإطالة كي لا يشعر القارىء بالملل.





















عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية