زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

من ذاكرة _ الأديب / أحمد طنطاوى _ في الفقرة الأسبوعية « من أوراق الذاكرة» { زمرة الأدب الملكية }


 



« من أوراق الذاكرة »


إعداد وتقديم: أ. جمال الشمري


تنسيق وتوثيق: أ. سامية عبد السعيد 


••••••••••••••••••••


« أوراق من الذاكرة  »


الأديب:  أحمد طنطاوى 


••••••


أوراقنا اليوم كتبها معلمنا وشيخ النقاد

الذي نترقب تحليلاته ونقده لنتعلم وتصقل الأقلام والمواهب

إنه ضيفنا المميز والمتألق دوما في عالم الفكر والحرف

Ahmed Tantawy

أديب وكاتب كبير وناقد لا يشق له غبار ومفكر و محلل أدبي ونفسي وفلسفي من الطراز الأول


لن أطيل عليكم وأترككم مع ملحمة حياة ممتعة جدا بأسلوب أستاذنا المعتاد في العفوية والصدق والشفافية والإدهاش والمتعة.


_______________



☆ لمحة من حياة ☆



** حين أعود بالذاكرة سراعا عبر الحلقات أجد الانحصار و السعة في نفس الوقت ،ما يشِّكل غرابة متأملة . 

و أجد تعبير " أعود بالذاكرة " غريبًا و غير دقيق ؛ فهي ليست عودة ؛

الإنسان الحاضر هو إنسان الماضي متحركًا في إهاب جديد ... 

كلنا (ماضينا) الذى يحيا داخلنا أو نحياه نحن في أيامنا الحالية بعد أن شكلتنا أجواؤه.


* فبسبب الحب العاطفى العصبي للوالدة مثلا رحمها الله ،والذي من نتيجته حتما الخوف الشديد على أبنائها


* منعت تماما من اللعب أو الخروج للشارع في الطفولة المبكرة رغم أن مدينتنا وقتها كانت نموذجا كاملا للهدوء المطمئِّن ،

وبهذا أصبحت سجينًا أعتقله حب من نوع غريب ، ولم يعش طفولته أبدا ،بل كانت طفولة معذبة و بمعنى الكلمة، و بما يفوق التصور ، و تذكرنى إلى حد ما في جزء منها ببعض عذابات وحدة طه حسين كما وصفها في الجزء الأول من كتاب الأيام مع فارق ظروفه المأساوية الخاصة بفقدان حاسة البصر .


* كنت وحيدا أقضي الوقت غدوا و رواحا في جنبات البيت

مثل لي ذلك كآبة السجون .


* مع تخويف و ترهيب يومي لأي غلطة بسيطة من العقاب الذى سألقاه في المدرسة عندما أذهب إليها نتيجة هذه الغلطة البسيطة 

( ولا أعلم إلى الآن ما دخل المدرسة في هذا الأمر ...!!)

 لكن الواقع أن أول يوم لذهابى المدرسة لم أنم ليلتها حتى الصباح، وجررت كسجين 

يساق إلى غرفة الإعدام ، 


* اضطرت والدتي و أختي الكبرى رحمهما الله

أن يجراني حتى المدرسة التي تبعد كثيرا جدا عن المنزل و أنا في حال من اليأس الكامل و الإحباط النفسى القاتم .

 

* هذا الجانب الانحصارى الضيق التعس قابله على الوجهة الأخرى

 - اضطرارا وبحكم ظروف العزلة -،

 انفتاحا هائلا على حب الاستماع للموسيقى و الغناء من بداية سني الطفولة المبكرة,

فالراديو كان يظل ينثر أزهاره في بيتنا منذ الصباح الباكر و بشكل متواصل حتى ميعاد النوم ليلا

ما شكل بدايات التوق الرومنسي , مع قصص الحب التي ترسمها هذه الأغانى لأم كلثوم 

و سعاد محمد و نجاح سلام و نور الهدى 

و حورية حسن و عبد الوهاب و غيرهم


* بطبيعة الحال ، و في سن العاشرة تقريبًا صادفت في مكتبة أخى الأكبر كتابين في الفلسفة و علم النفس

- و هما حتى الآن من المراجع القيمة -

 فانهلت عليهما شغفًا بكل عذابات وحدتي , 

و من يومها قررت أن تكون هذه هي دراستي الجامعية ، 


* و هو ما تحقق بالفعل ، لكن حيرتي كانت بين التخصصين ، و كم كانت فرحتى أن القسم المختص بكلية الآداب جامعة القاهرة وقت التحاقي بها كان هو 

( قسم الدراسات الفلسفية و النفسية )

أي يضم الجناحين معًا و بعد التخرج يمكنك اختيار أحدهما للإكمال حتى الدكتوراة . 


* حب القراءة بدأ معي من سن مبكرة جدا و مع الأعمال الكبرى حتى أن أول عمل أدبي قرأته و باهتمام عاطفي كامل لدرجة استثارة الدموع كان مسرحية أهل الكهف لتوفيق الحكيم 

و بعدها بسنة قرأت خان الخليلى لنجيب محفوظ ثم اشتريت الثلاثية له و قرأتها و أنا في أولى إعدادي و دلفت بقوة إلى باقي أعماله

و مجموعات قصص أمين يوسف غراب و جودة السحار و جاذبية صدقى و غيرهم ،مع كتب علم النفس و الفلسفة التي رافقتني طبعًا طيلة عمري . 


النقطة الحاسمة و الخطيرة في حياتي و التي سببت تغييرالمسارات 


_ أو توقفها بالأحرى _


* كانت تلك الكراهية المقيتة التي ذكرتها للمدرسة ، و التي لا يمكن التعبير عنها و التي أخشى أن أصفها فلا يصدقنى أحد ،منها مثلا 

_ و بعقلية طفل _


 حسد عمال كنس الشوارع الذين أراهم و أنا في الطريق إلى المدرسة ،هذه القلعة المخيفة، كونهم ليسوا تلاميذا يعيشون هاجس الخوف من عقاب أو رعب الواجبات المدرسية و ما يترتب عليها بالنسبة لطفل علمته الوحدة أن يتمركز حول ذاته و يمتلك حساسية الكبار المفرطة.. 


* لذا كنت أحرص_ بجنون _ ألا أخطىء أي خطأ مهما كان تافها ، و كنت أستذكر الدروس بشكل عصبي جعلني الأول في هذه السنين الأولى حتى السنة الأولى من المرحلة الإعدادية , 

حيث ذهب سبب التفوق هذا و هو الخوف مع كبر سني النسبي ، فتراجع ترتيبي الدراسى فلا خوف الآن يدعونى لجحيم الاستذكار الشاق ، و لم اكن أحس أي فرحة بالتفوق ، فليس غايتى التميز بل الإفلات من احتمال أي إهانة أو عقاب. 


* أنا حاليًا لا أصدق أني أكملت هذه الحياة المدرسية التي لا يمكن مهما أوتيت من قوة التعبير أن أرسم كآبتها ، و ستر الله فقط هو الذى أبعد أي زميل منحرف كان يمكن أن يشجعنى على الهرب منها ، لكن لم أكن لأفعل لو حاولت هذا , ﻷن شخصيتى (الوحيدة)

حينها كانت تجعل الحياة غامضة جدا بالنسبة لي ،

 و بالتالى يستحيل معها المغامرات لمن لا يملك الحيلة .


* حين كبرت و أصبحت في مرحلة التعليم الإعدادى زال الخوف الطفولى كما قلت ليحل محله الكره النفسي الشديد لما يتصل بالتعليم بشكله النظامي المنهجى المرتب،

حتى أن عشقى الأكبر


_ الفلسفة و علم النفس _


طالهما هذا الأمر ، لكن في الشكل النظامى بمعنى أننى لم أكن أطيق الاستذكار في الكتب (المقررة هذا العام )

 استدعاء لكره الواجبات المدرسية القديم ، فكنت آخذ منها سريعًا ما يقيني شر الرسوب ، ثم أهرب للكتب الأخرى للسنوات القادمة أقرأ فيها ،و في السنة الثانية و الثالثة أقرأ الكتب التي كانت مقررة في السنوات السابقة و غيرها..و هكذا ،

أي أقرأ الكتب كلها لكن بغير نظامها المقرر جامعيًا كل عام .. 


حتى أنه في السنة الأخيرة_ الليسانس _

لم أذهب إلى الكلية إطلاقا و لم أر الكتب المقررة و لا الدكاترة و دخلت الامتحان و كأني إنسان أحضروه من الشارع ،

 و نجحت بفضل قراءاتي المتوسعة هذه , وهو ما جعل صديقي الذى يعرفني تماما يقسم للجميع أني الأول على الدفعة كوني نجحت بطريقة مغايرة . 


* لم أر من يماثلني في كره المدرسة و الدراسة  َّ مثل هذا الكره و أثر عليه هذا بالغ التأثير في حياته كلها إلا الفيلسوف الوجودى الفرنسي 

" جابرييل مارسيل " .. 


* مكتبتي كانت كبيرة بشكل كبير جدا لأنه من السنة الأولى الإعدادية و طوال العمر كنت أشتري الكتب بشكل شره لتكوين مكتبة ضخمة و هو ما تحقق بالفعل


* كانت مدينتي حلوان و أنا صغير هادئة لدرجة لا تصدق ، و قد لا يتواجد أحد في الشوارع بعد السابعة مساء و قد ضايقنى هذا حينها ،

 لكني الآن أتوق لما كرهته قديما ، و قد أصبح الإزعاج من الزحام و السيارات ما لا يمكن تصوره و لاتحمله و لأن النهار هو وقت الدراسة التي تمثل لي الضيق و الكآبة


* فطبيعي أن يكون السهر هو الملاذ للروح التي يعذبها التلهف و الشوق لنسمة من سعادة ، فلهذا كان عشقي الخيالي للسهر , و اعتبرته شيئًا مقدسا ،


و في تطرف باسم رأيت أن من ينام الليل هو خائن ﻷعماق روحه ،ضيع  على نفسه جانبًا هاما من حيث  فرص اكتشاف الروح و المعانى الكبرى (هكذا رأيت حينها )


* الكاتبين اللذين لهما أكبر الأثر _ بل كل الأثر فى عالمي القرائي _ هما : 

- لورانس داريل 

- إدجار آلان بو

 و أعتبرهما رمزا للعقلية الأدبية الفائقة في تاريخ الأدب ، و فوران التجلي البالغ الذى تضىء شظاياه كل الجوانب المظلمة 


* في علم النفس تأثرت جدا بفرويد , رغم الاعتراضات الحالية على مدرسته من عدة جوانب منها أنها تأملية بشكل كبير ،

لكن مرضاه الذين استقى منهم نظريته كانوا كثيرين جدا بما يستوجب التدقيق في مسألة التأملية هذه .


* كنت أؤمن جدا بالتجربة الحياتية و بأن الإنسان _ كما رأى الكاتب أنيس منصور _

كالبناء يختلف ارتفاعه و اتساعه من إنسان لآخر حسب التجارب التي تعلو به ،

و على هذا فهناك إنسان يماثل الطابق الأول و آخر الخمسة أدوار و آخر ناطحة سحاب طبقًا لكمية التجارب التي مر بها ، 

و هذا أيضا يتفق مع نظرة الفلسفة الوجودية التي ترى أن ماهيتك تتحدد بعد وجودك و طبقًا لمواقفك و تصرفاتك الحرة المسؤولة في الحياة ، و التي ستقررها بناء على مخزونك الحياتى الذى يحركك بطبيعة الحال


* حبي للمطر و السحب هو عشق و ليس حبًا ، لكن للأسف التغيرات المناخية الحالية منعت هذا و أصبح وجودهما من الظواهر النادرة ... 


الغمام و المطر هما وحدهما قصيدة كبرى لا عنوان يمكن أن يحيطهما


* تروقنى جدا فلسفة الزن البوذية) Zen) فهى طريق و معبر للاكتشاف و تنمية مهارة الحدس و التبصر ، و جسر للتوازن و الاتزان


* كانت هناك ارتباكات للوجدان في مرحلة الصبا و الشباب رغم كل الخيال و الرومانسية التي تسببهما حتما الوحدة و القراءة ؛

فبينما كان كنت من يماثلني عمرا يصادق الفتيات , 

أنا كنت وحيدا كنمر _ بالنسبة للفتيات فقط

لكني كنت دائم التواجد مع صحبة الأصدقاء نقضي النهارات و الليالي في المناقشات الأدبية و الفكرية الجادة و تداول قصائد الشعر..


* كنت أعادي شعر التفعيلة إلى أن حببني فيه صديقى الأثير رحمه الله فتركت تماما الشعر العمودى التقليدي ما عدا شعراء مدرسة أبولو


* عقليًا أؤمن لآخر مدى بالنسبية ، و بأن الحقيقة ليست مطلقة ، بل يحددها موقع الراصد لها .. ليلنا الآن مثلا هو نهار في مكان آخر،

و ما يسعدك أنت قد يكون هو قمة التعاسة بالنسبة لي أنا .


* عقيدتي الدينية و الحمد لله الذي أنعم علي بها راسخة تماما , 

و كانت هناك فترة في المرحلة الجامعية _خامرها و بنزق بعض من يلامسون الفلسفة و الآراء الإلحادية

شابها نوع من التخبط العقائدي لكنها كانت لفترة وجيزة جدا كسحابة تمر ، 

ثم انقلبت تماما بفضل الله.. و مناقشاتي مع الملحدين كانت كثيرة جدا و أنا أعجب من قدر الغباء الذي يشملهم و أعتبرهم مرضى من الناحية النفسية و الكيانية ، 


* و ربما كانت العلاقة مع الأب هي السبب ، حيث تسودها سحب رمادية مكفهرة كثيفة انسحبت تعميما _ بحكم الآلية النفسية _ لتشمل كل السلطات العليا حتى آخر مظاهرها العليا ، فالإلحاد يمكن تفسيره من أحد جوانبه أنه رفض نفسي لأي سلطة قاهرة


* عشقت القصة القصيرة جدا و أرى أنها نوع من نفثات توهج روحي و تجل فائق .

و أنها تعبير عن المستويات الراقية من الوعي الإنسانى و تدفقات الروح ،

 لكن هذا ينطبق عليها في أشكال كتابتها المثلى ، و للأسف هذا قليل التحقق جدا ، 

و لا تمثله ُ إلا قلة عدت على أصابع اليدين فقط

المشكلة في القصة القصيرة جدا هي عوائق: الخبرية

و التقريرية

و المباشرة

و عدم القدرة على اقتناص المعنى الخفي المستتر الذى يجوب أرواحنا جميعًا و يتطلب هذا القناص الماهر فقط ،


و أيضا عدم استطاعة الأغلبية التخلص من

 ( الشكل العام ) للخاطرة

( أعتقد أنه مع الزمن ستتحقق كل شروط الققج لمعظم الكتاب بإذن الله)

ليرسموا لنا عالما شعريًا من ألق التأمل .


* الحياة كما أراها الآن ، و بعمر تعدى الثالثة وسبعون عاما هي محض لحظة مضت و إلى أين المآل ؟؟!

 (لا قيمة أو معنى لها كما يؤكد النص الإلهي) لهو و لعب و متاع الغرور

 ( و كما رسمها "مكبث " في مونولوجه الشهير الجميل )..


و أن ما أراده الله مكتوبًا في اللوح المحفوظ لابد واقع ... فلنهدأ بالا و لنتذكر الخيام في رباعياته في ترجمة رائعة لمحمد السباعي ، مع التحفظ على حل اللجوء للخمر للخالص من عبثيتها :


 "إنما الآمال في الدنيا خيال  

  فإذا أفضت إلى حسن مآل 

  لم تكن إلا كما يلــــــمع آل

  أو كثلج فـــــــي فلاة نزلا ........... 

  ساعة يبهي سناه ثم ضاع ........

  هاتِّها ِّصرفا سلافا قبلما 

  نحتسى صاب الردى و العلقما 

  كل حي سوف يثوى مرغما

  حيث لا كاس و لا طاس و لا 

  عازف للشرِّب مثقوب اليراع


   ( كل ما نرجوه أخيرا هو رحمة الله تعالى و فضل عفوه و كرمه . )



•••••••••••


أحمد طنطاوى /  2021























عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية