« باكراً »
...
باكراً ...
يفركُ الزهرُ أجفانهُ،
يغسلُ وجههُ بالنّدى،
يرتدي معطفَهُ النرجسيِ،
يلطّخُ وجههُ بالحمرةِ الفاقعةِ،
يقفُ على ناصيةِ الفتنةِ،
بانتظارِ قطيعِ الفراشاتِ.
***
باكراً ...
يشربُ الصباحُ جرعةَ ضوءٍ،
يتقيؤها بعدَ أولِ نشرةِ أخبارٍ.
حينَ يعودُ إلى رشدهِ،
يُمسيَ سيدَ العتمة،
يخلعُ الحلمَ عنْ ثديِ أمّهِ،
ويأخذُهُ إلى مربعٍ ليلي.
***
باكراً ...
كمتسولٍ على رصيفِ الاشتياقِ،
أهزّ شجرَ اللقاءِ،
تسقطُ كلُّ المواعيدِ حوليَ.
انتقي الناضجَ مِنها،
أخمّرهُ في الجرارِ اليائسةِ،
أشربهُ في وضحِ الحسرةِ.
***
باكراً ...
يذهبُ المغنونَ إلى الغابةِ،
فأسهمْ ريشةٌ، وزوادتُهم وترٌ.
يحتطبونَ الأملَ للأغنياتِ.
في الليالي الطوالِ،
يوقدُونهُ في تنّور الانتظارِ،
ويشرعونَ بالبكاءِ.
***
باكراً ...
ينهضُ الطيبونَ منْ موتهمْ،
يتوهونَ في زحامِ الشوارعِ،
يبيعونَ حزنهمُ الوطنِي الصنعِ،
يشترونَ به فرحاً مجففاً.
فرحٌ يكفي ليومٍ واحدٍ فقطْ.
يرجعونَ بلا كفنٍ.
***
باكراً ...
حينَ يكرجُ نهرُ الوقتِ.
قبلَ يقظةِ المساءِ،
وبعدَ زوالِ الظّلِ،
يخلعُ النهارُ حذائهُ،
منهكاً كعابرِ سبيلٍ،
أصفراً كسحنةِ الرعاةِ،
مصاباً بضربةِ شمسٍ.
يميطُ الظلامُ لثامهُ،
ويهجّئُ الدرسَ لبائعاتِ الهوى.
...
باكراً
كلّما ارتوى الطيبونَ منْ قراحِ العذابِ،
يشتاقونَ إلى موتهم
تاركينَ عسيسَ الحزنِ في مواقدهمْ،
يجترحونَ سفراً إلى المستحيلِ،
ثم يطفؤونَ المدى.
***
باكراً ...
بعدَ المنامِ قُبيلَ البصيصِ،
يأتي باكرٌ آخرٌ،
يقرعُ الأجراسَ لقداسِ الجنازةِ،
يستيقظُ طيبونَ آخرونَ،
ويسعونَ في مناكِبها.
*****
ذاتَ يومٍ، ... باكرا
.....
من مجموعة قيد النشر بعنوان (قمرٌ لخريفٍ سيأتي)
اللوحة للفنان السوري الراحل لؤي كيالي بعنوان (على مقعد الانتظار)