ا4" من أرشيف الناقد: مصطفي بلعوام"
أحبتي: تواعدنا على فتح جسر للتواصل مع الكبار، لتبادل الخبرات، وكذلك للتعلم لمن يرغب في زيادة معرفته، ولأننا عهدناه جنديا متمرسا لا يعرف لغة الألقاب، وإنما لغة التشريح النقدي، وباقتدار، كان لابد أن نستعيد دراساته الإبداعية التي اختص بها الواحة على مدار ثلاثة أعوام، وسننشر ذلك في باب مستقل على مدى أسابيع متتالية. مع أطيب المنى ، وخالص الدعوات بالصحة والعافية
لأستاذنا: El Mostafa Belaaouam ليعود لنا سالما غانما..
-----------
الدراسة…
مفعول اللغة ولغة القص في قصة
" ثياب العيد"
للقاص: عبد علي الزوبعي
بقلم/ مصطفى بلعوام
••••••
..... لغة القص تتميز بما تتركه من مفعول من خارج القصة التي تحملها. ليس القص هو القصة، ولا لغة القص هي مجموع الجمل أو الفقرات التي تكونها، والقابلة للتقسيم والتصنيف إلى وحدات لغوية ولسنية. لغة القص هي مفعولها، ذلك الذي يسمى ب "effet de langage -مفعول لغة"؛ هو مفعول لغة يستعصي على اللغة ذاتها التي تعجز عن القبض عليه أو على الأقل عن لملمة أطرافه في مقولات .لا نلامسه إلا بعد تحققه لأننا نجهل كيف يخرج من اللغة ويقفز بنا خارجها. وحتى إذا كانت لغة القصة متعددة فإن مفعول لغة القص فيها واحد عندما يتحقق. إذ لا وجود لعلاقة سببية بين مفعول لغة القص وأفعال لغة القصة. كما أن لا شيء يضمن ذلك غير ما نراه بعد ذلك في تمظهرات القصة. وكتابة قصة في أدق فصاحة وأبهى بلاغة ليس شرطا من شروط تحقيق مفعول لغة القص، لأن طبيعة هذا الأخير تكمن في تحرره من أية شروط ما عدا شرط تركه لأثره بعد تحققه . إنه تلك القيمة المُضافة التي تستسعر على قياسات الفكر وعقاله العقلية. أين تتجلى هذه القيمة المُضافة في قصة تبدو عادية جدا وبسيطة منذ عنوانها : " ثياب العيد "؟ إنها تتجلى في اعتمادها على ذاكرة سيميائية ترتاد كلمات لها ذاكرة دلالاتها في مخيلة يتقاطع فيها الذاتي بالاجتماعي . العيد وطقوس الفرحة من خلال ثياب جديدة تحتفي به وتبرشم دلالته على صيغة الجمع . مجموع ثياب جديدة ليوم واحد يختلف عن باقي الأيام في ذاكرة مزدوجة: ذاكرة طفل في ذاكرة حياة احتماعية تعج بنوستالجيا الزمن الجميل . نوستالجيا تمتح لغة القص منها ،لا على أنها واقع يمكن تحقيب زمنيته بل على أنها واقع ذي زمنية نفسية مؤسطرة في وجودها(mythifié). فكل ذات في علاقتها مع ذاتها ومواضيع وجودها تَخلق لضرورات نفسية ( psyché ) نوستالجيا زمنها الجميل الذي كلما خالجها حملت معها شحناتها العاطفية
ومفعولاتها ( les effets d'affect - بول لورن أسون ) ، لأننا قد نقبض على مايسمى بالفكرة عندما نحولها إلى موضوع معرفة ولكن مفعولاتها تتداعى من حيث هي فكرة لا تستقر على حقيقة: " نخضع مواضيع المعرفة والإنشائية - كما في كل فن - ليس إلى سلطة الحقيقة ولكن إلى فكر المفعولات " ( رولان بارث ) .
تدور القصة حول سؤال يجد جوابه على زمنين:
- سؤال الطفل : يمه منو يجيب لليتيم هدوم العيد ؟
- جواب الأم : يمه اللي ما عنده أب عنده رب.
- جواب الحل : حين كبرت أدركت معنى قول أمي.
جواب الأم كان " جوابا بلا جواب" ( م. بورش-جاكسون )، يحمل لغزا في جواب لا يجيب عنه : " كيف يحل الرب محل الأب لليتيم". بينما جواب الحل يكشف عن مفعول السؤال وطبيعة فاعليته في تكوين ذهنية الطفل . الجواب الأول انفتاح على صيرورة سؤال لا يبحث له عن جواب مغلق آني يوصد فاعليته. تأتي مشهديته في كلمات مقتضبة توطد معمارية قصه : " ذات يوم عيد وأنا صغير سألت أمي ". يوم عيد ينفتح على سؤال كبير يجترح معطى ثقافيا في عقل طفل صغير . المعطى الثفافي يربط : الطفل / العيد /ثوب العيد / الأب . هنا وجود العيد من واجب وجود ثوب العيد ولزوم وجود الأب . وهي معادلة رمزية تكشف عن وجه من أوجه العلاقات المبنينة حولها وتمتص كل خلل يطرأ عليها بإنتاج وجه اخر يحافظ على تماسكها .كما هو الحال في جواب الأم ؛ اليتيم / العيد / ثوب العيد / الرب .
لليتيم وجه سالب في غياب الأب، يخرجه مؤقتا من المعادلة الرمزية الأساس: الطفل / الأب./ من لا أب له لا ثوب عيد له. وجه سالب في سلبية من هو قمين بحمايته سيتحول بمنطق رمزية المعادلة إلى وجه إيجابي له من يحميه : الرب .
وهنا سنرى الحنكة الإبداعية للقاص عبد علي الزوبعي في تحويل معادلة رمزية بسيطة في ظاهرها إلى معادلة معقدة تبنين النص كله. قد نسمي ما قام به تناصا اعتمادا على ربما مقولة شعبية "اللي ما عنده أب عنده رب"، وننظر إليها في حرفية ما تعنيه كرمزية كافية بذاتها، إلا أن هذا لن يساعدنا على تلمس إبداعية نص القاص وذلك لسبب بسيط راجع إلى الخلط بين الرمزية والتناص الذي يجعل من كل إحالة على رمز من الرموز ضريبة لاعتبار النص الذي يلجأ إليه تناصا. لا نأخذ منه سوى تعريفه السطحي :" عملية امتصاص لنصوص أخرى ". التناص في اصطلاحه ( inter-textualité )عملية تحويلية
"داخل تداخل جدلي بين نص أو عدة نصوص ". لا يشير ، ولا يحيل ، ولا يرمز، ولا يستشهد؛ إنه يخلق نصا يغيب في تحويله لها كما تغيب في تحويلها له ؛ تلاقح من غير نتيجة معلومة مسبقا.
ينبني النص على مجهول متغير في مقولة اللي ما عنده أب عنده رب وعلى لغز محير في الثوب الجديد الرابع :( [ إجابة غامضة جعلتني أتخيل مبهورا ذلك المجهول الذي يتسلل سرا كل عيد ليضع إلى جانب اليتيم ملابس العيد ] -[ حين كبرت عرفت سر الثوب الرابع وأدركت يومها بوضوح معنى قول أمي ]. نلاحظ أن هناك جدل بينصي ممحور حول:
- {الرب - المجهول}
- {الأب -المعلوم }
- {الثوب الرابع -اللغز }
- {الأم - الرابط الخفي } .
اللغز له قفل مفتاحه، المعلوم له بيناته، المجهول له إدراكاته .اللغز سر يحمل معرفة شرطية ، المعلوم معطى من إشاراته الظاهراتية ، المجهول معطى يحمل معرفة غير شرطية . هكذا نرى أن سؤال الطفل يتضمن معرفة حدسية لا يملك خيوطها : "منو يجيبو لليتيم هدوم العيد ؟ ". معرفة حدسية بأن اليتيم له كما باقي الأطفال ثوب العيد ، لكنه لا يعرف من سيشتريه له؟ في حين أن جواب الأم يتضمن إحالة على معلوم ومجهول وفق علاقة تبادلية تجعل من المعلوم في النص خاضع لمنطق المجهول المتغير في وجوده . كيف تتم العلمية ؟
المعلوم ( الأب ) في وجوده ناقص بالمقارنة مع وجود المجهول الكامل ( الرب ) : { أهلنا بالجملة فقراء - يشترون بالحساب - عالزرة ! فأعرف أنه لا يملك مالا وعلي أن أنسى الأمر } . فكما أن لليتيم رب ، فللفقراء رب وإن كانوا آباء، تجمعهم قيم إنسانية مبنية على التكافل والتضامن حسب نوستالجيا زمن جميل حوله إلى عالم فردوسي : { الجميع هنا يشترون ( على الحساب )لا هم يسألون عن السعر ولا هو يطالب بالمال (...) سيسددون له بعد الزرة ". تلتقط عينه ما ترى ويجهل عقله ما خلف ما ترى عينه ، إنه زمن محكوم عليه أن يكون جميلا يعضد جماله لغز الثوب الرابع والرابط الخفي الذي يربط بين المعلوم والمجهول في مخيلة الطفل : الأم. من فكر في اليتيم ؟ وتلك قصة مفعول لغة قص لا يقرأ إلا من خلال ذاكرة اللغة التي لا تحملها لغة القص إلا في مفعولها.
لن اطيل أكثر.من اللازم حتى تعانق " قصيرة جدا " خربشات عاشق. ولن أتحدث عن القطة الجميلة ..يظل فقط سؤال عالق : هل هي حكاية أم قصة ؟ وتلك قصة أخرى تلزمنا العودة إلى تاريخ ظهورهما اصطلاحيا ودلاليا والمغالطات المفهومية التي تكونت حولهما لاعتبارات شتى وخصوصا في ثقافتنا العربية ..
-------
انتهى
__________
عنوان القصة : ثياب العيد
القاص : عبد علي الزوبعي
______________
ذات عيد وأنا صغير سألت أمي ( وقد رأيت الأطفال اليتامى يلبسون مثلنا ثيابا زاهية جديدة ) : يمه . منو يجيب لليتيم هدوم العيد ؟ حدقت أمي في وجهي قليلا وقالت : يمه اللي ما عنده أب عنده رب . إجابة غامضة جعلتني أتخيل مبهورا ذلك المجهول الذي يتسلل سرا كل عيد ليضع إلى جانب اليتيم ملابس العيد وحاجياته ولعبه . كنت أندهش كثيرا حين أرى أحيانا بعضهم أيام العيد بأكثر من ثوب عيد جديد وجيبه ينتفخ بالعيديات !
حين يقترب العيد نذهب برفقة الآباء إلى (التاجر) المرحوم ( حسين عليوي الجنابي ) طيب الذكر والأثر لشراء القماش الذي تصنع لنا الخياطة منه ملابس العيد. الجميع هنا تقريبا يشترون ( على الحساب ) . لا هُم يسألون عن السعر ولا هو يطالب بالمال ، فأهلنا بالجملة فقراء يعتاشون على صيد السمك وهو عمل موسمي. لا أرخص أيامها من السمك ! سيسددون له بعد ( الزره !). و(الزرة) هي موسم صيد السمك ، إذ تندفع أسراب الأسماك من جنوب العراق حيث الأهوار وتتجه شمالا في رحلة طويلة إلى بحيرة الحبانية في الرمادي حيث التكاثر . حين تصل الأسماك إلى مدينة السدة تواجه عائقا كبيرا هو السد فيقفز الأقوياء من الأسماك عبر البوابات ليواصلوا رحلة الحياة بينما الآخرون يصطدمون وهم يتقافزون ببوابات السد الفولاذية وبالنتيجة يكون للصيادين رزق وفير يسددون به ديونهم .. تلك هي الزرة . هههه، أتذكر أنا حين كنت اطلب من والدي أن يشتري لي شيئا قوله لي ( وهو يضحك ) : عالزره ! فأعرف أنه لا يملك مالا وعلي أن أنسى الأمر.
نعود أنا وأبي إلى البيت وقطع القماش التي ستصبح ثياب عيدنا .الله ما أجمل القماش الجديد وما أذكى رائحته ! عصرا أرافق أمي إلى الخياطة . هناك كنت أتسمر مبهورا أمام قطة كبيرة، ،شديدة البياض تجلس في سكون على الراديو الكبير وكأنها دمية . كم حلمت بقطة مثلها ! ...تسحبني أمي إلى يد الخياطة فأنا حاضر معها ( كوحدة قياس ) لمبلابس العيد لأخوة ثلاتة وأنا أوسطهم . بعد أن تنتهي الخياطة من تفصيل ملابسنا تهمس أمي في أذن الخياطة شيئا فتوميء لها الخياطة بالإيجاب دون أن أفهم شيئا.. بعد يوم أو اثنين يكون العيد قد اقترب كثيرا ، فارافقها ثانية لجلب ملابس العيد وأحظى برؤية القطة الجميلة بينما تتسلم امي الثياب..،ثلاتة قطع ، بل اربعة .نعم أربعة . تسلمت أمي من الخياطة أربعة ثياب وليس ثلاتة . لعل الرابع لأخي الأكبر ( اموري) فلطالما كان المفضل فينا . اغتظت لكني كتمت غيظي وفكرت أني لابد سأكبر يوما مثله ويكون لي ثوبان ! لكني بقيت ذلك اليوم أتحين الفرصة لأرى الثوب الرابع .. أفتح ( الكنتور ) وافتح الصرة فأجد اثوابا ثلاتة فقط ! ... حين كبرت عرفت سر الثوب الرابع وأدركت يومها بوضوح معنى قول أمي : ( اللي ما عنده أب عنده رب).