« ما بقي منك »
---------
عند مرفإ الانتظار قيّدت العهد بمنديل الوفاء..زرعت شتائل الحلم بين أثلام وعدك فأثمرت يقينا أذاب شموع الصّبر الموقدة في زوايا الرّوح.. هناك عند سفح الوجع كان طيفك يفتٌق أثواب اليأس التّي تلبّستني..يداعب أوتار الوجد، يقلٌب طبقات الماضي ويلتقط من أكوام الحنين المتراصّة بينها.. ينفخ في رماد الشّوق المدفون تحت ركام العمر فبنبعث النّبض من فوهة الألم..
غفوت لحظة في براري الحلم ورحت أحصد من سنابله، أزفّ إلى قلبي أكاليل الفرح..أقطع برازخ البعد بيننا ،ألتقيك وأنسى بأنك ظالمي وجلادي !
حين استفقت من غفلتي أدركت أنّك مازلت بعيدا وأنّي مازلت أنتظر؛ أحمل في بميني شمعة أمل وفي يساري باقة أمنيّات.
وجاء العيد..
عشرون عاما وهو يزورني خاليّ الكفّين من ورد أحمر..ومع كل عودة أنجرف معه، أرحل صوبك رغم تلاشيك بين صفحات الغيّاب وتلاشيّ انا بين مساءات الانتظار..
لم يبق منك بعد رحيل العمر؛ هرمه وانحنائه شيء في صدري،
سوى حطام ذكريات أيقظها بركان شوق خامد استفاق على رنين اسمك فأيقظ بداخلي نبضا جريحا وقلبا مازال ينبض حبّا يتيما.. يتمرّغ في لجج من جرح قديم لم يندمل بعد!
أيّها الملاك الغادر ! الخائن، كيف استطعت ان تفقأ عين الحبّ وتمضي ؟!
لم يبق منك إلّا طيفك الأخرس يتبعني. يمتدّ خلفي عبر حقبات حنيني المتبّل بعلقم جفائك..وانا هاهنا مازلت اتوسّد أحلام مراهقة ساذجة في أن تعود يوما مع خيوط فجر جديد تحمل إليّ بين أظلاعك حبّنا الضّائع؛ المفقود بين مدن رحيلك، غرورك وتهوّرك..
كلّ الأماكن التّي انتظرتك عندها، مررنا بها سويّا أو احتضنت لقاءاتنا تذكّرني بك.. محطاّت القطارات وموانئ الطّائرات..رائحة التّراب المعطّر بزخّات مطر خريفيّ..ألوان الورود والحدائق العامّة، كلّ هذه الأماكن التّي تزدحم أرضها ببصمات العشّاق تذكّرني بك، بعبقرية التهامك لقلبي وغرقه في ميّاه صدقك.. غيرتك وسؤالك الدّائم عنّي وغوصك في دمي والبحث عنّي..
أمشي خلفك بحواسّي ، في شعوري وفي لا شعوري.. وفق بوصلة حبّي لك أسير وأعبر قارّاتك الخضراء والعذراء إلاّ من حبّي ..وحدي أنا استطعت اكتشافها، ووحدي ظللت أصول وأجول بين قصورك، أروّض كفارسة مخضرمة جميع أحصنة نبضك!
جشع حبّي لك وهوسي برقّتك وحنانك مع جبروتك جعل منك بلا منازع سحري وساحري!
كزهرة عبّاد الشّمس أتفتّح بنور طلّتك، حضورك وقربك منّي،
وأنحني، أذبل وأموت مع أفولك، غروبك وبعدك عني..
صبرك الطّويل عليّ، على هواياتي في تعذيبك.. جعلك تدور في فلكي كفراشة ليليّة حول ضوء خافت لشمعة تذوب شوقا فتعيد السّقوط آلاف المرات في شراك حبّك لي..
ظللتَ عمراَ تنتصب عاليّا فوق روابي القلب المخضرّة بذكراك..تدور وفق اهوائي - بلا توقّف - كطاحونة هواء تحرّكها أخفّ النسمات..
أمازلت تذكرني؟
تنعشني رائحة ذكراك.. تنساب إليّ في هدوء من عمق الماضي في باقة حبّ ازليّة..
رحيلك أغرق سفن الحياة بداخلي فتاهت مراكبي بين مدارات رحيلك وانتظاري.. بُعدك وانكساري، احتضاري.
لم أعثر على أرض أحيا فيها بلا ألم، بلا ندم يلذغني كلّ حين! بلا غربة تنهشني ،تمزق فرحي ترعب أحلامي..
رحيلك آلمني.. أتعبني، قهر صبري وصفّد عمري بأغلال الحزن..
أسكنني كهوف الوحشة وألزمني ان اتعاهد مع الوحدة دهرا..
أجبرني على الإقامة بين عتبات الذكرى وجدران النسيان..
أرغمني ان أنصرف عن الناس أرغب عنهم، أن اتقمص الزّهد لباسا لأيّامي.
كلّ الألوان بعدك أفِلت ، غارت مثل نجوم الشّتاء.. استحالت لونا ظلاميا باهتا يترصّد الفرحة الزّاحفة اليّ مند قرون..
كلّ عيد تُبعث الذكرى من قبو النّسيان فأستلّ عن وجهها كفن حبنا..
سأظلّ أنتظر وعدك، أسقي امنيتي بماء صدقك وحين تعود سأدوس على كبرياء المدلّة بحبك العائد إليّ على فطرته.
••••••••
سامية طيوان