بقلم الناقد اليمني /#نجيب صالح طه ( أمير البؤساء).
#أولا : #نبذة مختصر عن المقامة الأدبية بصفة عامة :
المقامة فن نثري عربي، يكاد أن يندثر الآن!
ظهرت أوائل القرن الرابع الهجري، متمثلا ببعض بدايات لم تصلنا كتبها ( #أبو بكر بن دريد ت ٣٣١)، ثم مقامات ( #أحمدبن فارس ت ٣٩٥)، وحالة نضجها الفني المكتمل كان في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري على يد الشهير: ( #بديع الزمان الهمذاني)، حتى أن المقامة مقرونة بذكره،....
#تعريف المقامة:
لغة : تطلق على جماعة من الناس، وتطلق على المكان والمجلس وموضع الإقامة، وهي من المقام بضم الميم وفتحها، اسم مكان على وزن( مفعله)، وكانت تعني بالمجلس ثم صارت تعني بمن فيه أكثر...
اصطلاحا: لها أكثر من تعريف ويجمعها:
حكاية أديبة قصيرة، كان أغلبها يدور حول الوعظ والإرشاد، والكدية ( الشحاذة)، والاحتيال لجلب الرزق، والطرافة والتندر، بلغة أدبية ملحوظة تعني بالبلاغة عامة،وبعلم البديع بصفة خاصة،ولا سيما السجع منه، ثم صارت تطرق أبواب المدح والثناء، وكل الظواهر الاجتماعية، ومن النقاد العرب في العصر الحديث من عدها أساسا لقصص " #بوكاشيو" كمال قال بذلك " #الشاروني"
ويعرفها الدكتور الراحل:" #شوقي ضيف "بقوله:( ليست المقامة بقصة إنما حديث أدبي للجميع...).
_ مكونات المقامة:
١- الرواي ٢- شخصية القصة ( البطل). ٣- العقدة.
٤- التحرر من قيود الزمان والمكان٠
٥- الاهتمام الكبير بلغة المقامة والدقة في اختيار الألفاظ، والتركيز على فنون البلاغة وبخاصة السجع في علم البديع، مع تضمين ذلك بعض الأبيات الشعرية، أو الحكم والأمثال، ومن هنا قيل المقامة ليست حكائية بحد ذاتها بقدر ماهي تعليمية لغوية تظهر التبحر في العربية وعلومها وأسرارها..٠
٦-الحوار والوصف.
#ثانيا : الجو العام للمقامة اليمانية والكاتب / #عبدالرحمن بن إلياس.
المقامة بنزعة قومية عروبية محبة لليمن وتاريخها وشعبها، وهو كاتب يحترم لغته العربية، وممن يجيدون الكتابة وفقا للقاعدة، ومعتز بها وبتراثه الثقافي العربي، وطرقه هذا الفن ومحاولة إحيائه له، هو نوع من العتب العام، لهجره وعدم الاهتمام به، ويبدو أنه بذل جهودا كبيرة في التحري والتقصي عن اليمن ومدنها وتاريخها ومشهوراتها، وشخصوصها وأعلامها، فذلك واضح من ذلك الحشد الكبير والحصيف والدقيق لمعظم مآثر اليمن الحضارية والتاريخية قديما وحديثا..
ثالثا :#القراءة
يكاد يكون اهتمام الأدبا منحصرا، على الشعر والقصة بكل أنواعها من جانب نثري، نظما وكتابة ونقدا. حين وقع نص المقامة في يدي، تحينت الفرصة للتغيير ومحاولة قراءتها، في تأييد مني له بالاستمرار وتلويحا للأديب الآخر أيا كان بالاهتمام بهذا الفن ومحاولة إحيائه مجددا، قبل أن يندثر هو وبعض الفنون النثرية كالرسائل والمناظرات الأدبية ....
والتي لا نراها في مواقع التواصل الاجتماعي معنية بالاهتمام بها كالشعر والقصة والخاطرة.
#المقامة كل المقامة تعتمد على خيال الكاتب وقدراته اللغوية في صناعة أحداثها وترتيبها واختلاق كل حوادثها، وشخصياتها ومكانها وزمانها...
وهذا ما فعله الكاتب في مقامته اليمانية تحليلها وفقا لأهم مكوناتها
#_الراوي: "أبو المعارف"
تسمية مستقرة ومنتقاه بدقة على سبيل التكنية وكماتريد المقامة وموضوعها،ذي الكم الكبير والكيف المنتقى بدقة، لتلك المعارف والمآثر والشخوص والأعلام، والمدن،....إلخ
لا يحيط بها إلا أبا المعارف، وليس( أبو المعاطي، أو أبو المكارم،...) وبطريقة الفعل الحكائي :
(حدثنا أبو المعارف قال :)
_بطل الحكاية : أبا قيس، وبحسن استهلال للمقامة، استدرج فيها الجماعة المنصتة والقارئة أيضا،نحو طبيعة المقامة وموضوعها...
(... راحوا يتبادلون أحاديث أدبية وعلمية حول بلداننا العربية....)
علم من مقدمة المقامة أنه سيتحدث عن بلد ما، ومطلع المقامة مهم مناسبته للموضوع وجدا..
وقطع حديثهم، بسجعية جميلة عن اليمن، تشد الانتباه، وتثير الاهتمام والتساؤل...
وهذا ما حدث تاليا ...
( #فانبرى أحد الحضور وقال بصوت جهور: بأي دليل فضلتهم، على سائر العرب وأعليتهم؟).
سؤال من شخصية ثانوية وبسجع جميل غير متكلف ويثير التشويق!
فكانت الإجابة من ( أبو قيس) _ الرفع هنا حكاية _بعد بيان هيئة لا تخلو من طرافة، وبحفاظ على السجع أيضا :( تنحنح ، سبح)، مع الإشارة لطريقة البدء الحميدة المتوارثة حال القص الحكائي.. التحميد والصلاة والسلام على نبي الأمة كما هو حادث في الحكايات...
وتجد كل العبارات المسجوعة قداختيرت بدقة وعناية وليس فقط لمجرد السجع، بل كل مفردة تناسب عبارتها..
( قوم يحار العاقل بأي آلائهم يبدأ، ولهم في كل شيء الفضل والمبدأ،...)
قصر وحصر عجيب التمكن، موسقة بسجع وتجنيس ناقص النوع مكتمل البيان.
في الجلسة الأولى : تحدث عن الأصل، واللغة واللهجة والأدب والشعر والثقافة عامة، عد للبداية تجد أن الرابط الموضوعي قائم( ملكوا زمام ثقافة العرب، بالأصل والفصل والعلم والأدب).
فمن أهم أسس المقامة هو قوة الربط الموضوعي.
وأكد ذلك بذكر أعلام يمنيةأجاد انتقائها على تباعد زمني (الشوكاني العالم الفقيه، والوادعي عالم الحديث المعجز، والبردوني الظاهرة الأدبية اليمنية العربية التي لن تتكرر، والدكتور الأديب الشاعرعبدالعزيز المقالح حفظه الله ..).
(#وما قلته يارجال غيض من فيض.)
براعة في اختيار المثل العربي المناسب للفكرة، ولسردها الحكائي الرائع.
ويستمر
في ذلك حتى النهاية، محكما
_ #عقدتها أعني عقدة المقامة.
وهي هنا الحديث عن اليمن حضارة وتاريخا، وثقافة، ومدنا، وأعلاما.....
وهي أي ( العقدة ) من أهم عناصرها، والتي قد لا تعنى بالدراسة والتحليل، على الرغم من وجودها في كثير من المقامات للحمداني. بينما قد لا نجدها مثلا في مقامة ( الدنياري)، أو المقامات الشعرية.
لكنها من مكوناتها الرئيسة.
( فأعجب الحاضرون، ومدحوا كلامه.... ثم قام آخر وقال : هلا زدتنا عن بلادهم مقال؟
حق لهم أن يعجبوا، فإثارة الإعجاب ولفت الإنظار مما تعني به المقامة أصلا...
فرد عليه ( الموصلي). وهو أبو قيس لكنه هذه المرة بلقبه نسبة لمدينة الموصل، ولن يصعب علينا هنا أن نستنتج أن الكاتب عراقي موصلي أيضا !
حضور الكاتب في أي مقامة ليس بالأمر الضروري ولا شرطا، لكنه حين يحضر بهذه البراعة، يكون كاتبا مجيدا، وفعلا حميدا.!
وقال: (نعم ولكن بعد الغداء...)
يقودنا الكاتب لعنصر آخر من عناصر المقامة.:
_ #التحرر من قيود الزمان والمكان، فتجدونه ينتقل من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان بتنوع، وتعدد، عذب اللغة، سهل التعبير، ماتع التأثير، ولم يترك السجع قط، أو يجعل منه مجرد مطية فيبدو سجعه مجرد، اختيار للحروف الأخيرة في الكلمة بل هو سجع، مستقر لفظا ومعنى..
ولاحظوا أن المكان هنا لا يشد من أزر الحدث كما في القصة، بل هو على حقيقته، ازمنة مختلفة، أمكنة مختلفة، تفصل بينهما مئات السنين.
وهذا هو الزمان والمكان في المقامة.!
ويجب أن يكون كذلك..
- وبالبطع للكاتب حرية تسمية بعض شخصيات الحوار ووصفها، فهو إطار المقامة الخارجي ولا يؤزم الأحداث ويصاعدها بقدر ما يجب أن يكون حوارا جامدا على حقيقته، يثير الإعجاب ويسترعي الانتباه..
ولكم أن تروا الأزمنة والأمكنة كيف وظفها توظيفا رائعا في حبكة مقامته، التي جمع معلومات عن موضوعها مسبقا، لتصبح كالمدونة التاريخية..
تحليل المقامة بشكل مكتمل .
يحتاج لطول وقت، وإن وجدنا الوقت فلن نفيها حقها..
وكم أعجب من الكاتب وهو يتحدث عن (
صنعاء، والحديدة، وتعز، والبيضاء، والمهرة، وزبيد...
وعن كل مدينة يذكرعنها أهم تعريفاتها ومميزاتها التاريخية والحضارية، والحرفية، والطبيعية، والعلمية، والأثرية....
وكأنه من أبناء اليمن، بل من أبنا كل مدينة على حده، وبنفس الأسلوب الادبي البديعي السجعي والوصفي الذي لا يخلو من بيان، مشفعا ذلك بقليل من الحكم والأمثال العربية :
( لابد من صنعا وإن طال السفر )
( فليس راء كمن سمعا).
وملاحظات بسيطة :
_ لعل سهوا، حدث في عبارة (... جذورها في التاريخ عال المقام..)، الصواب : جذورها في التاريخ عالي المقام، فالاسم المنقوص لا تحذف ياؤه عند الإضافة وإن كان نكرة، تحذف حال أن يكون نكرة حال الرفع والجر دون الإضافة..
_ المقامة لابد وأن تحوي، طرفة ما، نكتة ما، بحيث تبعد الملل والسأم وتزيد من التشويق، ويفضل الاستشهاد ببعض الأبيات الشعرية، وبعض الحكم والأمثال...
ولعلي في هذه المحاولة المتواضعة،قد بينت بعضا من خصائصها وأسسها، وعبرت بلسان كل يمني وعربي لهذا الكاتب الرائع عن مدى شكرنا وعظيم امتنانا له بتذكيرنا هذا الفن، وأمنياتنا الصادقة أن يجعل التوفيق والنجاح حليفه أينما كان.
وأشد علي يده، بالاستمرار في كتابة المقامة ومضاعفة الرقم أربعة _للكاتب أربع مقامات حتى الآن_لمؤلف مستقل في المقامة الأدبية، بعد تكثيف قراءة واطلاع حولها وما يخصها، وبعقلية من يطورها، ويبتكر جديدا لها، شكلاومضمونا وبالصورة التي تراعي العصر، ومايحدث فيه من تطورات وتغيرات لم تسلم منه كل الأجناس الأدبية.
وإليك بعض المراجع..
_ المقامات للدكتور شوقي ضيف
_ المقامات بين الشرق والغرب، يوسف النور
-السرد والأنساق الثقافية عبدالفتاح كيلطيو.
مقامات الهمداني، الحريري، اليازجي...
وغيرها كثير.
تحياتي لك عبدالرحمن ولشعب العراق الحبيب.
