" بريد مالطة"
بقلم/ محمد كمال سالم.
لا أجيدُ الحديثَ،لهذا،وكلت قلمي ينوبُ عنّي في الكلام.
وأنا عاشقُ منذُ القِدم،لعينيها للفتاتِها،للحلم الموصول بلقائِها،
كل ما أعرفه عنها عنوانها،لهذا كانت رسائلي إليها،موشومةً بآياتِ الشوق،مرهونةً بخيطٍ واهنٍ من الأمل.
في كل صباحٍ أزرعُ الطريق بهجةً،أحمل خطابي الأبيضَ،إلي صندوقِ البريد الأخضرِ،أضعُ فيه قصةً جديدةً لي معها، أُمَنِّي النفسَ أن كلماتي ستلتقي عينيها بعد بضعةِ أيامٍ،لم أفكرْ أهو بريد طائرٌ،أم بريّ ولم أكترثْ للناس من حولي،إلا تلك العجوز التي تفترش الرصيف،جوار البريد،ترمقني بتشفٍّ،وكأنها تعلمُ سري،وتسخرُ من انتظاري الطويل.
اقتربتُ منها أريدُ أن أواجهَها بحنقي عليها،ولكنها بادرتني قائلة:
اشتري من بضاعتي عنوانًا،عناويني بصكِ الوصول.
قلت لها في تحدٍ: أعرفُ عنوانَ غايتي.
أشاحتْ بوجهها عني.
لم تغادرني ابتسامتُها الساخرة أبدًا،في كل يوم ألقي فيه رسالتي،
أتحداها في عزم،رغم يقين بنفسي،إنها في النهاية ستنتصر.
وفي ليلةٍ،تملَّك اليأسُ منّي،تبدل لون الصندوق الأخضر وبهت،ورسائلي لا تجد ردودا منذُ عقود.
قررتُ تلكَ الليلةَ،أن اكتبَ الرسالةَ الأخيرة:
حبيبتي،،جفَّ قلمي،كما تعثَّر لساني من قبل،نزفتْ روحي، علي أوراقٍ راقت،وأسفتُ لحالي،استرجعُ محيّاكِ َكل ليلةٍ،حتي لا أنسي ملامحَك،التي اتخيلُها تشفق عليّ.
ربما بريدي لا يصل؟! آن الوقتُ لأن أتوقفَ.
ألقيتُها في الصندوق والعجوز ترمقني بابتسامتها الساخرة،قلت لها: ألا ترحلينَ؟
قالت واجمةً: بعدكَم جميعًا!!
وفي يوم من أيامي القاحلة وجدتُ علي بابِ مسكني،ورقةً معلقةً،تناولتُها بشوقٍ حذرٍ،،قرأتُها: المذكور لدية رسالة مسجلة بعلم الوصول من مالطا،بمكتب البريد.
أسلمت ساقي للريح،أخيرًا رقَّت لرسالتي الأخيرة.
استلمتُ الرسالةَ،ظرفٌ ورديٌّ رقيقٌ يفوحُ منه شذى عطرها،فضضتُه بمجرد استلامِه:
حبيبي،طال غيابي عنك رغمًا عني،آتيك الغد في أرض الحكايات،معي وصيفتان،تحملان هديتي ورسائلك الشيقة.
كدتُ أطيرُ للسماءِ فرحًا،أغردُ مع الطيور علي الأشجار.
خرجتُ من مكتبِ البريد سعيدًا،أبحث عن تلك العجوزِ،أنتقمُ منها،وضعتُ رسالتي في حدقتيها صائحًا،بريدي يصل،بريدي يصل.
ضحكت وكأنها شريرةُ الحواديت،حتي بدَت أسنانُها الصدئة ،وقالت:لن تلتقيها.
قلت غاضبًا: كاذبة! فقط تُشرق شمسُ الغد.
لم أستطع النوم ليلتَها،أرقب موضعَ الشروقِ، أنتظر وصولَها،أخذتني غفوةٌ،جاءني فيها من كان يأتيني منذ طفولتي،ولا أتذكره،إلا بعد أن يحدث ماقد أخبرني به ،
قال لي تلك المرة:
سيسرقون شمسَ الغد.
**********
الدراسة:
كلمات تلامس الحقيقة وتغبن الموهوم، تتجرد في خضم صحوة أثقلتها السدم جوهرها زماني رغم تركيب العنوان زمكاني لم أر نصا من قبل قابل اليقين بمثله حقيقة. أقول ذلك إن كان هذا مقصودا من الكاتب، أو لم يع ما ترجمه بنصه، لا أعلم ولكن أقصى ما وصلت إليه الكتابات اليوم للبرز، وتتعثر عند رجوعها، أما هذا الكتاب فهو بطيف زهري طويل المدى ثاقب البصيرة.
باختصار أجمع الفكرة مع الدلالات
أما العجوز فهي الآخرة
الدليل / قالت واجمة بعدكم كلكم
قوله/إنها في النهاية ستنتصر ـ.ـ
أشتري منها بضاعتي.... بصك الوصول
البضاعة محل الزاد والعمل ذخيرة الآخرة
صك الوصول.... كلمة الصك ليس محلها الدنيا إذ الصاد تشير للنهايات وهي آخر السلم الموسيقى والكاف لها مطلق التكوين والكثير من الخواص يعلمون معنى الصك هي مثل الجواز أو الباسوورد الذي نطوف به للوصل لعالم الآخرة.
وقوله بصندوق البريد.... عادة الاتصال بين العوالم يكون بالإلكترونات أي هو المسافة الزمنية التي يقطعها الإنسان من الفراغ الفضائي، أما هنا فهو بريد كلاسيكي كما يشي؛ ورقة يكتبها وصندوق يرسل به.
وأعتقد أنه يخبر أن الرسالة منذ القدم أي مسيرة الإنسان، معروفة في كتاب مبين كما جاءت به الأخبار السماوية، إنما يطوف هذا العالم للاختبار ولعله يغير ما خط به القلم على اللوح فكل له ورقته لذا حين تترجم الرسائل هنا بالبريد بالشكل التقليدي فهو يشير لقدم الزمان.
أما تلك العجوز التي استقبحها فلأنه يراها من حيث عمله؛ تجلس على الرصيف تنتظر، أي كانت تنتظر منه أعمالا لرفع شانها،
ولكنه ما زال يراسل حبيبته، أي هي الدنيا المرأة التي يطلبها ولا ترد جوابا.... فقانون الدنيا كلما ركضت خلفها تهرب منك وإن تركتها تأتيك زحفا على موجب الروايات الدينية، وما أتت به من تعاليم من محمد وآله عليهم السلام..
الصندوق الأبيض كان من عالم الأطياف
الصندوق الأخضر من عالم النبات الذي هو عالم الأرحام
الجواب الوردي رآه ورديا لأنه كما أخبرت بالبداية يرى بأطول الأطياف، أي ثاقب البصيرة، أشبه بالليزر هذه الحدة.
مالطا.... اسم لدولة أوربية اي تلك التي يريدها غريبة عنه وهو يطلبها؛ الدنيا
كما أنها أصغر الدول فهو ينتظرها باحتقار اي تصغير الصورة للدنيا، أي بعدها هنا عنه لأنه يطلبها بشدة فقوله( حبيبته) من الحب الذي هو أصل بناء الجسم المادي، رغم أنه كان يرسمها بين طلبه من الأثير والجسم، ويصف غربته عن هذا الجسم، الذي هو صورة الإنسان وزوجه وأعتقد أن الكاتب يقصد هذه الصورة، ولكن من قصد دونت له معالم الحقيقة منه التي تطلبه وتستدعيه ونص كتابه القديم الذي لم يعلم، ولكل كتاب نبأه.
تقديري للكاتب لقلمه الرشيق ومداده الأنيق.
بقلم: "الشمالي الشمالي"
