قراءة الأديبة السورية المبدعة Mona Ezildeen
لقصة وشاح أحمر للأديب الفلسطيني المبدع/ Jamal Alkhatib
النص: وشاح أحمر
بقلم/ جمال الخطيب
قصة قصيرة
هل تعلمين يا فاطمة؟!
العدو لا يقوى على قتلنا، الذي يقتلنا هو من كان برفقتنا.
كان الثقب مجرد وخزة لاسعة تحسستها تحت عظم القص من الخلف، وعندما وضعت يدي في الأمام اتسعت وأصبحت حفرة، دفعت أصابعي فيها حتى المنتصف، التفتُ إليك ..كانت ملامحك ضبابية، ولم تكن تتحرك، أدهشني ذلك.
علا صوت محرك السيارة وتحركت معه شفتاك، كنتِ بجانبي دوما في مثل هذا الوقت من الصباح، أنصتُ إليك ولم أفهم ما تقولين.
لم آبه للأمر، عدلت المقود وانعطفت إلى اليسار، أنزلتك هناك كالمعتاد .
ركنت السيارة وترجلت منها، كانت الحفرة قد اتسعت، أدخلت أصابعي مرة أخرى وتأكدت من ذلك ثم أخفيتها تحت سترتي.
عدت في المساء، رفعت السماعة واتصلت بكِ، كنتٍ تخفين شيئا، لكني كنت أحس به، بدا هذا في صوتك، فأغلقت الهاتف .
قلبت محطات التلفاز، استوقفني مشهد جندي يطلق أربع رصاصات على شاب تكوم على الرصيف، وكان هناك أغنية ، ومباراة كرة قدم .
أطفأت التلفاز وعدت للاتصال بك، كان خطك مشغولا،
كررت الاتصال أكثر من مرة، اعتقدتُ أن شيئا ما قد حدث .
أخذتني غفوة ظننت أنها قصيرة، مر بي رجل عجوز وامرأة شابة ابتسمت عندما رأتني، كانت تضع وشاحا أحمر، مد يده وأخرج شيئا من جيبه، خيل لي أنها أنت، أضحكني الأمر .
نهضت قبيل الضوء، صليت الفجر، تحسست الحفرة، كانت هناك..
غادرت المنزل على عجل، ثمة شاب قتل عند الفجر شاركت في تشييعه، بدا وسيما، لوحت له، فابتسم، صرخ بشيء ما، حاولت التقاط كلماته، ثم اتسعت ابتسامته وضج بالضحك، كانت الضوضاء تصم الآذان، حاولت الاتصال بك، لكن الخط كان مقطوعا .
كنا نعد لشيء انا وأنت لكنني نسيت ما هو، هطل مطر غزير بلل وجهي، بحثت عن علبة السجائر في جيب سترتي فاصطدمت أصابعي بالحفرة تحت الخاصرة، فعدلتُ عن ذلك .
اختلط الأمر علي حقيقة، تكومتُ على الرصيف، سمعت صوت أربع رصاصات قبيل الضوء بعدما صليت الفجر ، حاولتُ أن أقول شيئا في ذلك التشييع، لكن الضوضاء كانت تصم الآذان .
لا لم يكن كل هذا، ما كان حقيقة هو تلك الوخزة اللاسعة تحت عظم القص من الخلف، هذا ما أحسست به فقط.
ألم أقل لك يا فاطمة أن العدو لا يقوى على قتلنا ؟!.
القراءة النقدية:
أذكر قولا علق في ذاكرتي من مقابلة للأديب الصيني مو يان
(عند الطرق على الحديد أخفض اليد الخلفية بحيث يسقط سطح المطرقة على المعدن بشكل مستو، فلو كانت اليد مرتفعة ستنشأ زاوية حال ملامسة سطح المطرقة للمعدن وبالتالي تتقلص المساحة التي يستهدفها العمل وتنخفض كفاءته)
وهذا ما أراك فعلته هنا
بحنكة ضفرت الهم الوطني مع الهم الاجتماعي
ألسنا أوطانا صغيرة لبعضنا؟!
ألسنا شهداء على الساحتين ؟!
في رواية ساق البامبو قال هوزييه (كان من الصعب علي أن آلف وطنا جديدا، حاولت أن أختزل وطني في أشخاص أحبهم فيه، ولكن الوطن في داخلهم خذلني..خذلني موت أبي ..خذلتني خيانة غسان ..جدتي وحبها القاصر ..صمت عمتي ......)
كل خذلان لسعة في الخاصرة من أي الوطنين أتى
وبعضنا شهداء على الساحتين..
في القصة مشاهد:
الأول/ فيه بداية لسعة ألم جاءت من الخلف وعندما بدأت تتلفت حولك وتحاول معرفة من أمامك أحسست بفجوة تتسع..
في المشهد الثاني/ تداعي للذاكرة لتقارن الضبابية الحاضرة بتصرفات سابقة..
في المشهد الثالث/ بدأ تضفير الوطني بالاجتماعي من خلال الشهيد الذي ركزت فيه وحدك وسط ضوضاء وانشغال العالم بأشياء أخرى..
وهذا طبيعي فعندما نتألم نغوص وحدنا ونبتعد ويبتعد عنا العالم..
في نفس المشهد رجل عجوز يخرجها من جيبه تلك التي تحاول فك غبش ضبابيتها..
وهنا رمزية على أن الفجوة من مقرب تكون بتوظيف من آخر
في المشهد الرابع/ تحقق الشهادة التي كانت في خيالك أو على التلفاز على الأرض..
وأيضا اهتمام متبادل بينك وبين الشهيد وكأنكما تعرفان بعضكما ط..
في المشهد الخامس/ تدرك أنه أنت
فالجرح عندما يكون ساخنا لايشعر به صاحبه ..لاحقا يدرك مدى خطورة وألم ماحصل..
وفي المشهد الأخير/ تعود للقول الذي افتتحت به
لا لم يكن كل ذلك والمقصود أن كل الآلام والصراعات هينة ولن يقوى علينا عدو..
فقط الخذلان القادم من الداخل يقتلنا
هذا الداخل ربما أنفسنا..
ربما مقرب منا في موقف ما في الحياة
هذا في مساحة الإنسان نفسه..
وربما على مساحة أكبر(الوطن) هو الخائن الذي ضربنا بيده
بكل الأحوال نحن لانهزم حقا إلا إذا انهزمت روحنا من الداخل وأكثر ما يهزمها الخذلان..
وبذكاء لم يغلق الفجوة الناتجة منه في نهاية القصة ليترك لنا الغوص في أنفسنا وتحسس الفجوات لنتأكد هل حقا نجونا وأغلقناها؟!
هذه الفجوة ألمها واحد ومجالها واسع ...إنساني ..اجتماعي.. سياسي..
لكل منا نصيبه منها..
دام الإبداع كاتبنا المتألق
بقلم أ. منى عز الدين
