قصة قصيرة
بعنوان: إشارة مرور
للكاتب: أ. عزيز محمد عزيز
وحيدًا... يتأمل النجوم التي تناثرت في سماء المدينة الساحلية، يرسم تناثرها لوحةً عشوائيةً من الجمالِ والجلالِ والوحشة، بينما تتشوق المقاعد الخشبية في الطرقات إلى من يؤنس وحدتها ووحدته، وكذلك تتشوق ألوان إشارة المرور إلى من يطيعها، لم تعد المدينة تعج بالمارة والسيارات والزحام كما كانت منذ سنوات، فلم يعد ثمة أحياء.
وحيدًا كان منذ سنوات... لم يكن يتجاوز العاشرة من عمره حين اصطحبته والدته إلى المكتبة، فهي أمينة المكتبة التي تحافظ على تقاليد الهدوء في المدينة الصاخبة، كانت كمن يسبح ضد التيار، وقد غرست في طفلها تلك الرغبة المجنونة في السباحةِ ضد التيار، حتى أنهُ ليتذكر تلك الكتب عن الحرية والاشتراكية والرأسمالية وكل ما له علاقة بمحيطات السواد، تلك الكتب التي حببتهُ والدته وأرغمتهُ على قراءتها وهو لم يزل محض طفل، تلك الأوراق والكلمات التي اغتالت طفولته.
وحيدًا يترك المقعد الخشبي ليقف على رصيف الشارع، يتابع تبادل ألوان إشارة المرور التي لا زالت تعمل بعد سنوات من رحيل أحياء المدينة، ويبتسم ساخرًا حين يطول وقت الإشارة الحمراء، كم كانت هذه الإشارة تتسبب في ضجر سكان المدينة فيما مضى، لكنها أصبحت الآن عقيمة وفاشلة، فلم يعد ثمة أحياء.
وحيدًا يقف مترقبًا للإشارة الصفراء، هذه هي لحظات الاستعداد، تذكر شعار الكشافة الذي لطالما حدثته والدته عنه: «كن_مستعدًا» وها هو الآن يقف على أهبة الاستعداد في انتظار الإشارة، أخرج يده من جيب معطفه، قبض بأصابعهِ على كفيه، مَالَ بجذعه للأمام متأهبًا للانطلاق، فلسوف يطلق لساقيه العنان حين تتبدل الإشارة الصفراء، سينطلق مع البشر في رحلة الحرية والحياة، ولكن... سينطلق مع من!؟ فلم يعد ثمة أحياء.
وحيدًا يشاهد تبادل الصفراء بالخضراء، ها هي الخضراء تُعلن السماح لمن يرغبون الخوض في معركة الحرية والحياة، ها هي تفتح ذراعيها له ولهم ترحيبًا وتشجيعا، لكنهُ آثر السكون، فلم يعد ثمة أحياء.
....تمت...
جميع الحقوق محفوظة ©
