زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قصة الألوان "قصة يرويها أزرق" قصة قصيرة "ثلاثة أجزاء" بقلم:أ.خالد عجماوي

قصة الألوان
"قصة يرويها أزرق"
قصة قصيرة "ثلاثة أجزاء"
بقلم:أ.خالد عجماوي




الفصل الأول:
#عصر_البداية.

(1)
البداية
من أين أبدأ..؟
هل أبدأ لكم المأساة منذ عرفتها أنا؟ أم أبدؤها بعد أن صرت جزءا منها؟
حسنا.. سأبدأ لكم الحكاية قبل أن يكون ثمة أي رسم، وأي خط، وقبل أن يكون أي لون.
في البدء كانت صفحة بلا مرسوم ولا مخطوط. كانت صفحة يملؤها الفراغ. كانت صفحة بيضاء.
وهنا تبدأ المأساة!
يرى "أبيض" أنه أول الألوان. وأنه الأصل والمنشأ، وأنه الجذر وغيره الفروع. وأنه بذلك يكون سيد الألوان وأفضلها لا ريب.
لا شيء لدى أبيض اسمه الفراغ، وإنما نور بياضه هو ما كان يغمر فراغ الصفحة الشاسع .
النور وهجٌ من لونه، والخير مصنوع من بهجته، وهو أصل كل جميل وصافٍ.
هكذا يقول. وهكذا يؤمن. وهكذا يريدنا أن نقول ونؤمن.
و سادت مدة من الزمن لم يكن غير وجوده.
ثم سقطت على الصفحة نقطة حبر.
نقطة صغيرة في منتصف الصفحة، متناهية الصغر لكنها جدٌ واضحة؛ لم تكن من جنس الأبيض المنير الذي يشع وهجا من النور، بل كانت داكنة سمراء. تقبع في نصف الصفحة و كأنها كوكب داكن يسبح في فضاء الأبيض الشاسع العريض.
نطق أخيرا "اسمي أسود!"
و ظل الأسود نقطة من حبر في منتصف الصفحة الناصعة. الأبيض يملأ الأرجاء و يسد الطروف، و لكن العين لا تراه و لا تأبه به، و إنما يشدها تلك النقطة الداكنة الصغيرة. الأبيض يأخذ جل الصفحة بجميع أركانها، و لكن الأسود الصغير ذاك قد خطف العين وشد الانتباه!
وكبر الأسود شيئا، فصار نقطة أكبر، ثم أكبر ، ثم صار خطا، ثم تناثرت نقاط من الحبر في أرجاء الصفحة مبتهجة وقد عرفت أنها صارت كثيرا. وقالوا جميعا وقد ملأهم العز و الفخار "اسمي أسود".
تقول الأسطورة إنه من هنا بدأت القصة، و إنه من هنا صارت الصفحة الفارغة لوحة!
 توقدت لدى الأبيض خصلات الغضب. فكيف يجرؤ ذلك "الأسود" فيجعل لنفسه أسباب الفخار والمجد؟ أولا يدري أنه في الأصل حبرا سقط في فضاء الأبيض المتعالي؟ وأنه ليس إلا دكنة سوداء حلت في غفلة من الزمن فلوث بسواده أركان الصفحة الصافية الجميلة؟! وهل نسي الأحمق الداكن ذاك أنه لولا سماحة الأبيض وجميل خصاله لما سمح له أصلا أن يكون؟!
وعرف الأسود ما جال في نفس الأبيض من نار الغضب وشرارة الحقد،. فقال:
أنا الأول. و أنا مبتدأ الحكاية، و أصل البداية. كانت اللوحة قبلي فراغا لا تعرفه عين و لا يعيه عقل، كانتِ صفحة ميتة فجعلت لها معنى و جعلت فيها الحياة
وبلغ السخط من الأبيض مبلغ الانتقام. فوقع بذلك أول عراك تشهده صفحتنا المجيدة. كان الأبيض يغلب حينا، فتهيمن أنواره الساطعة على الزوايا، وعلى اليمين تارة و على اليسار، فتظن العين أن الغلبة صارت لابد له. ولكن سرعان ما ترى الأسود وقد انحنى نحو زاوية، فرسم لنفسه خطا صاعدا ثم هابطا، فكأنه الكر و الفر، حتى كاد أن يهيمن على قلب الصفحة ومنتصفها تماما!
وظلت على تلك الحال صفحتنا المجيدة، والتي صارت بعد تلك المعركة لوحة تراها العين فتحدق فيها مشدوهة و متأملة، فلا ندري هل ترى في ذلك جمالا يعجبها، أم هو فعل الحزن والكرب لما تراه من أثر الحرب الدائرة بين هذين اللونين الضدين؟
ثم إن نقطة حبر قد سقطت!
انتبهت له العين فجأة، إذ سرق ببهائه لحاظ الناظرين. وصفوه مرة بأنه نار متأججة أو حمة من لفظ بركان ثائر. صرخ فجأة "اسمي أحمر!"
ولم يسكن، ولم يتحرك بطيئا، و إنما هو كالنار في الهشيم، يجول في أرجاء اللوحة ملوحا بشظاياه الساخنة اللاسعة، فيخطف خطا من هنا، وخطا من هناك، فترى العين أثره في زاوية، ثم تراه في الزاوية التي تقابلها، ثم في المنتصف، ثم يدور مخلفا وراءه مدارات شاسعة، هائجة و ساحرة!
يا للأحمر!
هكذا قالت العين وقد رُفع حاجبها مأخوذة و مبهورة!
هو السحر. هو الحب. هو القوة و الجمال.
ووقف الأحمر هنيهة وقد ملأ نفسه العجب. ووقف الأسود مبهورا و قد شعر دبيب الهزيمة في صدره. وارتعد الأبيض و اهتزت أوصاله غضبا و حقدا، وحسدا!
ثم سقطت نقطة من حبر!
وقفت هكذا في المنتصف في عزة و شمم. و قالت بصوت هادر جرئ "اسمي أصفر!"
ثم هاجت و ماجت في الأرجاء تسابق الأحمر و تجاريه.
وكان صراعا قويا بين هذين اللونين الساحرين، الأحمر يسود تارة، والأصفر يسود تارة، و الأسود مغتمٌ إذ انزوى في جانب صغير، و الأبيض يكاد لا تعرف له العين مكانا.
ثم سقطت نقطة من حبر!
كانت أنا..
اسمي أزرق!
نشأت كما عرفت الآن و قد نشبت حروب و معارك. و لم يعد الأبيض مسيطرا، و لا الأسود صار يدعي هيمنة، و إنما هي الحرب الدائرة كالنار بين الأحمر و الأصفر، حتى صارت لوحتنا المجيدة آنذاك كأتون من نار.
أنا لون مسالم. صافٍ و هادئ. هذه طبيعتي و فطرتي. أزعجني ذلك السجال بين الأحمر و الأصفر. و أدركت أن تلك الحرب إن استمرت فستسود النار أرجاء اللوحة جمعاء، و لربما فنت و تمزقت في آخر المطاف.
و أسررت للأبيض ما يجول في نفسي. قلت:
لماذا لا تتحالف مع الأسود، فتشكلان معا أشكالا مخلوطة من الأبيض و الأسود؟ بذلك تكونا قد شددتما انتباه العين لكما و لو للحظات. و من يدري لربما شد جمال لونيكما العين عن سحر الأحمر و الأصفر المتعاركين، فإنها-أي العين- تحب من الألوان اتساقها و انتظامها و لا تحب تلك الفوضى التي تخلفها أهواء المعارك.
سألني الأبيض متوجسا:
- و هل يوافق الأسود على هذا؟
و اتفق اللونان، فجعلا من نفسيهما أشكالا بديعة من الأبيض و الأسود، لا يمتزجان، و لكن يتحركان معا حركات ثابتة أنيقة و متسقة، فيخلفان أشكالا بديعة و بهية، فخطفا بذلك العين، فصارت تزاور عن الأحمر و الأصفر و ما يكون منهما من فوضى، و تظل تحدق في بديع ما يخلفان.
و طلبت أن أجلس إلى الأحمر و الأصفر، و سألتهما إن كانا يريان لعراكهما نهاية. و أي نهاية متوقعة غير فناء لوحتنا المجيدة؟ انظرا للأبيض و الأسود كيف انتظما و اتسقا معا، فخطفا ما يكون من إعجاب العين و ثنائها. و هدأ الأحمر شيئا، و إن كان الهدوء من غير طبعه. و سكن الأصفر منصتا. قلت:
أما الأبيض و الأسود فإنهما لا يمتزجان، ذلك أنهما ضدان. و بالرغم من ذلك استطاع اللونان أن يهيئا للعين جميل الأشكال و الرسوم، فما بالكما إذا و لستما بضدين مثلهما؟ سألاني متعجبين:
نمتزج؟
 قلت متحمسا:
- نعم، فإن فعلتما جعلتما في لوحتنا المجيدة حياة جديدة!
وكم كانت سعادتي غامرة و قد عم السلام أرجاء اللوحة، بل وامتزج الأحمر و الأصفر فأخلفا لونا جديدا لم يكن في الحسبان أن نراه!
قال اللون الوليد "أنا برتقالي!"
و غمرني الفرح والغبطة، فالبرتقالي هو أول لون ينشأ من الألوان داخلنا، هو ابن الألوان وليس حبرا ساقطا على اللوحة هكذا دونما اتفاق مثلنا!
وعمت السعادة أرجاء اللوحة، بل وجعلت الألوان له مكانا بينهم، فتراقص الأحمر و الأصفر مع البرتقالي في أشكال ورسوم بديعة، بل و رأيتهم يتحلقون حولي مسرورين، و معهم و الأبيض و الأسود يضحكان و يصفقان في حبور.
ولم تنم العين في تلك الليلة. أخذها الجمال و سحر الرسوم و الألوان. صارت لوحتنا المجيدة قطعة من الفتنة الحية، حتى تكاد العين تنطق أن تمهلي أيتها اللوحة و ليرأف بي جمالك و سحرك.
و جاءني الأحمر بطلب عجيب، رأيته يسألني:
- أيها الأزرق.. كنت سبب الجمال و السلام في لوحتنا المجيدة، و لكنا لم نرك تمتزج مع أحدنا قط؟
أبهرتني الفكرة في بادئها، بل قل إني خفت منها و توجست. فذلك طبعي، هادئ و خجول و متوجس!
و امتزجت بالأصفر. و أخلفنا لونا بديعا رأيناه يقول في سعادة: "اسمي أخضر!"
ثم تداخلت مع الأحمر، فكان لونا آخر وجدناه يقول في حزن: "اسمي بنفسج!"
و أخذتني نشوة غامرة، فامتزجت بالأبيض، فنشأ لون رأيناه يقول :"اسمي سماوي!"
ثم امتزجت بالأسود، فظهر لون رأيناه يقول " اسمي كحلي!"
أسكرتني نشوة السلام العامر، وشكرت في نفسي فكرة الامتزاج تلك، إذ أخلفت ألوانا غيرالألوان، و صارت اللوحة تزاحمها حيوات من ألوان و رسوم. فأسكرت العين ما بها من جمال، حتى تكاد لا تعرف طلبا للنوم ضنا منها أن تجفل عن جميل ما ترى في لوحتنا المجيدة.
ولم تسقط أي نقطة حبر، و إنما صرنا نحن بما يكون بيننا من امتزاج ما يصنع الألوان و ما يصنع للعين سعادتها و إشباعها. صارت سعادتنا بأيدينا!
واختفى الأسود من بيننا فجأةأخذه شيئ يشبه الشبح أو الشيطان.. لست أدري!
حزن جميعنا عليه، غير أن اللوحة قد احتفظت بما فيها من روعة و فتنة.
ثم حدث ما كان وبالا على لوحتنا المجيدة.
 قال "البني" و كان وليد مزج بين الأحمر و الأخضر:
نحن أبناء هذه اللوحة الحقيقيون، أما الألوان الأوائل فلا نعرف لهم أصلا و لا ندرك لهم منشأ.
كان يسر بكلامه ذاك للألوان الوليدة جميعا، و كان يتحين الوقت الذي تغيب فيه الألوان الأباء. كان خبيثا!
قال الأخضر:
- و لكنك فرع مني
- أنا فرع و كذلك أنت.. أما الأحمر فلا أعرف له أصل.
و انتشر ما يقول بين الألوان الوليدة.
لم يكن لدعوته في بادئ الأمر صدى لدى الألوان، غير أن التكرار جعل منها فكرة تميل إلى الصواب أحيانا، ثم جعلها فكرة صائبة حقيقة، فعقيدة مخفية، ثم عقيدة تتفجر في صدورهم تطلب أن يجاهر بها في العلن!
ما نسيت ذلك اليوم الكئيب قط. إذ جمعتنا الألوان الوليدة و كانوا عديدا. كنا ثلاثة (أنا و الأحمر و الأصفر) .. قالوا لنا إننا لسنا أبناء هذه اللوحة، و أنه يجب علينا الرحيل!
ماذا؟!
نحن الأباء.. نحن الجذور.. ما أنتم إلا امتزاجنا ببعضنا فكيف تطردونا؟!
قال البني الخبيث:
-   لم يعد لكم في اللوحة مكان..اتركوا اللوحة في سلام
ونظر الأحمر مأخوذا غير مصدق نحو الأخضر و كان مع الألوان الوليدة، وقال:
أ و لم نمتزج لنصنع ذلك اللون الخبيث؟
و لم ينظر إليه الأخضر، و إنما سقطت عيناه على الأرض من شدة الحياء و الخذلان.
و طردتنا الألوان من أرجاء اللوحة المجيدة، حتي صرنا نقطة ذليلة في ركن بعيد. و انزوينا ننتحب من شدة ما نجد في نفوسنا من أثر الظلم و القهر.
و كم كان ألمي و عذابي و قد اكتويت بنار العتاب و لهب الملام من الأحمر و الأصفر معا، إذ كانت فكرة الامتزاج تلك فكرتي، و لولاي لما كان لتلك الألوان الوليدة أي وجود. و فكرت أن أذهب للألوان الوليدة معاتبا، و مذكرا، و ربما مفاوضا. و لكن أفاوض على ماذا؟ نحن الألوان الأباء مطرودون مهزومون. و العين مأخوذة و مبهورة من الألوان الوليدة وحدها. و فكرت أن أسأل الأبيض أن يتدخل في تلك المصيبة، غير أنه انزوى بعد أن انطفأ بياض نوره حزنا على الأسود رفيقه. و انفردت الألوان الوليدة باللوحة، تهيم هنا و هناك راقصة و متلألئة. و العين مأخوذة و مبهورة. و أنا و معي الأحمر و الأصفر مغمورون في بئر النسيان.
ثم سقطت نقطة من حبر!
هل قلت حبر؟!
لا !
كان سائلا، و لكنه لم يكن حبرا. كان كالشيطان. يجوب في أرجاء اللوحة كالشبح، فيقصي أي لون من أمامه ليتلاشى في لحظات!
و رأيناه يصرخ في جنون "أنا الأسيتون!"
و انزوى ثلاثتنا في نقطتنا في الركن البعيد، و قد شممنا فيه رائحة الشبح الذي أخذ الأسود من قبل!
و جال الأسيتون الشيطان بين الألوان كالموت، و نحن نسمع صراخهم و استجداءهم و لكن دون جدوى، فقد هيمن الملعون على اللوحة بأسرها، فاختفت على إثره كل الألوان الوليدة، و لم يعد إلا نقطتنا الصغيرة التي تجمعنا نحن الألوان الأباء، و التي لم يلحظها الأسيتون الملعون، فكان كإعصار من الموت، حصد كل مظاهر الحياة، فلم يبرح إلا كوخا صغيرا ضعيفا لم يلحظه!
و اختفت جميع الألوان الوليدة من لوحتنا المجيدة، و لم يعد إلا فراغا كبيرا، و هائلا، و ناصعا و أبيض. سطع الأبيض من جديد بعد أن ترك الأسيتون لوحتنا كطوفان أغرق البيوت و الحيوان ثم مضى. أصبح الأبيض وحده من جديد.. مهيمنا و مسيطرا. لم تعد هناك لوحة. صارت صفحة.
و طلب مني الأحمر و الأصفر أن أفاوض الأبيض كي يسمح لنا بالانتشار، فتكون لوحة من جديد. و ذهبت إليه و قد هيمن بياضه على الصفحة جمعاء، و قال لي بصوت هادر:
- ماذا تريد ثانية أيها الملعون؟ أن تصنع الألوان ثانية، فتلوث بياض صفحتي بألوانك المشينة؟ اخسأ أيها الخبيث!
و رجعت أجر أذيال الخيبة. و ظللنا ننتظر أن تسقط نقطة من حبر أسود، فتثور في نفسه أشجانها، أو ربما يتعاركان كما في ماضي لوحتنا المجيدة. فيكون لي أمر بذلك أفاوض عليه، غير أن الأحمر سأل في خفوت:
و لم لا نمتزج؟
 و ردد الأصفر بعده:
فلنمتزج .. و للتوالد منا ألوان .. فتضيق بنا نقطتنا الصغيرة تلك.. و لنغزو بألواننا الوليدة صفحة اللوحة من جديد.. اللوحة تحتاج ألوانا.. اللوحة تحتاج حياة!
و امتزج الأحمر و الأصفر معا، فصاروا ثلاثة و قد صاحبهم البرتقالي.
ثم دعاني إليهما قائلين:
- هيا أيها الأزرق.. هيا!
تجرفني الحيرة، و يأكلني الخوف من الندم، و صوت الأحمر الثائر يقول في خفوت:
"هيا!.."




الفصل الثاني.
عصر الرمادي.

(2)

عصر الرمادي

لم أفكر طويلا..فالأبيض قد استبد به روح الانتقام، و لن أجد له سبيلا للتفاوض أو اللين. كان لا بد لي في تلك اللحظات أن أنزع مني طبيعتي و فطرتي. ليس في كل الأوقات ينفع السلام. الهدوء شيمتي و الرزانة، و لكن الزمن في تلك اللحظة كان يحتاج إلى ثورة!
يعلمون أني من أنشأ اللوحة و جعل لها صفة الفتنة و الروعة، و أنه لولا امتزاجنا و تكوين الألوان و من ثم تناغمها في أشكال متناسقة لما تأملتها العين و أحبتها، بل و ربما كان الفناء مصيرنا بعد أن نكون مجرد صفحة بيضاء لا حياة فيها، صفحة مهملة وسط الصفحات في هذا الكون الواسع. تجلني الألوان الوليدة و الأباء معهم، و يبدون لي توقيرا و احتراما. بل و يجعلوني قائدا و أسوة
و امتزجت معهم..و تولدت الألوان من جديد. ظهر الأخضر، و البنفسجي، ثم توالت الألوان تباعا. تزاحمنا في تلك النقطة المنزوية في أحد الأركان. لم تلحظنا العين و كذلك الأبيض. تولدت ألوان جديدة. صرنا كثيرا. تزاحمنا أكثر. و في الأخير تناثرنا في الأركان كانفجار!
كان انفجارا مدويا و رائعا. عشرات الألوان تنفجر بغتة من نقطة صغيرة في ركن بعيد، و تنطلق في الأنحاء كزهرة تتفتح معلنة حياة جديدة. كانت مفاجأة أبهرت العين و فتنتها. غزونانحن الألوان- أنحاء اللوحة كلها تقريبا، فلم يبق إلا ركن واحد للأبيض الكبير، و الذي بدا عاجزا أمام هجمتنا المفاجئة.
تحلقت حولي الألوان مبتهجة، و قد أسكرتهم نشوة النصر أخيرا، و هتفوا قائلين: "تحيا لوحتنا المجيدة!". ثم تراقصوا في أشكال بديعة و فاتنة حتى حضر الليل، فاستراحوا من شدة تعبهم و قد تعاهدوا أن يغزوا ذلك الركن الأبيض الوحيد بعد الفجر.
لم يكن قد مر على الليل إلا ربعه أو ثلثه، حتى رأيت الأخضر يأتيني و هو يقول متريبا
:" لون ما يريد مقابلتك".. 
سألت متوجساً:"من؟" ..
قال الأخضر في تردد: "لست أدري. هذه أول مرة أراه. يقول إنه من طرف الأبيض. و اسمه الرمادي". 
تعجبت كثيرا. من يكون هذا الرمادي! قال الأحمر في عنف
" لا .. لا تقابله
و قال الأصفر في حزم:
"لا سبيل للتراجع". 
فكرت قليلا، و قد غلبتني فطرة هدوئي، و نظر إليّ الأصفر في ارتياب و قال:
" نعلم طبعك المسالم، و هو يستغله الآن"
قال الأحمر متأففا:
"بل طبعك الضعيف !"
نظرت إليه معاتبا. فكرت قليلا. أن تكون قائدا يغلبه الهدوء و التفكير لمجموعة تغلبها الثورة و التهور فذلك لا بد وصف للجحيم. و لكن من يكون الرمادي هذا؟
و حسمت أمري، و قلت:
"دعه يدخل لنرى ما يريد"
و رأيت الرمادي!.. لون عجيب. متماهٍ مع الفراغ. أراه لا شيء أحيانا، ثم أجدني أراه لونا ثابتا و قويا. أراه هادئا أحيانا، و أحيانا أخرى أشعر به كعاصفة من الثورات و الصراخ. أحسه مسالما كطبعي، ثم أجدني أستشعر فيه عنفا و قسوة! لم أعرف ماهيته حقيقة.
سألته:
"من أنت؟"
رأيته يبتسم. قال:
" أنا الرمادي"
قلت:
"نقطة حبر جديدة!"
قال و لم يزل مبتسما:
" بل الأبيض أبي.. و كذلك الأسود"
الأسود!! .. 
ذك اللون الذي أحزننا غيابه!
و قلت مندهشا:
"أنت وليد امتزاج الأبيض و الأسود معا؟؟"
قال "نعم"
قلت مأخوذا "و هل يمتزج الضدان؟ "
أخذ نفسا عميقا، ثم أردف:
"عندما ظهر ذلك الشبح المميت صارخا إنه الأسيتون، و قد جال في لوحتنا يحصد الألوان في طريقه كما يحصد الموت الأرواح، أدرك الأسود وقتها إن الموت مصيره لا محالة، و قد كان و الأبيض في وئام و انسجام. فزع الأبيض كذلك و هو يرى الأسيتون ذاك و قوته في إمحاء أي لون. وجد حلا في الأخير. أن يمتزج معه الأسود قبل أن يتلاشى تماما. فكنت أنا .. هذه قصتي باختصار"
قلت مشدوها " و لكنهما ضدان؟!
قال الرمادي " كانت مغامرة .. و لكن الائتلاف و الوئام يصنع الأعاجيب.. و انا ابن الأعاجيب تلك!"
نفد صبر الأحمر و قد كان يسترق إلينا السمع. قال غاضبا:
"تكلمه و كأنه صديق أيها الأزرق.. فليأت بما عنده، أو فليذهب من حيث أتى"
نظرت إليه نظرة مغاضبة. أشارت له الألوان بالتزام الصمت. صمت على مضض.
قلت للرمادي : " هات ما عندك إذاً "
قال بعد تنهدة قصيرة " أما و أنكم قد خدعتم أبي الأبيض و ..."
قاطعته صارماً: "لم نخدعه.. بل هو من أراد فناءنا"
ابتسم في ود. هكذا بدا لي. قال: "جئت مفاوضا"
قلت : ماذا لديك؟
قال "صفحة جديدة!"
قلت غاضبا " ماذا؟! تريد فناءنا من جديد ؟! أتدرك ما تنطق به؟!
قال و قد ازدادت بسمته " أقصد صفحة أكثر تنظيما . لوحة جديدة. لوحة حقيقية. رسمٌ مفهوم"
بدا علي التساؤل. قال " لماذا تسبح الألوان هكذا في فضاء لوحتنا دون رسم محدد. نعم تسبحون في أشكال منتظمة و متسقة. و لكن ما رأيك لو اتخذت الألوان أشكالا أكثر اتساقا و تنظيما؟"
سألته في تردد " لست أفهمك"
قال في ثقة " العين تحب أشكال الألوان و تألفها. و لكن إن اتخذت هذه الألوان أشكالا من الطبيعة الغضة التي تنتشر في بقاع الأرض جمعاء، فإن العين لن تحب اللوحة فقط ، بل ستعشقها عشقا. و بذلك نكون قد ضمنا جميعا للوحتنا البقاء"
نظر إلي ليرى وقع كلماته. ثم استطرد " لماذا لا تكون لوحة عن الطبيعة؟ المروج الخضراء، و الورود الحمراء، و النورس الأبيض يحلق في الأجواء، و السماء بزرقتها، و الشمس بوهجها الأصفر البرتقالي؟"
ألجمتني عبارته
لم تعهد الألوان هذه الفكرة من قبل. لم تعهد أن تنتظم في رسم محدد. تعودت أن تنساب في اللوحة دون حدود معينة. أن تكون حرة طليقة في أركانها. فهل ترضى أن تكون منتظمة داخل رسم في إطار محدد؟
سألته متحيرا: " و من يحدد الإطار لكل رسم من تلك الرسومات؟"
قال بابتسامة ودود " أنا !"
باغتنا صوت الأحمر يقول في جنون " أيها المخادع!"
تحلقت حوله الألوان و قد بدا و كأنه سيقوم للفتك بالرمادي، غير أنه جلس و قد بدا كجمرة من النار.
قلت للرمادي بلهجة حازمة: "لا !"
تنهد الرمادي متصنعا نفاد صبره. قال " هو الفناء إذا !"
سألته متوجسا "ماذا تعني؟"
و لأول مرة يظهر من الرمادي جانبه الكئيب. قال و قد اسودّ كالفحم" ماذا تظن اني فاعل؟ هل أترككم حتى تغزوا الركن الباقي في لوحتنا؟ سأقوم بافتراشه بلوني الآن. لوني الكئيب. سأكون كقطعة متسخة كنقطة حبر هائلة تلطخ ركن اللوحة فتشوهها، و ستنفر العين، و ستشمئز، و ستقطع اللوحة إربا، بل ربما يظهر شبح الأسيتون من جديد!"
"تهددنا بالفناء؟"
"بل أهددكم بالقبح. سألطخ جانب اللوحة كله الباقي بلوني الرمادي. ستكرهنا العين و ستحدد هي مصيرنا وقتها"
"أنت شيطان!"
تغيرت درجته اللونية فجأة، و مال إلى اللون الأبيض الخفيف، و قال في ود متكلف:
"بل إني أعرض عليكم لوحة يعيش فيها جميعنا سويا دون أن يجور أحدنا على الآخر، في إطار منتظم من رسم جميل، فنضمن جميعا حب العين و افتنانها، و من ثم البقاء"
ترددت حينا. قلت على مضض: "أحتاج وقتا للتفكير"
قال في حسم:"أمامك ساعة واحدة من هذا الليل. إن وافقت تأتي وحدك لنبدأ في رسم مستقبلنا الجديد"
سألته في توجس" ما الذي تستفيده أنت؟"
ضحك ضحكة قصيرة، و قال " أو ليس تجنب الفناء استفادة أيها الأزرق؟"
ثم تبدل صوته ليصبح أكثر جدية و هو يقول: "أولاً سأكون أنا من يضع الإطار لكل لون. و هذا شرف كبير بالنسبة لي. أما السيادة على مساحات كبيرة من اللوحة فهذا لا يعنيني"
هم بالانصراف، غير أنه استطرد في دهاء:" تذكر.. السماء زرقاء!"
قالها و تماهى. اختفى تماما من أمامي!
تركني الرمادي مهموما و حائرا.
هل أقبل؟..و هل يصدق؟
و ما الضير إذاً أن ننتظم في شكل رسم محدد بدلا من الانطلاق هكذا في اللوحة دونما اتفاق؟..الانتظام يضمن العدل في توزيع مساحات الألوان ربما. و لكن من يضمن صدقه هو؟ و قال الأصفر متوجسا " هذه خدعة" . 
ساد صمتٌ ثقيل. قلت " ليس أمامنا إلا الرضا بعرضه". 
قال الأحمر في حدة "بل نذهب الآن فنغزو الركن الباقي من لوحتنا. المستقبل لنا و لا مكان للجبناء!"
لم أتحمل تهوره هذه المرة. قلتُ صارخا " سيسبقنا أيها الأخرق. إنه هناك نقطة متماهية لا تكاد تراها. سيملأ المكان برماديته الكئيبة. سيلطخ اللوحة و سننتهي جميعنا بعد أن يمسحنا الأسيتون الشيطان!"
لم يعقب أحد. و خيم الصمت ثقيلا و كئيبا. مضت الساعة. اتخذت قراري. ذهبت إلى الركن الأبيض و هتفت:" رمادي..أنا هنا!".. من وسط البياض تولدت تلك النقطة. صار واضحا أمامي برماديته. استقبلني مستبشرا و قال:" كنت متأكدا أنك ستأتي"
قلت "لم يغلبني الخوف من تهديدك"
قال الرمادي موافقا " بل غلّبتَ صوت العقل"
جلسنا. وضع أمامي تصوره. وافقت أخيرا. و قفلت راجعا للألوان أبلغها قرارنا.
و شرع الألوان جميعهم في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه. انزوى جميعهم في نقطة صغيرة مخلفين الصفحة بيضاء كأول ما بدأت في عصر البداية. أصبحت الصفحة خالية للرمادي تماما. ابتسم في زهو. بدأ يخط رسمه. رسم مروجا و ورودا. رسم شمسا مشرقة في ركن عال. رسم سربا من طيور النورس تحلق في السماء. زفر أخيرا بعد أن انتهى من رسمته. نظر إلى نقطة الألوان الصغيرة و قد تجمعوا جميعا داخلها. قال متفاخرا بصوت جهوري:" انتهيت من تصميم لوحتكم المجيدة التي فيها تسكنون. لكل منكم مساحاته التي يملؤها، لا يجور على حق لون آخر
سكت هنيهة قصيرة ثم قال بلهجة آمرة " أحمر".
نظر إليه الأحمر نظرة من لظى متغيظ. قال له الرمادي بلهجة آمرة " مكانك بأوراق الورود"
ذهب الأحمر و قد ملأت نفسه حمم من غضب مكتوم. أخذ موقعه في أوراق الورود. صارت ورودا ملونة زاهية!
ابتسم الرمادي ابتسامة ظافر. نادي و قال "أزرق!"
لم أذهب. بل قلت :" لا يا رمادي. لن أتخذ موقعي في تلوين السماء حتى أضمن مواقع الألوان كافة".
اتسعت ابتسامته، و قال: "لك ما تريد يا قائد الألوان!"
ثم نادى:"أخضر!"
و اتخذ الأخضر مواقعه في المروج. فكان الأرض، و أوراق الشجر و ما بين الفروع. ثم نادى "أصفر و برتقالي" فاتخذا موقعهما داخل قرص الشمس أعلى ركن اللوحة. ثم خط الرمادي أوراقا من الزينة علقها بين فروع الشجر ، فجعلها مواقع العشرات من الألوان الوليدة. و أخيرا نظر إلي و لم يفارق عينه بريق المنتصر، و قال:"دورك يا أزرق"
و ذهبت بخطا وئيدة نحو السماء كي ألونها بلوني. فاجأني الرمادي بأن أحاطني فجأة بدائرة صغيرة رمادية. حبسني داخلها. ضحك في جنون. انتشر هو في السماء فلونها برماديه الكئيب. صارت سماء رمادية ملبدة بغيوم سوداء. الغيوم غطت السماء كلها. بل و جعلها تغطي الشمس بشعاعها الأصفر البرتقالي. اضطربت الألوان و قد عرفت أن في الأمر خدعة. حاولت التحرك و لكنها وجدت نفسها حبيسة داخل إطارها المرسوم.
انهمر المطر الرمادي من السماء الملبدة. صار الرمادي يغمر أرجاء اللوحة كلها، و هو يصرخ في زهو: " اللوحة كلها لي.. إنه عصري. عصر الرمادي!"



الفصل الثالث.
الأحمر ثائرا.

ملخص ما سبق نشره :
كانت لوحة بيضاء، فكان الأبيض هو اللون الوحيد المهيمن على اللوحة، ثم سقطت نقطة حبر أسود، تبعها الأحمر، و الأصفر، ثم الأزرق، و هو اللون الذي يحكي هذه القصة.
يقترح الأزرق أن تمتزج الألوان لتولد منها ألوان جديدة، فتنشأ بذلك عشرات الألوان الوليدة. و التي تقرر أن تسيطر على اللوحة و تسجن الألوان الأم داخل بقعة صغيرة باللوحة.
ينتهي الأمر بسقوط محلول الأسيتون ليمحو أثر كل الألوان فلا يبقى إلا البقعة الصغيرة التي قبعت فيها الألوان الأم.
و هنا يسيطر الأبيض من جديد، غير أن الألوان تقرر الامتزاج لتتغلب على سيطرته بتوليد ألوان جديدة.
استطاعت الألوان أن تسيطر على ثلاثة أرباع اللوحة. هنا يظهر الرمادي و يفاوض الألوان و على رأسهم الأزرق على أن يرسم هو لوحة يحدد فيها لكل لون حيزه، غير أننا نكتشف أنه لون مخادع، فيهيمن بلونه الكئيب على أجزاء اللوحة كلها.
*****************

أصبحنا سجناء.
لم نعد تلك الألوان الطليقة في رحب اللوحة الفسيح كما في عصر البداية. ولم نعد حتى تلك الألوان المتشابكة داخل نقطة واحدة كما كنا نحن الأباء حين طردتنا الألوان الوليدة. بل صار كل لون محبوساً داخل إطار من سور خطّه لنا الرمادي اللئيم على شكل رسم. لم تعد لنا فرصة التلاقي. لم تعد لنا فرصة للامتزاج، و من ثم الانفجار!
هل لي أن أسامح نفسي هذه المرّة أيضاً؟!
سامحت نفسي أول مرّة حين كنت سببا في امتزاج الألوان، و التي ولّدت ألوانا أخرى كثيرة، فكنت أنا الشرارة التي أطلقت بزوغ تلك الأعداد الهائلة من الألوان الوليدة، و التي وجدت في نفسها القوة و قد أعجبتها كثرتها، فقررت الاستغناء عنا زاعمة أنه ليس لنا أصولا معروفة داخل لوحتنا
فهل أسامحني أخرى أن صدّقت الرمادي ذاك في زعمه أن يصنع لنا رسما يكون فيه لكل لون حيّزه الذي فيه يكون؟ هل أسامحني على سذاجتي؟ أم أقول على غبائي؟
تذكرت الأحمر و غضبته. لطالما حذرني و لم أطاوعه. الأصفر كذلك. كنت أراهما أخرقين متهورين، و لم يخطر ببالي أني أنا الساذج الأحمق.
و لكن، كيف لي أن ألوم نفسي و أنا أزرق. الغضب و الثورة ضد طبيعتي. كما أن التفكر و التأمل ضد طبيعتهما كذلك. هل كانت لفكرة الامتزاج و من ثم التوالد لتنبع من رأسيهما؟ لا أظن. إنه القدر إذا. أراد أن يجعلني قائدا مُلهِماً، ثم مخدوعا سجينا.
اللوحة رمادية كئيبة. غمرها الرمادي اللئيم بلونه فصارت كخرقة بالية. أشباح رسم تظهر خافتة من وراء ستارته المعتمة، و أنا محبوس في منتصف السماء؛ نقطة زرقاء تحوطها هالة رمادية كسور يحوطها فيمنعها من الهروب. العين فقدت بريق إعجابها. لم تعد مفتونة بأي لون، لم تعد تحدق في لوحتنا. صرنا جميعنا مهددين بالفناء في أي وقت. أيها الرمادي اللئيم، بل أيها الرمادي الاحمق، فناء اللوحة فناؤك، و غيابنا عنها و فرض سطوتك، إنما هو إعلان لقرب غيابك، و قفول نجمك. فهلا تفهم أيها اللئيم الخبيث الأحمق؟
ووجدتني أنتحب بحرقة. حرقة لاسعة! و لأول مرة ينتابني ذلك الغضب الأخرق المتهور. غضبة من الرمادي، و غضبة حتى من نفسي. الرمادي ذلك الوليد من ضدين، الأبيض و الأسود معا. الأسود الذي امتزج مع الأبيض و اختفى. و الأبيض الذي هيمن في عصر البداية و ما بعد الأسيتون. الأبيض الذي ثرنا عليه، فلم نبق له إلا زاوية في اللوحة. و التي كدنا أن نغزوها جميعا لولا حيلة وليده الرمادي. فهل بحبسه لنا يكون قد انتصر للأبيض أبيه؟ و أي انتصار للأبيض و قد هيمن الرمادي بدكنته الكئيبة على اللوحة فلم يبق له شيئا منها
ووجدتني أصرخ: "أيها الأبيض الصافي. ابنك الرمادي حبس الألوان و سطا على أركان اللوحة جمعاء. لم يجعل مكانا حتى لأبيه. فإن كان لك عنده شأن فلتثنيه عن فعلته، و ليحرر الألوان من سجنها المرسوم الذي خطّه. فإن لم يفعل فإن اللوحة مصيرها التمزيق لا محالة!"
ثم انزويت في سجني، و بكيت، ثم غلبني النوم فنمت.
و كان حلما جميلا حقا!
وجدت الألوان تتراقص في رحب اللوحة الفسيح، الأصفر و البرتقالي و الأحمر، يصنعون أشكالا دائرية كهالات في الفراغ، ثم تنفجر طاقة خضراء زاهية، فتنقشع لها الألوان مبتهجة، تاركة لها طريقا وسطها في سعادة. و عشرات الألوان الوليدة تتصاعد هنا و هناك في أشكال متعانقة. ووجدت العين مفتونة و قد أسكرها جمال لوحتنا المجيدة. ثم استيقظت في الأخير لأجدني داخل سجني وسط عالم الرمادي.
و لكني وجدت فرجة أيضا. فرجة صغيرة لا تراها العين، و لا تكفي حتى لمروري، غير أنها تكفي كي تعبر بيني و بين الأبيض خواطر و أفكار!
إنه الأبيض. فبرغم سطوة الرمادي علي أجزاء اللوحة كلها، إلا أنه قد ترك بعض الفراغات الصغيرة البيضاء. لم يتركها طواعية، و إنما سوء توزيع لوني هو ما سمح للأبيض في التواجد متناثرا هنا و هناك. و مد الأبيض يد صغيرة جعلت في الهالة الرمادية حولي فرجة لا تكاد تُرى، غير أنها و من خلالها تحاورنا. حوار فكري هامس و خافت بلا كلمات
قال الأبيض:" لم يخدعكم وحدكم، بل خدعني معكم"
قلت :"الخداع طبعه"
- كان الاتفاق أن يرسم لوحة، فتكون فيها كل الألوان، و لكن حب الهيمنة سيطر عليه.
- ربما ورث ذلك عن أبيه.
ابتلع الأبيض الإهانة، غير أنه أجاب مدافعا عن نفسه
- حب الهيمنة لدينا جميعا يا أزرق.
- لا تجعلني من الجميع إذا.
- حقا؟!.. و هل تنكر أنه رشاك بقوله إنك ستقبع في السماء وحدك؟ أ وليست السماء زرقاء كما قال لك؟
تذكرت عبارة الرمادي لي. هل حقا استطاع اللئيم رشوتي وقتها؟ هل طمعت في تلك اللحظة ورضيت بالاتفاق رغم تحذيرات الأحمر لي، طمعا في تلوين السماء بزرقتي؟!.. قاطع أفكاري الأبيض و هو يهمس: "أمامنا عمل الآن"
قلت في حذر :"ماذا لديك؟"
قال في خفوت:" سأحررك!"
كدت أنفجر داخل هالتي إذ سمعت كلمة الحرية. كلمة ساحرة تولّد فيّ طاقة هائلة!
و لكن هل أستحقها هذه المرة؟
أجبت نفسي سريعا أن لا يجب أن أذوق الحرية الآن. أنا لا أستحق الحرية هذه المرة. لست من يصلح للقيادة في هذه الفترة العصيبة من تاريخ لوحتنا. و مرّت أفكاري للأبيض الذي بدا مشدوها. و قال من خلال فكره و دون كلمات "من يستحق إذا؟"
قلت في ثقة: "الأحمر"
********
كان ينتظرها!
لم يخلق الأحمر كي يظل مسجونا. هو كالنار المنطلقة. كلسان اللهب يتراقص في الفضاء. هكذا عرفت الأحمر و فهمته.
و لم ينتظر حتى يفتح له الأبيض فسحة أوسع، بل انبثق من تلك الفتحة الصغيرة من إحدى الوردات، و التي صنعها له الأبيض من خلال يده الناصعة دون أن يلحظها الرمادي اللئيم. انبثق الأحمر كحمم بركان أراد أن يثور أخيرا. انساب من الوردة كدم ينزف من أوراقها. دم دافئ و ساخن و ثائر. بل يكاد أن يغلي و يفور. الأحمر لا يفكر. لا يحرك الأحمر إلا غضبته و ثورته. مشاعره الجياشة. قوته التي اكتسبها من طبيعته النارية الحارقة. و بالفعل تحرر الأحمر، ثم انفجر في أجواء لوحتنا. تفاجأ الرمادي و قد علم أن في الأمر خيانة ما، غير أن الوقت لا يُسعف كي يزن الأمور و يبحث الأسباب و النتائج. فالأحمر ثائر و غاضب، و هو عنيف و حارق و قوي!
أعجبتني ثورته!
هجم على الرمادي كنار تفتك. حاول الرمادي أن يقاوم، و لكن الطوفان الأحمر قد غزاه بدفعة غضب حارقة. أراد أن يحوطه قبل أن ينفلت، و لكن نار الأحمر فتكت بكل القيود. أزال من أمامه كل خط و كل رسم. لم يعد غير الأحمر في سماء اللوحة و في أرضها، و لم يبق للألوان إلا نقاطا صغيرة تُركت كحطام بنايات في مدينة صبغها الدم.
انتصر الأحمر. و رغم انزواء الألوان و تحجيمهم إلا أنهم سعدوا و ابتهجوا. و صاحت الألوان صيحة الظفر و النصر قائلين "يعيش الأحمر البطل"
و اختفى الرمادي أو كاد. و قد أوشك أن يزول لولا أن أحاطه الأحمر بهالة من نار. و أعجبت الألوان أن رأوا فيه حلما و روية؛ إذ لم يقض على الرمادي تماما رغم فعلته و تجبره، بل سمح له بالوجود بأن أحاطه بهالته الحمراء الكريمة، فكان لا يزال لونا وليدا موجودا بين الألوان داخل لوحتنا المجيدة.
و تكلمت الألوان كثيرا عن تلك الثورة المباركة. و حاكت عن قوة الأحمر أساطير و قصصا. صار الأحمر قائدنا و ملهمنا. و كذلك أوحت لنا كلماته و أفعاله. كان لونه زاهيا وهاجا، يكاد ينطق أني أنا القائد و الحاكم و الأول و الآخر.
و صار الأحمر هو لون اللوحة. و لم يعد الألوان إلا نقاطا صغيرة متناثرة هنا و هناك. يحوطهم الأحمر من كل جانب. حتى الأبيض لم يعد إلا دائرة واحدة صغيرة يحوطها اللون الناري من كل جوانبها. لم يعد ثمة سوء توزيع لوني كما فعل الرمادي. هذه المرة أحكم الأحمر صبغته على أركان اللوحة كلها. و دبّ الضجر أخيرا في نفوس الألوان، و قد أدركوا أنهم لا يزالون مسجونين، غير أن السجن صار أقوى و أشد، و قد كان قبلا سجنا رماديا كئيبا، و اليوم صار سجنا من نار
هل ألوم نفسي أيضا؟!
هل ألومها لأني لم أطلب الحرية لنفسي أنا الأزرق، و طلبتها للأحمر الثائر؟
و هل كنت أعرف أنه سجان هو الآخر؟ هل كان يجب علي أن أدرك أن الأحمر الناري ذاك سيكون قائدا ناريا عنيفا؟ هل مكتوب على الألوان الشقاء؟!
و قررت أن أحاور. سألت الهالة الحمراء من حولي: "أليس للسجن من نهاية؟"
سألني هو بلهجة لا تخلو من غضب:"أي سجن؟"
قلت:
- سجنك الأحمر.
- ليس سجنا، و إنما هي مصلحة اللوحة.
- مصلحة اللوحة أن نبقى محبوسين؟
قال في غضب مكبوت:
- مصلحة اللوحة أن أبقى مهيمنا على أرجائها. انظر إلى العين الآن. يعجبها احمرار اللوحة و اصطباغها بلوني.
- و لكن الألوان تريد أن تتحرر.
قال ساخرا:
- تتحرر مني ليأتي الرمادي فيصبغ اللوحة من جديد!
- و لماذا لا تتحرر الألوان فتعيش جميعا جنبا إلى جنب. سيعجب ذلك العين أكثر.
- و كأنك لم تتعلم مما حدث أيها الأزرق. أعجب كيف يصفونك بالحكمة و العقل و أنا لا أجد أمامي إلا أحمقا و ساذج!
لم أرد. نظر هو إلي في تحد و قد ضاقت الهالة النارية علي أكثر. قال في لهجة نارية آمرة:
- لن أسمح بمثل هذا الحوار من جديد. وجودي أمان للوحة. هذا كل ما يجب أن تعرفوه.

و من خلال هالاته التي جعلها حول الألوان كلها، نظر إلى الجميع نظرة تحد و وعيد. وانزوت الألوان ترتعد خوفاً من بطشه.


عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية