قصة قصيرة
*******
انفراجة
******
نال منه السيرُ فأقعده ، جلس علي حافةِ رصيفِ الطريق، فشل في استجماعِ قوَاه وتفكيرَه، استسلم، ثقلَ جفناهُ وتهدلا على عينِيه ، راح في غيبوبة.
- قلبه بينبض ، لسه فيه نفس ، يمكن غيبوبة نقص سكر ، هاتوا له حاجة مسكرة .
- وسعوا خلوه يتنفس.
أفاق علي بللٍ يغمر وجهه، وطعمُ شرابٍ سكريٍ في فمِه، ببطءٍ فتح عينَيه ، المنظرُ أمامَه مشوش، وجوهٌ تنظرُ له بإشفاق، فتاةٌ تقدمت منه ووضعت بعضَ العطرِ على أنفِه، أومأ برأسِه شاكرًا ، سحبوه من على حافةِ الرصيف ، ركنوا ظهرَه على الجدار، تنفسَ بعمق، يستعصى الهواءُ على دخول صدرِه، حاول لملمةَ نفسِه من تيهِ الشتات، فشل، بكي ....
- اتفضل يا حاج.
صبيٌ صغيرٌ مد له يدَه بشقةِ خبزٍ بها بعضُ الطعام، لم يتعود أن يأخذَ شيئًا مجانا، تبسم في وجهِه، ظلت يدُه بجوارِه لم يمدْها له.
جاءه صوتُ أم الصبي :
كل يا حاج لقمة بسيطة تقيتك وتقدر تصلب طولك.
أصواتٌ مختلطةٌ حولَه ، سرعان ما اختفت بانصرافِ أصحابِها، عاد وحيدا.
استعصت اللقيماتُ التي راح يلوكُها على البلع ، شريطُ الأحداثِ مشتتٌ يمرُ أمامَه ، صراعاتٌ ومناكفاتٌ وبعضُ السعادة .
نصحه أبوه:
- اتشعلق في الميري وترابه تضمن معاش في الكبر.
لم يصغ إليه...
عمل بالقطاعِ الخاص، ترقى حتي أصبحَ مديرا لأحدِ فروعِها.
تبسم متذكرًا حفلةَ نهايةِ الخدمة، خرج مصابًا بالسكرِ وارتفاعِ ضغطِ الدمِ وبمكافأةٍ وضعها في البنكِ ليعيشَ من ريعِها.
- زوجتُكَ تحتاجُ للعنايةِ المركزة.
لا مكانَ في مستشفياتِ الدولةِ فكلِ أسرةِ الرعايةِ محجوزة، ذهب بها لمستشفى خاص، وضع خمسةَ ألافِ جنيهٍ تأمينِ الدخول، تحتاجُ لأدويةٍ ومستلزماتٍ طبيةٍ ومقابلٍ إضافي نظيرَ زياراتِ الاستشاريين ، طال المرضُ وأزمنَ فتم نقلُ زوجتِه للمنزلِ لتخفيفَ وطأةِ مصاريفِ العلاج.
ابنتاه في مراحلِ التعليمِ المختلفة، وكلتاهما لها متطلبات، خرج للبحثِ عن عمل، وقف سنُه حائلًا أمامه .
أوجعت مؤخرتَه تعاريجُ بلاطِ الرصيف ، تململ، سحب زفرةً حارةً من أعماقِه ، تناهى لسمعِه صوتُ إحدي ابنتيه:
بابا، ما تنساش تجيب لي جزمة جديدة، جزمتي خلاص مش نافعة.
نفدت النقود ، لا مصدرَ للرزق، البطونُ خاوية، لا يوجد في البيتِ شيء يؤكل ، الجوعُ أشدُ قسوةً من الموت ، هزه صريخُ وعويلُ ابنتيه تبكيان موت أمهِما، يا إلهي.... من أين لي بمصاريفِ الجنازةِ ومصاريفِ الدفن، تنبه أنه ليس بالبيت، استعاذ باللهِ من الشيطانِ الرجيم، ارتكن للجدارِ راح في ثباتٍ عميق.
تنبه لصوتٍ صادرٍ من حجره ، نظر.... بعض النقودِ ألقاها له المارة، وقفت الكلماتُ في حلقِه، ازدادت النقود، صرخ في داخلِه لستُ متسولا ، ازدادت النقود، قبضها في يده ، أحصاها، قام مترنحًا، اشتري طعامًا وحذاءً لابنته، عاد في اليومِ التالي وجلس مكانه مادًا يده أمامه للمارة.
**********
سيد جعيتم

قصة جميلة و حزينة
ردحذف