صيد الخاطر
بين موسى والخضر
.......................
فانطلقا حتى إذا لَقِيَا غُلاماً فقتله ،،،
توقفتُ على قصة موسى والعبد الصالح -الخضر- الذى آتاه الله علماً لدُنياً فوجدت فيها صيداً وفيراً، فاجتزأتُ منه القليل، فى البداية أراد الله أنْ يعلمَ نبياً من أولى العزم من الرسل -موسى- أنَّ هناك نعمة اختصاص من الله لبعض عباده قد لا ينالُها نبى مقرب، وبالتالى فنحن أولى بهذا الدرس، مهما بلغ علم الانسان وتبحر فيه فسوف يجد من هو أعلى منه حتما، فلا يغترر أحدٌ بما لديه من العلم ففوق كل ذى علمٍ عليــــــم.
هذا؛ وقد استوقفنى كثيرا قوله تعالى (قال لفتاه آتنا غداءنا)، ما أجمل هذا اللفظ (فتاه) للتعبير عن الشاب الذى رافق موسى النبى، لم يقل الله (لخادمه) من تمام إنعام الله على هذا الفتى، وتعبيرا عن القوة، وهذا الفتى يوشع هو نفسه الذى قد أصبح نبياً لبنى اسرائيل من بعد موسى وهارون، فجاء لفظ (فتى ) لائقاً ولطيفاً فيه رفعة لا ضِعَة.
ثانياً الصبر على المُعلم من أول آداب طلب العلم، ولو أنَّ طالب العلم قد عرف كيف جمع العالم علمه بصبرٍ ومثابرة ومكافحة أهواء النفس، وربما تجرع الفقر والعنت، لجلس هذا الطالب لدى قدم أستاذه يخدمه ويقضى له حاجات دنياه، إنما الصبر مطية إلى العلم.
ثالثا؛ هذه الاختصاصات الربانية لا تُوهب إلا لمن اطلع الله على سريرة قلوبهم وقوة يقينهم فاصطفاهم واختصهم ليقوموا بأداء أدوارٍ خفية لا يعلم بها الناس، وكلما زاد السالك إلى الله اجتهاداً كان موضع الاصطفاء ومحط العطاء.
رابعاً؛ من أهم دروس القصة أن إمهال الخضر لموسى جاء فى الأولى (قال لا تؤاخذنى بما نسيت ) وقبِلَ الخضرُ، ثم فى الثانية ( قال إن سألتك عن شئٍ بعدها فلا تصاحبنى) أما فى الثالثة فقد حُسِمَ الأمر وأخذ المُعلم موقفا نهائيا (قال هذا فراقُ بينى وبينك )، وهذا يعنى ألا نمد للمخطئ أو المسئ مدا، بل لابد من اتخاذ موقف الحق الحاسم فى الثالثة، وهذا درسٌ فى حد ذاته يتعلمه الانسان.
خامساً؛ هذا الصبى الذى قتله الخضرُ واستنكر موسى على الخضر قتلَه، إنما جاء الأمر بالقتل بإحاطة علم الله لكل ما كان وماهو كائن وما سوف يكون، ولو أنّ الله مدَّ فى عمر الصبى لأورد أبويه موارد الهلكة والكفر، ولأورد نفسه معهم، فأراد الله حجب الهلاك عن ثلاثتهم لطفا منه، بقتل الغلام سوف يضمن صلاح الأبوين من الطغيان والكفر، وإن قال قائل: فما ذنب الطفل فى أنْ يُقتل صغيراً؟ فالرد عليه من وجهٍ دامغٍ بأن موته وهو لم يبلغ الحلم ولم يصل سن التكليف قد ضمن له الجنة كما ضمن لأبويه الجنة، فمهما جاء قدر الله يتبدى فى ظاهرِه عذاب.. فسوف تجد فى باطنه الرحمات يقينا .
سادسا؛ يوجهنا الله تعالى إلى قيمة عظمى من تلك القصة، أن هناك عوالم موازية لعالمنا المحسوس، حجبها عنا سبحانه وتعالى لحكم عظيمة، واختص بها فقط من يستطيع تحمل أمانتها الضخمة، وهو القائل عز من قائل .. (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) هذه المفاتح يسدي بعضها لأناس هم جنود لله يحققون أقداره في خلقه، فكيف للخضر أن يعلم بأن مساكين السفينة وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا إلا لو كان قد أطلعه الله على ذلك؟ وكيف له أن يعلم بأن الغلام كان سيرهق أبويه طغيانا وكفرا في المستقبل؟
سابعا؛ هذه العلوم اللدنية توهب بحسب صلة القلب بالرب تبارك وتعالى، وهذه الصلة بالإخلاص واليقين تتجمل، لذلك قد توهب لأناس بسطاء فقراء لا يقيم لهم الناس شأنا، فاللهم اجعلنا من أهل الاختصاص بالعلم والنعم، ومن ذوي الصلة بالمنن والكرم، من صفوة الصفوة بكشف الحُجُبِ والظُّلَم.
.................
سيد عفيفي
عضو اتحاد الكتاب
