زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

آل البيت..!! _ بقلم : أ. أحمد عبد الحميد






آل البيت..!! 

*********

لا توجد ديوك في الصحراء...  هذه حقيقة مهمة يجب أن نتفق عليها في البداية.. أنا اعتدت الاستيقاظ على صوت أحجار الرحى التي تديرها كفّا أمي كل صباح..  ليس كل صباح، بل مع آخر خيط أسود من الليل اعتدت أن أستيقظ في فراشي الأرضي داخل خيمتنا..أجساد إخوتي المتراصة النائمة بجواري ونجمة تلمع في صفحة سماء الليل الذي لم يعد ليلًا...  ومن خارج الخيمة يأتي صوت أحجار الرحى تحتكّ في رتابة...  
في أول الأمر كنت ألمح مكان أمي الخالي في الظلام وأخشى الخروج لاستطلاع الأمر.. حتي تجرأت ذات مرة وخرجت..  هاهو البئر الصغير ومربط الماشية القليلة التي نملكها.... هاهي أمي تفترش الأرض منحنية علي الرحى تُطبق عليها بكفيّها...  تدور بها في تصميم ورتابة وصمت... 

-"أماه...أنتِ تطحنين الهواء.. لا شيء هنالك بين الأحجار!! "

أطلقت السؤال أول مرة طفلًا حائرًا يقف بقدمين حافيتين على الرمال المبللة بندى الفجر.. في تلك المرة رفعت عيناها إلى عينيّ الحائرتين .. لم تكن عيناها صامتتين..  كانتا ميتتين..  كانت عيناها مقبرتين لسرّ أحالها من أجمل نساء عشيرتها وأطلقهن لسانًا، إلى امرأة تعيش مع أطفالها في مرابض بعيدة على أطراف البادية.. قريبًا من مسالك سفر القوافل في صحراء كابية قاسية.. لا زوج لها ولا أهل بعد أن هجرها زوجها الأعمى حين ارتد إليه بصره!..  كنت أسمع تلك الحكايا طفلًا ولا أفهمها..  كان يرددها التجار والظاعنون الذين يقصدون الراحة في مرابضنا حين يمرون علينا..  هم لا يجدون عندنا ما نضيّفهم به..ولكنهم أطلقوا علينا آل البيت و اعتادوا ان يتركوا لنا نصيبًا مما يحملون من زاد، نظير الراحة في خيمة ضيوف كبيرة نصبها لنا الغريب، ضمن ما طالته يداه من جوانب مرابضنا بالرعاية والتجديد.. ماذا؟ ألم أحكِ لكم عن الغريب؟ سأحدثكم عنه بعد قليل.. فهو نافخ الروح في حياتنا الجرداء.

كان التجار حين ينزلون علينا يمنحونني فوق الأطعمة الغريبة من البلاد البعيدة أيامًا من الخيال الممتع..  أسعد لحظات يومي حين كنت أهجع إلى مرقدي مساءً فأستعيد حكايا التجار عن البلاد التي يقصدونها، ويحملني الخيال إلى تلك البلاد البعيدة فارتادها وأُعاين أعاجيبها...  صارت عادة لدى التجار والمسافرين أن يحلّوا علينا ضيوفًا حين يرحلون وحين يقفلون عائدين..صرنا محط التماسهم للبركة والأمل في الربح فاعتدلت معيشتنا...أحيانًا كان المسافرون المتحلقون حول النار ليلًا يتناسون وجودي بينهم أو يعتبرون أنني لن أفهم حديثهم لحداثة سني...  حين كانوا يختارون حديثهم لتمضية ساعات الليل حول أمي، كنت أشعر أنهم يتكلمون عن امرأةٍ أخرى غير تلك التي أتوسد ذراعها كل ليلة.. يتحدثون عن امرأة جميلة وقعت في عشق شاب أعمى شديد الوسامة من بني عشيرتها..  وحين وقعت الخلافات بين الأهل فرّ بها إلى ذلك المكان النائي، وعاشا سويًا وأنجبت له الولد...  قبل أن تستيقظ يومًا لتجده يجلس في الفراش جوارها يحدق فيها وقد ارتد اليه بصره!... أطال النظر إليها وهي صامتة كأنها تحلم..  قام إلي صُحفة معدنية لامعة فرفعها أمام وجهه...هالَهُ ذلك الوجه المليح الذي طالعه.. وضع المرآة جانبًا ونظر إليها نظرة أخيرة ، قبل أن ينسل خارجًا من الخيمة دون أن يعود..  
منذ ذلك الحين وهي صامتة خالية من الحياة...تصحو دومًا قبيل الفجر لتطحن الهواء وتبكي، قبل أن نصحو وتحل علينا القوافل... 
 أما الغريب..فهو ذلك الظاعن الذي نزل علينا مسافرًا وحيدًا بلا قافلة .. فوق ناقة أنهكها السفر أقبل..  الأبيض لباسه، والبشاشة عنوان لروحه وملامحه، ظلت ظاهرة رغم الإنهاك..  حلّ علينا وحيدًا ولم يرحل بعدها قط..  لشدّ ما خشيته في البداية وصرت أخشى العراك المتجدد بينه وبين أمي حتى يرحل، فيرفض في أدب وإصرار ، محاولًا أن يشرح في صبر أنه نزل علينا مأمورًا ممن لا يستطيع لأمرٍهم ردا...  
مسافرٌ أندلسيّ هو اشتاق لمكة ولمراقد آل البيت، وملك عليه هذا المبتغى أمره ..وحين رتب أموره وشد الرحال إليهم أخذ يأتيه في المنام آتٍ يردد : 
- "آل البيت غرباء البيد..  من أتاهم فقد أتانا.. ومن قام على أمرهم جُمِعنا به في عدن" ...
صار يبحث عنّا حتى أتى ديارنا فنزل علينا في خيمة الضيوف غير بعيد..  أخذ يحرث الأرض حول البئر فظهر اللون الأخضر على استحياء وسط صفحة كبيرة من الأصفر المحيط بالأبصار، وصار لدى غنماتنا ما ترعى فيه.. أصلح خيامنا ومراقدنا وعرفنا لأول مرة أمان وجود الرجل حين كان يقوم بنفسه علي خدمة المسافرين بدلًا من امي..  بعد حين اعتدت أن أرنو إليه فوق تلك التلة البعيدة، التي صارت مجلسه المفضل في وقت الأصيل كل يوم.. يشرف علينا وعلي الأغنام التي ترعى حولنا، ويتطلع إلي مسارب المسافرين، علّ قافلة قاصدة إلينا فيخفّ إليها ويستعدّ لاستقبالها..  وأحوّل نظري إلى أمي فأجد النضارة قد بدأت تغزو وجهها، والراحة قد بدات تسكن عينيها ..
ولكنها رغم ذلك مازالت تحبس عنّا صوتها ومازالت تسكن في عالمها البعيد.. مازالت أمي تصحو في نفس الوقت الذي هجرها فيه حبيبها.. تبكي ..وتطحن الهواء في الرحى! .. ومازلت لا أعلم لي أبًا غير الغريب.. ولا ينفكّ يتساءل قلبي الصغير: لماذا لم أولد في تلك البلاد البعيدة التي يقصدها التجار..  ومتى أسمع ضحكة أمي حتى يخضوضر كل ذلك الأصفر المحيط؟!!!

*************

أحمد عبد الحميد

***********

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية