《فيروس》
***********
لم أتوقع أن أجد كل هذه الحفاوة والترحيب بانتظاري !
كان الجميع يصفق ويهلل بل ويرقص سعادة بقدومي، وضعوني في صدر الصالة وكأنني ملك أو أحد القادة الحاكمين، جلسوا حولي ينظرون إلي باهتمام، تارةً بسعادة وتارة أخرى بذهول، تنهمر دموعهم فجأة، أو يرقصون كالمجانين، المهم أنني كنت ألاقي منهم الاستحسان والاهتمام ... لطالما شعرت بينهم بالفخر وساءلت نفسي عن أبناء جنسي في تلك البلاد التي أتيت منها؛
هل وجدوا مكانةً مرموقة كالتي وجدتها أنا؟
أظن أنني هنا من المستحيل أن يُمل مني!
لقد استطعت أن أتحكم بعقولهم كما أريد ..
لم يخلُ الأمر من منغصات، فتلك العجوز التي تجلس في زاوية الصالة على كرسيها الهزاز لم تكلف نفسها بالنظر إليّ، يبدو أنها مغرورة بحكاياها التي كانت تحاربني فيها، فكلما حاولت أن أكسب ثقة الجميع بإحدى حكاياي كانت تسارع إلى خطف أبصارهم عني؛
_ تعالو أحدثكم عن بطولات "صلاح الدين"
يلتفت الجميع إليها وكأن وجودي لم يعد له أهمية ..
ثم من هذا صلاح الدين ؟
لا أذكر أن اسمه قد مرَّ علي !
أتعمد أن ألفت انتباههم؛ موسيقا ..ضوضاء ..تثير جنونهم يبدؤون بحركات بهلوانية ثم لهاث ثم ضحكات تبعث على السخرية.
لا مانع من بعض اللحظات الرومانسية، إنهم مهووسون بالحب
سأملاً عقولهم بهذه الأكاذيب،
المهم أنني استطعت أن أربح الجولة، نحن في حرب باردةٍ طوال الوقت .
تضع خيوط الصوف جانباً تطقطق أصابعها، تفرك جبينها؛
_ تعالوا يا أطفال هلموا حولي، ما رأيكم بقصة الشاطر حسن،أو علاء الدين؛ ذاك الذي استطاع أن يكشف حقيقة الأربعين حرامي و يعيد المال المسروق من الشعب.
أستشيط غضباً؛
_من هؤلاء ؟
سيحل هذه المعضلة بعض القصص الخيالية عالمٌ من اختراعي أنا ...
رائع إنهم يعودون للتجمهر.. كم أنا عظيم !
تحلّق الجميع حولي، كان في جعبتي حكايات جديدة مليئة بأخبارٍ حامية الوطيس.
يوماً بعد يوم بدأت الكفة ترجح لديّ، لكن حائكة الصوف تلك كانت تستغل أي ظرف حتى تخطف الأبصار ..
يجب أن أخرج من هذه المعضلة، أظن مزيداً من الإثارة سيفي بالغرض؛
الموت نعم هاجس البشر الكبير سيكون المتصدر من الآن فصاعداً سأروي لهم الكثير من قصص الموت ..
نعم لقد نجحت المهمة هاهم لا يشيحون بأنظارهم عني وأنا أزداد زُهواً بنفسي، علي أن أجد كل يوم قصة جديدة عن موت من نوع آخر،
لن أتوقف بعدما حققت من نجاح، لقد أهمل وجودها الجميع ..يبدو أنهم نسوها حتى.
صاح الجميع بهلع؛
فيروس يفتك بالبشرية ياللهول !
قهقهت بداخلي؛
_ إن الفيروس يسكن عقولكم ..
لم يكترث بها أحد ..ما أجمل لذة الشعور بالانتصار!
بعد أيام كانت أول الضحايا.
******************
زينب الشرقاوي
