قراءة في قصة الدُمية للكاتبة رشا فوزي:
**************************
العنوان : الدمية
***********
معنى الدمية في اللغة العربية كما نعلم، أو يعلم أغلبنا هي اللعبة التي يلعب بها الصغار، ولكن بالطبع هناك معنى آخر ألا وهو أن تكون إنسان ويتعامل معك الآخرون وكأنك دمية أي لعبة يتلاعب بها الآخرون حسب أهوائهم، وهذا مراد الكاتب من العنوان الذي رأيته مناسباً جداً لهذه القصة، فبطلة القصة هنا عاشت حياتها كاملةً دون أن تختار مصيرها وتقاذفتها أهواء الطامعين فبددو مصيرها وجعلوها تعيش صراع نفسي مرير.
تبدأ أحداث القصة بتسليط الضوء على تنويه هام بأن هذا العالم الذي تعيشه هذه الدمية (الفتاة) يخضع لسلطة الرجال..
(الرجال قوامون على النساء)
دائماً ماتجد من يقرأ المعنى الذي يريد لنفسه أن تفهمه مبتعداً بذلك عن تتمة المعنى حتى لايزعج نفسه بالتفكير المنطقي ..
( الرجال قوامون على النساء بمافضل بعضهم على بعض) أي أن هناك ميزات بالرجل يستطيع من خلالها أن يكون هو المرشد للمرأة فيها، وهي إن صح القول كثيرة ..
لكن هنا سُلِط الضوء على تقرير المصير ...فهل يحق للرجل أن يقرر مصير المرأة .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن) قالوا: يا رسول الله كيف إذنها؟ قال: أن تسكت، وفي اللفظ الآخر قال: إذنها صمتها فإذا امتنعت ولم ترض بالزواج فليس لوليها أن يجبرها، لا الأب ولا غيره لأن الحاجة لها وهي أعلم بنفسها، فقد يكون بها مانع من الزواج وأهلها لا يعلمون ذلك.
إذاً المرأة ليست دمية تتلاعب بها الأهواء كيفما شاءت، وليست سلعة تباع وتشترى لمن يقدم فيها السعر الأكثر ..
وهنا بطلة قصتنا ..كانت دمية تتلاعب بها لعنات الرجال منذ قُدِمت للعرض حتى تاهت بين أهواءهم ورغباتهم ..هي تعيش حالة من الصراع النفسي المرير وقد أحسن الكاتب إبراز هذه النقطة، فكان الإسقاط مُبهراً وساحراً جسد المعنى المراد إيصاله، فأعطى قوة في التعبير والتبرير للمواقف .
هي لم تخلق لتكون زينة يتباهى بها الرجل أمام أقرانه ..هي كتلة من المشاعر تترصد كل ماحولها، فتعطي بحراً من العطاء إن أُعطت، وتبهت تلك المشاعر فتتحول إلى رماد يحرق كل ماحولها إن شعرت بإستغلالها، أو أجبرت على شيء وأُكرهت ..
حاولت دميتنا هنا الهروب من واقعها مع رجل لم يرها يوماً إلا كأحد مقتنياته الثمينة مع رجل آخر زين لها الحياة بكذبة اختلقها وسماها الحب حتى يوقعها في شركه الخبيث، ولأنها كانت صادقة في مشاعرها تهاوت عندما علمت أنه اصطادها دون تعب ليرمي بها في قاع سحيق من الرذيلة يتبعه ألم أشد وأقوى من سابقه..لذلك نرى أن بطلة قصتنا عاشت حياة مريرة بين براثن رجالٍ لم يزر الحب قلوبهم يوماً فخلت حياتها من المشاعر والرغبة في الحياة، فتحولت رغبتها إلى الإنتقام ممن كانوا السبب في قتل كل شيء جميل داخلها، فبحثت عن السبب والمسبب لمعاناتها لتصب عليه جام غضبها ..فتقتلع منه زهرة حياته كمافعل سابقاً، قد يكون هو الأب الظالم الذي رأى في جمال ابنته سلعة ثمينة قد تغنيه، ولم يفكر بمصيرها الذي انتظرها وراء تلك الصفقة السافرة التي حطمت أمالها، وقذفتها على فوهة الألم ...وعندما أقامت عليه حد الإنتقام شعرت بلذة انتصار ...
✍🏻عن رأي في القصة :
*****************
قصة رائعةمنذ بدايتها واختيار العنوان إلى السرد الذي كان متناغماً والنقلات كانت سريعة مرصوفة بعناية وإيجاز علاوة على ذلك ظهرت الفكرة رويداً رويداً بإتقان ..المونولوج الداخلي لبطلة القصة كان مناسباً جداً كونها دمية ..لم يبالغ الكاتب في إظهار الصراع النفسي إنما وصف رؤيتها للمحيط الخارجي الذي أحاطها ..فكان صراعاً خارجياً ناسب الإسقاط كونها دمية حتى يتسنى لنا خلق خيال كامل لاستخراج ماهية هذه الشخصية الغامضة ..قد يرى الكثيرون بذلك أن هذه الدمية قد تكون إنسان قد صادفوه سابقاً ..قصة سمعوا عنها ..فكانت هذه أبرز وأهم نقاط نجاح الكاتب في هذا الإختيار حيث لم يسمي ولم يبرز هوية البطلة ..أحيي الكاتب على قوة مخيلته ونشاطه الذهني في تصوير قصص كثيرة داخل قصته هذه .
إضافة إلى ذلك تميزت قصتنا بسلاسة اللغة وشاعريتها القوية، وإيجازها المحكم ..
✍🏻النص: الدُمية
********
في عالم أُحكِمت فيه قبضة الرجال على أقدار النساء، كانت تقبع هي خلف واجهة المتجر اللامعة ترقب الأحياء بأعين زجاجية تشع براءة، في غدوهم ورواحهم، نظرات خلت من أي أحساس، تنتظر بلامبلاة اللحظة التي سيتم فيها بيعها لمن يستطع دفع ثمنها !
أقبل نحوها صاحبها يربت عليها بحرص، فهي سلعته النفيسة، ينتظر من وراءها ثروة!
- خُلقتِ دُمية، وهكذا يجب أن يكن نهجك في الحياة!
كان يردد تلك العبارة على مسامعها دوما، لم تكن تعي ما الذي تعنيه أو ما الذي عليها فعله؛ لكنها أبدا لم تسأل!
جاءها يوما البحر راغبا فيها، عارضا لآلئه
وكنوزه المخبوءة، وهو يخبرها وصاحبها بسماجة:
- على أن تكن سمكة من أسماكي، بالتحديد سمكة زينة!
نظرت المسكينة ببلاهة لصاحبها الذي سال لعابه، ليمسكها متجاهلا نظراتها المصوبة نحوه بحيرة، ويلقيها في أعماقه، متمتما بجشع:
- هي لك!
غاصت وغاصت حتى القاع، شعرت بأنفاسها تتلاشى، هي تختنق، تغرق، لم تنفعها الأرض المعبدة باللؤلؤ والمرجان التي استقبلتها برياء مُرحِبة،
لم تسعدها ألوان القاع المبهرة التي تبث بهجة مزيفة في النفوس، بينما تخفي خلفها ظلاما دامسا ينضح كآبة.
مع الوقت ظنت أنها أصبحت غير مرئية، أو ربما غير موجودة من الأساس، حتى التقت به، كان يبدو كعريس من عرسان البحر، خيالي، فاتن، جسور، والأهم أنه يراها.
وفي لحظة من لحظات الشوق سرقها فارا بها إلى حيث الشمس مرة أخرى، أخذت تعُب من الهواء وهي تظنها الحرية، الحرية والحب، يا له من حلم جميل، أفاقت منه على صوته ساخرا:
- هنا الأرض عزيزتي؛ وعليها لا يوجد شيء بلا ثمن!
ثم قابضا على معصمها يطوقه بقوة، وقد استحال كرة نارية ملتهبة، أردف:
- أريدك لهيبا من لهبي، تحرقين، تدمرين،
تعثين فيها فسادا!
معه كانت روحها تحترق رويدا رويدا حتى صارت رمادا منثورا على جوانب نفسها الشقية.
فعاشت معه جسدا بلا روح، تتخبط بين جنبات الدنيا بلا هوادة، ترقص على صخب لياليها الداعرة كالممسوسة.
حتى رأت آخر يوما مقتحما أرض الحمم التي استوطنتها مع كرة اللهب، جاء محاربا، مجاهدا، رافعا راية، ظنته قادما من السماء، ظنته الخلاص، انتشلها من براثن كرة اللهب، كاسيا عُريها سوادا، محلقا بها في عالمه القاحل المقفر، لتكتشف بعد فترة وجيزة، أنه ليس سوى قناص مأجور منزوع القلب، وهي غنيمته بل قل عبدته وأقل من ذلك شأنا!
كانت تسليته معها إماتة قلبها لتصبح مثله، وقد كان له ما أراد، فصارت بلا روح ولا قلب، بأعين زجاجية تشع برودا، نظر فيهما القناص ذات يوم وهو يقول لها:
- أريدك سهما مسموما من سهامي، أطلقه إلى صدر ضحيتي؛ فأرديه قتيلا!
و أشار إليها حيث المتجر ذي الواجهة اللامعة، فهزت كتفيها باستهانة، وسارت نحوه.
وعندما دلفته، وجدت من كان يوما صاحبها، يستصرخها باستعطاف:
- دُميتي!
أقبلت عليه ببراءة مصطنعة؛ حتى بلغته، وما إن تمكنت من رقبته؛ حتى نحرتها دونما طرفة عين، ثم مضت ملوثة بدماه قابضة بيدها على سكينها تقطر دما نحو الواجهة اللامعة، ترقب الأحياء في غدوهم ورواحهم بأعين زجاجية تشع قسوة، وهي تمتم بخفوت:
- ولقد أدركت نهجي جيدا!!
*****************
بقلم_ الكاتبة : زينب الشرقاوي

قراءة رائعة
ردحذفشكرا جزيلا