(قرار)
********
تربعت في جلستي، وجعلت البطانية مسدلة فوق أكتافي ومن ورائي، والمدفأة عن يميني وإبريق الشاي ومقبس الكهرباء وشاحن نقالي موصول فيه عن يساري، وبيدي اليمنى الكأس يتصاعد منه بخار سخونتها برائحة تشعرك بنشوة عارمة، لترتشف رشفة بتلذذ مخرجا ذلك الصوت الذي ينم عن الرضى الكامل (بآاااح) أعرف أنه تصرف غير مؤدب ولكنه يخرج لا إراديا، يعلمه كل مدمن على خمرة الإسلام(الشاي).
نقرت على أحرف شاشة هاتفي المحمول كلمة السر الصعبة جدا، والتي دائما لاتنجح معي من أول مرة لكثرة تداخل الأحرف الأعجمية منها والعربية مع تلك الأرقام العربية والهندية، ودائما ما أشعر بلحظة انتصار وحيدة بقيت معي تلازمني، حين أستذكر في كل مرة أكتب فيها أو أراها أنها ذات أصل ورسم عربي، واتخذتها كل الدول أساسا لها.
يبقى للمتأمل الخائب واقعه خيطا دقيقا يربطه بشيء من عدم اليأس، فيعزي به حاضره بأسلاف من مضى.
تفتح الشاشة بؤرتها كأنها وميض يحملك للسفر عبر الزمن ويجول فيك كل البلاد، لتصبح مسافرا بفكرك وروحك، وتتأثر مشاعرك بين كل انتقالة وأخرى، فتارة تتغلغل دمعة تريد النفور وكثيرا ماتنجح، وتارة تتبسم وأحيانا تضحك حتى تهتز، والعجيب أنك مع هذه الاهتزازات والتحركات التي توافي جسدك المتبلد الساكن، إلا أنك تبقى مشدوها ومشدودا لعالمك الذي تجوبه روحك دون أن تعود لواقعك، ربما فاق هذا العالم باستدراجك أكثر مما كان يسمى بالتنويم المغناطيسي..
أحيانا أقول في نفسي لو أتى رجل من العصور السابقة وأخذ ينظر إلينا كيف أن بيدنا قطعة صغيرة لا تتجاوز كف اليد، ونحن أمامها منجذبون هائمون نتلوى ضحكا ونئن بكاء، لقال يا ويلتاه، إنه عصر المجانين.
مع هذا فهناك من يقولها لك ممن حولك كالأب مثلا غير المندمج مع هذا الاختراع..(مجانين)
فتطبطب على نفسك وتحاول أن تقنعه أن يا أبت إنه عصر العولمة، ونافذة العالم، ورزق الكثيرين بات يأتيهم من خلاله، وأن حمدا لله أنه يصلنا بقرابتنا بأقل تكاليف وبأسرع وقت، ثم تصمت قليلا وتقول: وأنه أيضا منفذ لغربتنا إلى وطن.
أعتذر.. لقد برد كأس الشاي بيدي وأنا أشرح ماتعرفونه أصلا، ولكن ربما جرفني ما جال بنفسي عما أنا في صدده..
المهم أني وجدت الكثير من الرسائل والإشارات، لكني أهملتها عن قصد بإصبعي للأسفل، فالآن أريد أن أطالع بعض الأخبار وأتثقف سياسيا وأعيش ذلك الدور الذي يخولني أن أكون محللا سياسيا لبعض الوقت. ولجت لصفحة إخبارية "ممولة" كان الخبر الأول مايلي:
اتفاق بين دولتين أعجميتين على وقف العمليات العسكرية لأرض عربية، وأنهما هما الضامن لذلك بين تلك الأعراب المتناحرة، وأن هذا القرار سيوثق بثلاث نسخ أعجمية.
فحمدت الله أن هناك مترجما لقنني أخبار بلادي، وحمدت الله ثانية لهذا الاختراع الذي سهل لي سماع ذلك؛ ثم اعتراني الفضول لأدخل وأرى مايجول من مناقشات حول هذا الاتفاق، فرأيت أن الكل يتحدث بالعربية، والكل يناقش بالعربية؛ غير أن كل فريق منهم يحمل الفريق الآخر مسؤولية ذلك، وكل فريق يكيل للآخر التهم بأنه عميل لتلك الدول الأعجمية، ثم نقرت لتظهر لي التعليقات كاملة، فإذ بي أرى أيضا أن هناك من يستثأر لنفسه بفرح عما قتلته إحدى هذه الدول، وحتى رأيت بعض الدعوات تتمنى لو أن تصيبهم (دبل كورونا)!! والكل يلعن ويشتم... بالعربية.
خرجت منها بعد أن كنت قد جهزت في رأسي تحليلي السياسي عن الخبر، لكني تراجعت عن كتابته، مخافة أن لا يفهم، فتصيبني دعوات ولعنات المعلقين، وأيضا لأنني لا أجيد الأعجمية.
هذه صفحة أخرى وخبر مبن على دراسات عالمية جديدة، كان عنوانه (تعريف الهيمنة وما الدول الأكثر هيمنة في العالم) فقلت في نفسي هذا سيجنبني الخوض مع أحد، سأنقر الرابط وأرى ترتيب تلك الدول التي أعرفها.
تزداد الدوائر المتدحرجة الواردة من الرسائل، فلا أعيرها اهتماما وأعود وأنهيها بتمريرة أخرى خاطفة إلى الأسفل، الآن هناك خبر جديد يستحق القراءة.
نقرت الرابط وانتظرت أن يسعفني النت بدفشة سريعة كي لا أنتظر كثيرا، فإني أكثر ما أكره تلك الدائرة التي تدور بمنتصف الشاشة، وكأنها تقول لك انتظر، لكنك لاتعرف إلى متى ستنتظر، فهذه الدائرة ليس بها بداية ولا نهاية، إلا من وميض يدور ويدور، وكأن "مارك" حين أسس هذا الاختراع، اطلع على الأمثال الشامية، وطبق حرفيا هنا المثل (عميدور متل الخنفسة بالطاسة).
ارتشفت ماتبقى من كأس الشاي البارد، وتأزرت جيدا بالبطانية، فيبدو أن الكهرباء انقطعت منذ فترة ولم أشعر بها إلا حين رأيت المدفأة الكهربائية باهتة، ففصلت أيضا شريط الشاحن عن جوالي، فلم يعد لي به حاجة، وتحسرت على عدم معرفتي الوقتية بانقطاع الكهرباء، وذلك لأني معتاد أن أحسب عدد ساعتها بالضبط، لأبشرهم بتوقيت ساعة رجوعها، وكذلك لأبقى في نظرهم من العارفين.
وأكثر ماتحسرت عليه هو التشنج الذي طال رقبتي ويدي بوضعية ثابتة؛ كان شريط شاحني قصيرا.
هاقد فتح الخبر وكما توقعت، الدولة الأولى بالترتيب هي..
وإذ ببصيص يسرقه طرف العين، أجبرني عن الانقطاع لمتابعة قراءة الخبر، لم أعرف كيف لمحته، فعادة تكلمني زوجتي وهي بجانبي وأنا أقرأ فلا أسمعها ولا أراها..
ألمح شيئا يتدلى من ثريا السقف القديمة المعلقة، إنه عنكبوت صغير، قررت أن أترك كل شيء بيدي وأن أنظر لهذا المخلوق الصغير كيف يربط نفسه بخيط لايرى ويهبط به دون أن يقع؛ نعم لقد رأيت الكثير من العناكب وبيوتها وقرأت الكثير عنها ولاسيما تفسير الآية (إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) وأن الأنثى تتزاوج وتقتل زوجها وتضع بيضها في داخله ليخرج ويتغذى على رفات أبيه؛ حتى أني حملت بنفسي بشيء على الإناث من هيمنتها..
لكنني الآن لا أعرف ماشدني لأن أراقبه وماسيفعل.
انبطحت كالساجد أمامه غير أن يدي تحمل رأسي ومرفقاي مسنودان على الأرض، حتى أظل ثابتا وأرى بعين ثاقبة، حتى أنفاسي حبستها كي لاتهزه وتشعره بدنوي منه، وأزفرها عن يساري كلما ضاقت بصدري؛ كان هذا العنكبوت متمسكا برجل واحدة بهذا الخيط الشفاف الدقيق جدا، فقلت في نفسي سبحان من علمه صنعه وحبكه، يعرج قليلا به للأعلى ثم يعود ويهبط متدليا أكثر من الأول، حتى وصل الأرض وحط على السجادة، ثم بدأ يهرول يمنة ويسرة ولا أدري هل هو يريد أن يعتكف بإحدى زوايا الغرفة، أم استشعر وجودي ويريد أن يهرب مني؟!
ثم ليتبدد تساؤلي حين رأيته ينقض على حشرة صغيرة، تشبه النملة ولكنها أصغر بكثير، ولولا مراقبتي له ما كنت رأيتها، ثم احتدم بينهما قتال بالعكاكيف والأرجل، لا أدري من يعض الآخر، ولا أدري إن كان قد طعنها بسم أو أنه كان متيقنا بنصره بواسطة أرجله المفصلية المركبة، سرعان ما التف عليها وبدأ بتكويرها بعد أن سكنت تماما، وهنا قلت محدثا نفسي بأني سأحظى بمشاهدة إفرازه لتلك الخيوط التي تلف بها العناكب ضحاياها، وما إن بدأ فعلا، حتى انقشع ضوء كبير غطى جل ظلام الغرفة، وما إن رفعت رأسي، لأرى سبب هذا الانبعاث الداخل، لأفاجأ بقفزة واحدة خاطفة، أنهت بضربة حذاء يحمل بأسفله الكثير من التراب العالق حياة العنكبوت ورحلته الماتعة وتنتهي معه مشاهدتي، غاب العنكبوت وضحيته ممتزجا بين ذرات التراب وأوبار السجادة، ثم ليصدر أمر لارجعة فيه، بأن أخرج وأغراضي فورا، لتبدأ رحلة التنظيف التي أمقتها، ولايوجد سبيل أبدا لتغيير مواعيدها المفاجئة جدا.
لم أرجع بعدها لذلك الخبر عن الهيمنة، حفاظا على كرامتي.
***********
بقلمي
رئبال الدمشقي
**********
زمرة القصص
