زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قصة قصيرة بقلم أ. نزار الحاج علي بعنوان جذور


قصة قصيرة 
بقلم أ. نزار الحاج علي

جذور

بينما كان السباقُ يقاربُ على نهايته، كانتْ أصواتُ أنفاسهم اللاهثة تطاردني بإصرارٍ؛ فانطلقتُ مرتفعاً في الهواء، بعد أن تعثرتْ مزلجتي بذلك النتوء البارز.

وعلى عكس قوانين الفيزياء، استمر صعودي، وبدأت الأرض تصغر شيئاً فشيئاً، و تزدادُ جمالاً وبهاءً.

هنا في الأعلى أنظرُ باتجاه الشرق، لكن جبال لبنان المكسوة بالثلج تحجب أشعة الفجر،

استمر بالطيران فتظهر مدينتي حمص بقلعتها المهيبة، أنحدرُ يساراً فوق الكتيب لأقرأ الفاتحة على أرواح شهداء بدر، ثم أنعطفُ غرباً فتظهر أبراج ساعتيها القديمة والجديدة، أسيرُ مع الباعة في الصباح الباكر، أصواتهم تصدح في سوق الجندي، وعلى الضفة الثانية من الشارع تفوح رائحة البهارات والزعتر الحلبي.

أندفعُ في هواء الصباح الرطب، أنظرُ من خلال عينيَّ الخضراوين إلى المدينة المباركة، تحتي وعلى مسافة ليست بعيدة كان جامع خالد بن الوليد بقبابه الفضية ومئذنتيه يحاول الإمساك بي بلطف، أتابعُ غرباً إلى ضفتي نهر العاصي _وهو يشقُّ طريقه شمالاً_ ديكُ الجن ما زال يجوب بساتين الميماس.

لكن فجأة بدأت الصورة تزدادُ كثافة، و من دون سابق إنذار، استدرت ومددتُ يديّ نحو الأسفل، تكوّرتُ ودفعتُ جسدي نحو الهاوية، نحو مدينةٍ لا تشبه إلا نفسها، كانت مآذنها وكنائسها تنوحُ بأنينٍ، حجارتها السوداء التي رصفتْ شوارعها وبيوتها القديمة تطفو على السطح بقتامة، أمّا الأجسادُ الضئيلةُ فتتلوى مذعورةً في قبضة الشيطان، يتوسلون إليّ بيأسٍ صامت، مدينةٌ رسٓمها غرابٌ...توقيعهُ خراب.

_رحماكَ إلهي، لا أعرفُ ما عليَّ فعله!

سمعَتْ همسي، لكنْ لم يصدر عنها أي صوت.

_الوقتُ يمضي، والجثث تتضاعف، أصبحت بالمئات...بالألاف!

_بعضهم ما زال حيّاً، يتلوى وهو يحتضر.

اقتربت منّي وهي تمدُّ يديها النحيلتين.

_من أنتِ؟

لم تجب، بل هزّتْ رأسها بضعف، ثمّ نزعت عن وجهها الوشاح، كانت رائعة الجمال، جليلة مثل تمثال.

عرفتها، جوليا دمنه، مغنية معبد إله الشمس.

_أنتِ أكبر سنّاً مما توقعتُ.

وقفتْ بصمتٍ، يتدلى من رقبتها تميمةٌ نصفها عقربٌ ونصفُها إنسان، وشعرٌ أجعدٌ فضيّ.

أبصرتُ بوضوحٍ عينيها العميقتين، أشارت بيدها إلى قدمي المعلقتين في الهواء بيدها الحازمة أجبرتني على الاستلقاء.

فجأةً بدتْ أكثرُ إشراقاً...ثم بدأت بالتلاشي، فشعَّ منها ضوءٌ أبيضٌ منير.

رائحةُ الهواء يفوح منها كحولٌ طبّي، أحاول تحريك ذراعي لكنَّ ألماً رهيباً يمنعني من ذلك، بيدي الأخرى أحاول تلمس فروة رأسي لتحديد موقع الألم؛ أغمضتُ عيني محاولاً تذكر ماحدث.

_يا إلهي لا بدّ أنه كان حادثاً رهيباً!.

أيقظني صوتُ التصفيق...والحكم يعلن:

_صحيح أنه قطعَ الأمتار العشر الأخيرة طائراً في الهواء، لكن لا شيء يمنعه من الفوز طالما كان أول الواصلين.


عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية