لقمة الحجر الصحي
*************
لم يعد بوسعي أن أتذكر شيئا، الآن أحاول جاهدا أن ألملم أطراف القصة، تفلت مني بداياتها ونهاياتها، لا أدري لماذا، ربما لأن البداية مخيفة كما النهاية، والوسط دوما آمنا رغم أنه يغري النفس بالثبات والرتابة.
الآن تبرق في ذهني بعض تفاصيل البداية، نعم رأيتك بجانب بيتكم الصغير، بيت مبني من الطوب الأخضر أو لبنات طينية، مطلي بروث الأبقار المخلوط جيدا مع الطين، أنت تقفين بجواره، عالمان مختلفان، القرن الثالث والقرن التاسع عشر. انوارك التي كانت تشع حولت حائط بيتكم لمرآة كبيرة كل ما فيها أنت، كنت عابرا مع اغنامي لأرعاها، بنصف نظرة سرقتها من حيائي الذي يلزمني به جمالك أكثر من أخلاقي، رأيتك، تعثرت خطاي بسبب تضارب الإشارات التي يرسلها المخ، هل أنظر مرة أخرى، أسلم، أوجه نظري إلى الأرض واذهب، اتوقف، أم ماذا اعمل، كل هذه الأشياء جالت في ذهني وفي نفس التوقيت، اخيرا قررت أن اعود من حيث أتيت. قالت لي أمي ما الذي ارجعك من أغنامك، قلت لها بأن نسيت بعض اغراضي وعدت لأحملها، ردت بأنها تريد أن تذهب إلى حاجة بتول، حملت اغراضي ثم صحبتها في ذات الطريق. عندما وصلنا إلى بيتهم وجدناها تقف بجوار الباب تحادث جارتها، رحبت بأمي وسلمت عليها بحرارة، ثم مدت لي يدها، النعيم يرتاح بين أصابعي، كاد قلبي أن يهرب من صدري، نظرت إليها بل قل رحلت في عوالم عينيها، غابات الابنوس، صباحات فينا، اماسي دلهي، ليالي فينيسيا، ثم صحراء اوجاعي، ضغطت على يدي برفق، تلك الضغطة ملأتني بالطاقة حتى كدت أن اضيئ، دخلت هي وأمي، ثم تبعت أنا طريق اغنامي.
طيلة اليوم تغير ما في، لم أستطع أن آكل شيئا، بل هششت على اغنامي برفق، غنيت لها، حملت لها الأعشاب بيدي، حتى شبعت ونامت في أعلى تلة من النهر الصغير.
ألقيت ملابسي أرضا، ورحت احمم نعاجي، اغلسها جيدا وامشط صوفها بيدي واربت على ظهرها، أقبل رأسها، وحتى حماري اكرمت ظهره، لم امتطي ظهره وتبعته وغنمي راجلا.
في رحلة العودة إلى قريتي، غنيت كما لم اغن ما قبل، ورقصت بخفة مهرولا بين اغنامي ألاعبها واسابقها، واحكي لها ما في قلبي، كانت اغنامي تجري معي في شكل صفين متوازيين، فحينا اجري هنا وأحيانا أجري هناك.
وصلت البيت أدخلت اغنامي إلى زريبتها، أحسست بجوع شديد، نادتني أمي قائلة، العشاء جاهز، جلست بجوارها ثم حكيت لها عن يومي، وضعت يدها على رأسي تمسح عليه بحنان يقطر من أناملها، وتؤانسني، قالت لي ابنة عمتك بتول خطبوها، خطبها رجل السرور والهناء، توقفت اللقمة في وسط حلقي ورفضت أن تخرج أو أن تواصل مسيرها، رغم ضربات أمي على ظهري لكي تساعدني على إنزال اللقمة، ظلت هي عالقة في حلقي، بل ظللت أنا مجترا للقمة الأمل العالقة بين الخيال والواقع.
**********
&عمر أرباب&
