قصة قصيرة
نفق مظلم
*********
-كان لدي يقين طفلة كأنّ ماردًا سيخرج وينهي كل هذا،جالت في خاطري كل اللحظات الممتلئة التي جمعتني به ،كيف كان يجعلني أضحك حتى البكاء ،كيف يقرأ الشعر بشغف حتى تلامس الحروف روحي .
-أتذكر كان يناديني ( الرفيق ) دون تاء ، وأفهمها (سندي) ..أنت شخص يعتمد عليه..
هل عليك أن تكون ذكرا لتكون سندا قويا!؟
دس في يدي ورقة صغيرة مطوية بشكل غير منتظم، فتحت يدي كفراشة تحتضن زهرة ،حاولت مسرعة فض رحيق الكلمات، ضغط على يدي برفق، ثم أردف ليس الآن،أودعتها يدي الأخرى ضغطت عليها بقوة كأن بها سر الحياة ،ترقرقت عيناه بالدموع، فأجهشت بالبكاء بصوت مسموع ،بدا على ملامحه الإرهاق، وضيق التنفس، وحبات العرق تتناثر من جبينه بنداوة، وأرتفعت درجة حرارته، وتمتم بكلمات لم أميز منها سوى اسمي ودخل في حالة هذيان مستمر دخلت الممرضة وبدأت في توصيل أنبوب الأوكسجين، و بدا عليها الانزعاج، استدعت الطبيب وأمرها بإدخاله إلى غرفة العناية الفائقة، وأنا وسط ذلك أعاني من الذهول وإحساس يشلني ويشدني للأسفل.. للأسفل ، طلبت من الممرضة أن أصطحبه إلى غرفة العناية الفائقة فرفضت طلبي بحزم ،وبصعوبة بالغة فتحت جهاز الهاتف ونطقت لوالدته كلمة وحيدة فقط:
- (يوسف)
بعدها لم أدرِ ماذا حدث!
- أفقت ونظرت حولي للغرفة البيضاء والملاءات البيضاء والممرضة البيضاء، أدركت أنني مازلت في المشفى سألتها عن حاله فأطرقت وفي ملامحها حزن ثم تمتمت معه والدته
سألتها:
- هل هو بخير؟
قالت:
- ادعي له. وانصرفت مسرعة ،قاومت إحساسي بالدوار ،تحاملت على نفسي حتى وصلت إلى الباب استندت عليه قليلا ،ثم واصلت السير في الممر المؤدي إلى غرفة العناية الفائقة، اصطدم بي الطبيب وهو في عجالة من أمره ،حاولت أن أستفسر منه ولكن ابتعد مسرعا ،تداعى إلى سمعي صوت صرخة عالية انشقت لها السماء، واقتلعت قلبي من مكانه ،تبينت بعد برهة أنها لأمه ،تسارع نبضي وخطواتي في اتجاه مصدر الصوت، رأيتها متكومة في الأرض، وتولول وتبكي بحرقة، لم تنتظر أن أسالها ،ولم أحتجْ أن تخبرني، بعدها سمعت صرير العجلات في أخر الرواق، و ممرضان يدفعان العربة التي تحمل الجثمان، اقتربنا منه نحن الاثنتان في لحظة واحدة، هزت أمه جسده الهزيل وقالت :
-له لماذا تركتني ماذا علي أن أفعل الآن بدونك، طبعت قُبلةً على جبينه لم تكن تشبه أي قُبلةٍ كانت بطعم الموت، تحاملت وأمسكت بأمه، وذهبنا حتى خارج المشفى.
- في الطريق من المشفى إلى المنزل نظرت إلى المدينة من خلف الزجاج، كان يكسوها الحزن، وكانت الأشجار المصطفة على جانبي الطريق تبكي وتتمايل في أسى ، دلفنا إلى الدار .
-كان ندي البشرة وحبات العرق مازالت تضيء وجهه، شيعه كثيرون، بدا كأن النعش خالٍ كأنه يحلق في السماء خفيفاً كسحابة ،ربما سيعود يوما ليمطر الأرض خصوبة وجمالا ، ذهبت خلفهم ،وبصوت مبحوح وخفيض تمتمت( اغرسوه) إتجهت إلى الاتجاه المعاكس، وأقلتني عربة من الطريق العام وسألني السائق الى أين أنت ذاهبة ؟أومأت برأسي ،ولم يعدِ السؤال ، طلبت منه الوقوف، وقف لم يسألني، ولم ألتفت،سرت ولم أكن أدري أن الحفاة على صراط الحب الأبدي ينتهون بالخيبة،سرت إلى المكان الذي تحملني قدماي دائما إليه مكان لقائنا الأول ،كان العشب قدِ اخشوشن وأصبح باهتا، والأتربة تعلو المنضدة الإسمنتية ،جلست قبالة البحر كانت أمواجه هادرة ويعلو زبدها الغضب، تداعت إلى ذاكرتي كل اللحظات الجميلة التي جمعتني به ،وذلك اليوم المشؤوم الذي أتاني فيه وعيناه محمرتان من الدموع، جلس إلى جانبي ،ولم تنبس شفتاه بكلمة وغادر في صمت مطبق. استمر الحال لمدة أسبوع، وفي كل مرة أسأله بلهفة وخوف يبكي وينصرف إلى حال سبيله ،حتى حدثته بنبرة عالية ومنفعلة ما حل بك أخبرني أو اتركني بسلام .
قال لي:
- بتمتمة وصعوبة كبيرة أنا مريض قلت له:
- وماذا في ذلك الكل يمرض مهما كان، مرضك سنجتاز ذلك أنت أقوى من أن يهزمك مرض، تدرك ذلك،ثم أردفت حتى لو كان السرطان نفسه، العلم تطور، أطرق منكسا رأسه ..
وقال :هو أكثر من كل ذلك
قلت له: بصوت منخفض قليلاً من المرة الأولى ما بك؟
قال:
-الإيدز ..
هكذا بصوت مرتجف، أحسست أن الدنيا تدور بي وقلت له:
باندهاش لم أخفِه ماذا !؟
لم يعدِ الكرة قلت له :وكيف قال :نقل إلي دم ملوث بعد مرضي الأخير وحوجتي لنقل دم، أسقط في يدي وبين هذا الحديث والآن تفصلنا الآلاف من السنوات والذكريات والعذاب والألم والمخاوف، حاولنا بكل الطرق أن نخلق لحظات سعيدة ونغير وتيرة القلق، والخوف ، بكافة الطرق ،غنينا أغاني الوعد فكان صوتنا أجشا ، ضحكنا على نكات كان آخرها مغلقاً ،قرأت له الشعر فكانت الحروف تتداخل مع نوبات الحمى والهذيان والألم الذين أظنهم المرادف الحقيقي للحب.
والآن لم يعد بإمكاني أن آتيه وثباً أو يأتيني بالورود ..
-لن أحتاج ترك الباب موارباً وأستمع لنقرات أصابعه التي تشبه الموسيقى،ولا أن نجلس في ظل المزاح نحتسي كأس الحب الرحيم،لم يعد كل شيء كما السابق، أودعته الأرض وقد انتهت كل الثواني المسكوب بدرها في كبدي،اختار ضيق اللحد وترك قلباً بسعة الكرة الأرضية.
-فتحت بأصابع مرتجفة الورقة المطوية، كتبت الحروف بخط دقيق ومتعرج..
"بعت منزلي واشتريت منزلاً في
الرحيل"
********
أميمة الحسن
