زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

مخالب فرو ناعم _ بقلم : أ. زينب بوخريص






 <<مخالب فرو ناعم>> 


***************


رنوت إلى الأفق الممتدّ بعينين جامحتين، عانقتا لونه الأرجوانيَّ الأخّاذ، عببت هواءً نقيّا لعلّني أطرد هواء المدينة القذر، الجاثم على صدري سنوات طوال... 
المدينة آه منها تلك العاهرة، مكمن كل الشرور و الآفات... التقطت عينايَ نسرا يحلق في زهو و خيلاء... مستعرضا جمال جناحيه العريضين متباهيا بمنقاره الذهبيّ البديع. 
قلت في نفسي:

-للطيور حظوظ ! 

أرنب رمادية اللّون لفتت اٌنتباهي -في تلك اللحظة- ناعمة الفراء تعدو على الأرض المتشحة بإزار أخضرَ قشيبٍ، بدت لي جذلى، إلى حدّ الغباء غير مبالية بقدر أسود ينتظرها...
لا أعرف لمَ ذكّرتني بنفسي فرأيتني مثلها نقيّة السريرة حدّ السذاجة، حالمة كفراشة هشّة...
كنت في ريفي الآمن، أعدو في براريه الوارفة، أحلم بعالم هزج تهزني أوتاره...
سافرت إلى المدينة لأدرس بالجامعة فاستبدّ بي العشق - ذات صدفة- جمعتني ب"نعمان" ذلك الطالب الجامعي بقسم التاريخ، آسر قلوب الفتيات، كان اٌستثنائيا في كل شيء: لانت له القوافي فنظم منها قلائد لؤلؤ و مرجان، دغدغت معانيها شغاف القلب الغرّ، فاٌنصاع لها صاغرا...
كنت أراه بعينيْ عاشقة: كائنا سماويا مرهف الإحساس، بريئا وعفويا كحمل وديع، مدافعا شرسا عن حقوق الطلبة والطالبات، يكره الظلم و يعشق الحرية...

كان يقول لي:

-أنت ملاك بحثت عنها في دنيا القصيد، رصّفت من أجلها الكلمات، و نظمت لها عقدا فريدا...
 تدغدغني كلماته العذبة، تتردّد صداها في ردهات روح ظمأى تترشف النفس من  شهدها قطرة قطرة لتصل إلى الوريد فيرتوي منتشيا حدّ الثمالة... 
حينها، يتمادى مرددا و قد أدرك ماأصابني من خدر لذيذ:
-أنت ملكي، لا أسمح لأحد أن يأخذك مني، ستكونين لي وحدي...
أطربني ظاهر الكلام، وغفلت عن معانيه الكامنة....
لم أستطع أن أنسى يومَ دعاني لتناول فنجان قهوة في شقته.

أمام ترددي أصرّ قائلا:

-هل تخافين حبيبك؟ أنت روحي وهل يمكن أن يؤذيَ الإنسان روحه؟
أجبته بدلال:
-لست خائفة منك وإنّما من شيطانك ههههه ألا يقولون "ما اختلى إثنان إلا و كان الشيطان ثالثهما". 
سأقبل دعوتك حتى لا تعتبرني جبانة...
تظاهرت بقبول الدعوة عن مضض، في حين أنني لطالما حلمت بلحظات نختلي فيها عن عيون الرقباء، نشرب قهوتنا العربية بمذاق الهيل على أنغام موسيقى ناعمة، يمطرني بوابل من كلمات العشق والهيام... ثم يطلب مني أن نرقص معا...سأرقص معه كفراشة حالمة، سأحلق حينها في ألفاف نشوة عارمة...
وسأخبره بصوت خافت كم أحبه... 
ما إن دلفت شقته، حتى لفت انتباهي صور أجساد عارية، بدت جدران الغرفة كحمام عربيٍّ يغصّ بالنساء العاريات:نساء بدينات و أخريات نحيفات...نهود شامخة و مؤخرات كبيرة...أفخاذ وأرداف ممتلئة.... انتابتني رغبة في الغثيان... 
لاحظ "نعمان" تجهمي و اشمئزازي، فأجابني مازحا:
صديقي الذي يشاركني المنزل مهووس بالصور، دعك منه الآن...
ولنستمتع بأننا معا...لكنّ مزاجي قد تعكر وأردت المغادرة...  غير أنّ نعمانا نجح في مسح استيائي بمعسول كلامه و لطيف عباراته... أخذ بيدي يريني ركنه الخاص به: صور بديعة و روائع فنية و أوسمة ثقافية....
قلت في نفسي كيف يجتمع شخصان مختلفان في بيت واحد؟
أيمكن أن يتجاور الهوس بالأجساد العارية مع الرقيّ و الإبداع؟ ألا يعتبر هذا نشازا؟
تحدثنا طويلا، ترشفنا قهوتنا، كانت لحظات ساحرة شعرت فيها أنّي محظوظة فقد أحببت قدّيسا... 
ما إن هممت بالمغادرة حتى تمسك بي كما يتمسك طفل بلعبته الأثيرة، حاول أن يستدرجني إلى سريره فاٌستعصمت... 
حزّ في نفسه أن أصمد أمام وسامته وَ معسول كلامه، فثار لكبريائه المكلوم، و سرعان ما كشّر عن مخالبَ وأنيابٍ حادّةٍ، ألقاني على السّرير بعنف واٌنقضّ عليّ كوحش ضار. لأوّل مرّة أراه دون قناعٍ، بدا لي وجهه الحقيقيّ مقرفا، بصقت  ملء فمي على وجهه الغادر، فلم يبال، وقد شغلته الشهوة وأسرته الرغبة الجامحة، وهو يراني أقبع تحته بلا حول مني ولا قوّة...و رأى نفسه في موقع القويّ و القادر فاٌستأسد... رددت في نفسي:
- لن أكون فريسة سهلة، تنمّرت و اٌستعملت أسلحتي الأنثوية، أنشبت فيه أظافري فغدت سكاكين حادّة، آلمته فكال لي سيل شتائم:
-سأنال منك أيتها العاهرة، تدعين الشرف، ما أنت إلا مومس رخيصة، وإلا لمَ قبلتِ دعوة شابّ يسكن وحده...
استفزتني وقاحته، فأجبته مشمئزة:
-أيها السافل،المنحط، كشفت عن وجهك القذر، كالأفعى تتسحب بنعومة، حتى إذا ما اقتربت من هدفها نفثت سمّها الزعاف...

أين قصائدك العصماء عن الحبّ النقيّ الراقيّ؟

استحضرت كلمات الغزل التي كان يمطرني بها، تهمي غزيرة، رقراقة... أين ذلك الفيض من الإحساس الجميل والمشاعر السامية؟؟  هل بخره لهيب الشهوة الغُلْمة؟ 
تساءلت محتارة:
-هل هذا هو نعمان، الشاعر الولهان، مرهف الحسّ، المدافع عن القيم والمبادئ الإنسانية السامية؟؟؟ 
 آه كم بدا لي قذرا وهو يلهث الآن وراء شهوة بهيمية، كحيوان في لحظة التزاوج، بل تراءى لي ذلك الحيوان أرقى و أنبل... 
قلت لنفسي مصممة:
-يالصفاقته! لن ينال مراده حتى وإن أرداني قتيلة...
تحيّنت فرصة اٌنهماكه في نزع ملابسي عنوة و أنشبت أسناني في يده، أوجعته فسدد لي لكمة كادت تهرّ منها أسناني... زاد اٌمتعاضي منه و تضاعف اٌزدرائي له، عندما لمحت كاميرا صغيرة مثبتة في زاوية الغرفة موجهة إلى السرير، و تأكدت أنها في وضعية اشتغال. لم أعرف كيف تمالكت نفسي ودفعته بقوة ليسقط مغشيّا عليه بعد أن اٌصطدم رأسه بعمود السّرير... فررت من الشقة كقطّة مذعورة، نجت لتوّها من موت محقق...
صوت النّسر يحطّ على فريسته بدّقة متناهية، و تصميم عجيب أخرجني من ذكريات شعثاء ترسبت في الذاكرة وأبت أن تغادرها، ورأيت الأرنب تصارع من أجل البقاء، رأيتها تذود عن نفسها، ولا أعرف كيف تمكنّت من الإفلات من قبضته القويّة لتعدو في البراري من جديد...


**********

زينب بوخريص

تونس

////////////////

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية