مكعبات سكر
*********
أفرغ جنوني على أوراقي، تلك الصفحات الصماء، لطالما سمعتها تبكي بسببي، تكلمت ذات مساءٍ تشتكي لحروفي قسوة أقلامي وكيف حولتها من صفحات كانت دائما بيضاء لأخرى سوداءَ، أثقلتها بالحزن وملأتها بالدموع.
أكتبك؛ بل أرسمُك وأحدثكَ عبرَها، فهي ملجئي الوحيد الذي يوصلني إليك منذ سنوات، أبوح لها بكل الحب المختبئ في دهاليز روحي.
أشتاق إليك، صرت أكرهُ النومَ أكثرَ من أيّ شيءٍ آخر، فأنت مقيمٌ هناك بين طياتِ جفني، تظهر حين يتعانقا، تسكن مقلتي، وتحيا في حلمي، وتحتل واقعي.
أتعلم؟ لمحتك مرةً تجلسُ تحت شجرة التين تقلب صفحاتِ دفترٍ قديمٍ بينَ يديك، ترفعُ وجهكَ وتضحكُ للشمس، فهل كنتَ تغازلُها؟
وأخرى؛ رأيتكُ تهمسُ للقمر، سمعتكَ تخبرهُ أمرًا، وصل لمسامعي فقط كلمة" لا تخبر أحدًا"!
لهذا استنتجتُ أنه سرٌ ما.
شاهدتكَ مرةً أيضا تمشي على شاطئِ البحرِ تضربُ الرّمالَ بقدميك كأنك تركلها، تستدير فجأةً للخلفِ وتحركُ يديكَ في الهواءِ كأنكَ تلكُمُ أحدًا، هل كان يتبعُكَ شبحٌ ما؟ أم كنتَ تقاتلُ طواحينَ الهواء؟
كنتُ أترقّبُ الساعةَ الخامسةَ بنفادِ صبرٍ من كلّ يوم، فأنتَ تعرُج على المقهى القريب من منطقتِنا بعد انتهاء ساعات عملك لتناول فنجان قهوتك الحلوة؛ نعم لا تتفاجئ أعلم أنها حلوة، بل وسكر زيادة مع بعض الحليب.
لطالما تمنيت أن أذوبَ في فنجانِك بدل مكعبات السكر
الأربعة، كنت فقط أكتفي بالنظر إليك من ذلك الركن المظلم في المقهى.
ومن خلال نافذة حجرتي المقابلة لنافذة بيتك والتي تعمدت إطفاء أنوارها كي لا ألفت انتباهك، رأيتك تصارع مقلاة بملعقة خشبية تركتها فجأة على الموقد وهرولت نحو الباب لتلبي نداء الطارق ، لكنك تلكأت هناك وأنا أراقب النار وهي تلتهم طعامك بدلا منك، لم يسعني سوى الضحك وأنت تعود مهرولا لإنقاذ ما تبقى في المقلاة، لكن من ملامح وجهك المتجهمة عرفت أنك ستبيت الليلة من دون عشاء.
تلك الليلة لم أنم أيضا وأنا ساهرة أمام النافذة أراقبك جالسا إلى مكتبك وعلى ضوء مصباح خفيف كنت تطالع كتابا، تبدو مختلفا وأنت ترتدي نظارتك الطبية لكنها برأيي زادتك وسامة، فكرت طوال الوقت عن عنوان كتابك ماذا يكون يا ترى؟
صدفة؛ وعلى زاوية الطريق وتحت زخات المطر كنت أجري وأنا أخبئ رأسي تحت حقيبتي الصغيرة التي بالكاد غطت القليل مني، لأصطدم بك على حين غرة وأنت قادم تجري من الأتجاه الآخر وقبل أن أقع في بركة الماء التي تمنّع الطّين عن شربها كان كفك الكبير قد أحاط خاصرتي ليمنعني من السقوط.
لثوانٍ حبست أنفاسي بعد أن سرقت القليل من رائحة عطرك دون أن تدري، اعتذرت وأكملت طريقك دون حتى النظر إلى وجهي، لحظتها فقط أدركت أني لم أكن مرئية بالنسبة لك، لم تشاهدني قط حتى أني تحسست جسدي لأتأكد من حقيقتي ومن شدة تأثري ارتطمت باحداهن عمدا، وحين هتفت انتبهي يا غبية لقد لوثت حذائي بالطين عرفت أني حية لدي جسم وروح، كان أصدق شيءٍ سمعته يوما" غبية".
أجل سيدتي أنا أغبى امرأة في العالم، طوال سنوات أحببت رجلا دون علمه، كان الله هو الشاهد الوحيد على معاناتي، كان هذا أغبى شيء قد يفعله أحدهم الوقوع في الحب من طرف واحد، الأنتظار على أمل زائف أن يقع هو الآخر في حبه.
شعرت بقلبي وقع مني هناك على الرصيف، لكني لم أنحن لالتقاطه، شاهدته يتخبط كعصفور جريح يلفظ أنفاسه الأخيرة، تقدّمت للأمام أجر قدماي جرًا ولم ألتفت للخلف، نظرت نحو السماء وقد انحسر الغمام وتوقفت عن البكاء، لكن وجهي ما زال مبتلا تحسسته بأناملي المرتعشة لأجدها دموعي الخائنة مسحتها بظاهر كفي وسرت على غير هدى حتى قادتني لباب المقهى المفضل لديك، ومن فوري دخلت واستدعيت النادل ليأخذني لصاحب المكان، أخبرته أني بحاجة إلى عمل، وحصلت عليه.
من يومها وأنا أهرول كلما شممت عطرك في المكان، أحضر لك فنجان قهوتك، أبتسم لك فتبادلني الإبتسام، وكم كنت سعيدة لأني حظيت بشرف إضافة مكعبات السكر الأربعة لفنجانك؛ لكنك لم تسألني يوما كيف عرفتي مقدار السكر في قهوتي؟
***********
تناهيد عبد الرحمن
تشرين الثاني/2018
