وما زال يدق كل عام....
عـلـى رصـيـف مـيـلاد...
*****************
دقَّ نـاقـوس العـام، كمـا كـلّ عـام! بنفـس الشهـر الـذي أخبـروه أنـه وُلـد فيـه، يقـف علـى حـافّـة رحيـل عـام من عمـره، واستقبـال آخر...
تتصـارع اﻷنفـس داخلـه، وتصـرخ كـلّ واحـدة تطلـب منـه شيئـاً مغـايـراً لمـا تـريـد اﻷخـرى...
انبـَرت النفـس اﻷولـى قـائلـة:
مـا بـك! دعـك من الحـزن والبـؤس، وحضّـر لحفلـة كبيـرة، ادعُ أصـدقاءك لهـا، عـش حيـاتـك وافـرح، وتلـقّ الهـدايـا لقـدوم عـام جـديـد...
قـاطعتهـا نفـس أخـرى قـائلـة:
حفلـة... حفلـة! أيحتفـل بيـوم مـولـده؟ إن لـم يكـن اﻷمـر بـدعـةً ومحـرّمـاً! فَـبِـمَ يحتفـل؟ بعـام آخـر نقـص من عمـره، بكـمٍّ هـائـل من الـذنـوب كُتـب في صحيفتـه، بـرحيـل عـامٍ لا يـدري سيعيـش بعـده أم لا؟
وبينمـا كـانت تلـك النفـس مستـرسلـة في الكـلام، اقتحمـت الحـديـث نفـسٌ ثـالثـة، وصـرخـت:
تبّـاً... ألا تتـركـوننـا نهنـأ بـالنـوم! كـلّ هـذا ﻷجـل مـولـده! ومن يهتـم بـه أسـاسـاً، حتـى يحتفـل أو لا؟ وهـل هنـاك بهـذه الحيـاة من يشـعر بغيـره، أرى أن تضـع عنـك الـدنيـا وأوضـارهـا، وتعتـزل البشـر وتخلـد للنـوم، فليـس هنـاك أجمـل منـه...
وبتـلـك اللحظـة كـانـت هنـاك نفـسٌ رابعـة تستـرق السمـع؛ نظـرت إليهـم شـذراً واستطـردت قـائلـة:
مـا بكـم أقمتـم الـدنيـا، وهـل من داعٍ لكـل ذلـك الهَـرْج والمَـرْج، هـو يـومٌ كبـاقـي اﻷيـام، وإن كـان وُلـد فيـه فليـس سـوى رقـم أُضيـف إلى البشـر دون فـائـدة!
ارتـجّ رأسـه من حـديـث تلـك اﻷنفـس، تـركهـم يتصـارعـون فيمـا بينهـم، وخـرج إلى الشـرفـة، إنـه منتصـف الشهـر والقمـر قـد أنـار واستـدار كـالعـروس ليلـة زفـافهـا، وحـولـه النجـوم كمـا الحـراس على بـاب الملـك...
تـأمّـل السمـاء مليّـاً وذهـب بخيـالـه بعيـداً إلى البحـر _صديقـه المخلـص_، كـم تمنّـى أنْ يكـون مستـرخيـاً على شـاطئـه ليُلقـي من على كـاهلـه أثقـال عـامٍ مضـى، ويستقبـل عـامـاً آخـر...
كـم تمنّـى أنْ يغمـض عينيـه ليبـثّ حـروفـه ﻷمـواجـه، فيـدفنهـا عميقـاً كمـا يـدفـن اللـؤلـؤ والمـرجـان، ويستنشـق من نسيمـه العليـل هـواءً نقيّـاً يُخلّصـه من سمـومٍ مﻷت رئتيـه على مدى عـامٍ كـامـل...
كـم تمنّـى أنْ يستمـد من هـدوء البحـر القـدرة على مـواجهـة صخـب الحيـاة، ومن عمقـه الصبـر على الصعـاب وتحمّـل اﻵلام دون شـكوى...
رفـع رأسـه عـاليـاً في السمـاء، ولسـان حـالـه يقـول:
يـا رب... اجعلنـي في هـذا العـام أقـرب إليـك.....
*********************
ميساء محمدصلاح خياطة
