قراءة للقصّة القصيرة"برزخ" للكاتب التونسي علي خالد
بقلم الأستاذ الطيب جامعي- تونس
العنوان
"بَرزَخ" (اسم)، الجمع : برازِخُ. البَرْزَخ : الحاجز بين شيئيْن، البَرْزَخ ما بين الموت والبعْث، فمن مات فقد دَخَل البرزخ.
(الجغرافيا) قطعةُ أرضٍ محصورة بين بحرين موصِّلة بين أرضين، برزخ قناة السويس..."(جامع المعاجم).
هذا من حيث المعاني المعجميّة دون النّظر في صلتها بمتن القصّة. و لنا أن نتساءل عن طبيعة الوشائج الّتي تربط العنوان بالحكي عموما: فأيٌّ من هذه المعاني يصلح للنّصّ؟
من هنا تأتي الرّغبة في التهام هذه "الوجبة السّرديّة" للتعرّف على طبيعة هذه العلاقة و كنهها.
المتن
و بترك العنوان إلى المتن يمكن أن نقف عند العناصر التّالية.
1- الفكرة العامة:
القصة باختصار حكاية شخصيّة وجدت نفسها مطرودة من موطنها مسقط رأسها مشرّدة بسبب المحتلّ الذي اتّبع سياسة التّهجير القسري حلّا لكسر شوكة المواطنين و المناضلين أو طمعا في خيرات الجهة. و من غير المستبعد أن يكونا الاثنين معا.
2- الشخصيّة الرّاوية:
باعتبار السّرد حكيا لخبر فإنه يتطلّب راويا وشخصيّات تتحرّك. و باعتبار النّصّ قصّة قصيرة فلنا أن نتساءل عن الشّخصيّة الرّئيسيّة التّي تتركّز حولها جلّ الأحداث و الشّخصيّات المصاحبة.
منذ البداية يقع الإفصاح عن الشّخصيّات الفاعلة في القصّ " أذكر جيّدا ملامحه و هو يحدثني...". إذن الشّخصيّات اثنتان.
- "الأنا"/ الرّاوي.
هي قناة السّرد الرّئيسيّة التي وصلتنا من خلالها الأحداث و الخبر بصفة عامة، هي الوعاء الذي يستوعب كامل الوجبة السّرديّة. كانت حاضرة من البداية( أذكر جيّدا...) إلى النّهاية( قرّبها... استنشقها... قبّلها...) و تتخلل النص في مواطن كثيرة( سكت محدثي قليلا.../ اهتدت يده.../ انتبه محدّثي....) و أحيانا بفقرات كاملة.
الملاحظ أنّ هذه الشّخصيّة الرّاوية تبدو، ربّما على خلاف ما تريد أن تظهر عليه، متأزّمة، أو على الأقلّ تشكو نقصا ما.
( علت وجهه مسحة من الحزن الدّاكن...)
هذا الوصف و إن تعلّق بالآخر/(الهو) فهو قد أحدث نقصا نفسيّا معنويّا في هذه الشّخصيّة، و أخلّ بالهدوء/ التّوازن الذي تعيشه، و لذلك نرى أنّها بسرعة تحاول سدّ النّقص من خلال تهيئة الأجواء المناسبة للآخر للإفصاح عن علّة ذلك الحزن الدّفين في أعماق أعماق النّفس.
(اكتفيت بعلامات الاهتمام و حسن الإصغاء، و قرّبت علبة التّبغ من مرمى يديه...)
ثمّ من خلال الرّغبة الملحّة في عدم قطع حبل الذّكرى الكاشف و دفعه للمواصلة.
(غيرأنّي خيّرت الصّمت كي لا أفسد هذا الانسياب العجيب الذي ما ظفر به أحد قبلي...)
و
( انتبه محدّثي إلى عينيّ الشّاخصتين في أسفل ركبته الدّكناء)
فلم يكتفِ الرّاوي الرّئيسيّ بتهئة الأجواء المناسبة لقدح زناد الذّكرى و التّذكّر بل كلّما خاف قطع ذلك الحبل دفعه دفعا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى المواصلة.
هذه الشّخصيّة الرّاوية تنتمي إلى السّارد العليم، إذ هي تعرف ما ظهر من الشّخصيّة و ما بطن.
(أدرك تماما نهمه إلى اللّفافة/ أدركت غرضه غير أنّي خيّرت الصّمت...)
و لكلّ ذلك تبدو سطوتها قويّة على الآخر. غير أنّ هذا وجه من المعادلة لا غير، أمّا الوجه الثّاني فهو ترك المجال واسعا لل"هو" للتّحرّك بحرّيّة مطلقة لمّا أوكلت إليه مهمّة الرّواية و السّرد نيابة عنها، و في ذلك إيهام بصدقيّة الأحداث كنوع من أنواع الواقعيّة. و من ثمّة فنحن إزاء شخصيّة ثانية راوية.
- ال"هو"/ الرّاوي:
شخصيّة تبدو مجهولة، غير معروفة الاسم و النّسب. تسرد أحداثا تتعلّق بها أساسا، عُرِّفَت من خلال:
* مقاطع الوصف التي خُصَّتْ بها. فهي ذات( ابتسامة خفيفة) و ( عينان ذابلتان)... إلى غير ذلك من الوصف التّعريفيّ و هو في مواطن كثيرة.
* الأفعال المسندة إليها( انعزاله عن النّاس/ يكتفي بحضور صلاة الجنازة/ يتلو ما تيسّر من الذّكر الحكيم...)
* الأقوال، و هي كثيرة، فقد خصّصت لنفسها مفاصل كثيرة من النصّ، و حيّزا فاق ما خُصِّص للرّاوي الأوّل. و من الممكن أن نشير إلى آخر قول أسندته إلى نفسها.
( عفّروا أنفي بها حين تفارق الرّوح الجَسد... و ضعوا ما تبقّى تحت رأسي ففيها روح من طيب الجنّة).
عموما تبدو هذه الشّخصيّة منذ البداية غريبة مستفِزَّةً، فهي قد احتفظت بسرّ دفين طوال سنوات عديدة، أضف إلى ذلك طبعا سلوكها الغريب وسط بيئة لها أعرافها و تقاليدها، و قد سبقت الإشارة إليها.
الواضح أنّ تأزّما / نقصا عميقا تعيشه هذه الشّخصيّة في الوقت الرّاهن، و لذلك وجدت في الهروب إلى قسم من الماضي نوعا من التّعويض و التّنفيس النّفسيّ. فنجدها لا تكتفي بمجرّد استرجاع لوحات من الماضي و سردها سردا عفويّا، بل نجد في هذا الماضي تلذّذا و استمتاعا، لكأنّها تعيش ذلك الماضي التّليد من جديد.
و هو تأزّم في مستويات عديدة:
¤ مستوى اجتماعي. فهي في أرض غير أرضها، بين أناس غير ناسها بعد أن فقدت الكثير منهم.
¤ مستوى نفسي: فالغربة و الهجرة طبعا تلك النّفس بطابع من الحزن و الكآبة التي تغلغلت عميقا، و بقيت مصاحبة لها سنوات طويلة، فخيّرت العزلة عن النّاس و الوحدة.
¤ مستوى اقتصادي: فالشخصيّة نجدها، بقصد، تجهد في تذكّر ممتلكات العائلة المفقودة.
( خمس و ستون نخلة و عشرة أصول زيتون، و مثلها من التّين و ثلاثة و عشرون أصل رمّان و ستّة كروم من العنب).
¤ تأزّم وجودي: و يتجلّى في فقد الأهل و الأحباب، بل هدّد الرّصاص حتّى كينونتها و وجودها ( فتك الرّصاص بأهلي و صحبي و أترابي... و خرّب ساقي اليمنى).
و السّؤال يبقى عن علّة هذا النّقص / التّأزّم المركّب. تأتينا الإجابة على لسان الجدّة و هي تخاطب حفيدها( الذي هو الرّاوي طبعا) حين تقول( أتعرف ما هذه يا بنيّ؟... إنّها السبيل الوحيد الذي يجعلك تعيش رافعا رأسك. لا ينبغي أن تضيّع منها واحدة. مكانها في صدر عدوّك).
الأمر إذن يتعلّق بمعركة تحرير و نضال ضد المحتلّ الذي قابل كلّ ذلك بكلّ أصناف التّنكيل المادّيّ و المعنويّ.
3- الحبكة:
حبكة جيّدة جاءت متنامية متطوّرة دون شعور القارئ بالملل. صيغت بأسلوب راوح بين الحديث عن الواقع الآني و الالتفات إلى الوراء دون تكلّف أو زيادات تذكر، أُفرِغت في لحظة التّنوير الرّئيسيّة لمّا أُحِيط بكلّ الجوانب التي أجابت عن أسئلة الرّاوي- الأنا الأساسيّة، و هي في الوقت نفسه أسئلة القارئ( لماذا هذا الحزن الدفين؟ و ما سرّ السّاق اليمنى؟).
4- الزّمان/ المكان.
عموما لا الزمان و لا المكان وقع تحديدهما بدقة.
* الزمان: يمكن أن نفرّق بين زمنين: زمن الخطاب و زمن القصة، ولو أنّه يصعب وضع هذا الحدّ حقيقة للتّماهي الكبير بينهما في كثير من المواطن.
¥ زمن القصّ/ الخطاب: هو الحاضر، و هو الزّمن الذي اتّخذه الرّاوي( أنا) وعاء للخبر . نلاحظ ذلك باستعماله لصيغة المضارع المرفوع" أذكر جيّدا....). و هو حاضر لا نعرف عنه الشّيء الكثير، سوى أنّه بعد حادثة التّهجير القسري و التي لم تُذكر صراحة. فهل زال الاحتلال؟ و إذا كان ذلك بالفعل فلمَ لم تعد الشّخصيّة المهجّرة إلى بلدتها؟
و يتحوّل زمن الخطاب في حدّ ذاته إلى زمن الحكاية في كثير من الأحيان كما ذكرنا، ولاسيما في المقاطع التي تتناول تلك الشّخصيّة بالوصف و المتابعة، من ذلك
(افتر ثغره عن ابتسامة خفيفة.../ أمسك مروحة السّعف بيمناه.../ سكت محدّثي قليلا...)
¥ زمن الحكاية: و هو أساسا الزّمان الماضي و قناته الذّكرى في شكل سرد استرجاعي، و بتواتر للنّاسخ الفعليّ" كان" بصيغ مختلفة.
( كنّا نعيش حياة بسيطة.../ و لم نكن نحتاج إلى أكثر من ذلك.../ كم كنت أسعد بحلوله.../ لم أكن أعلم حينها أنّ مرارتها...)
لعبة الزّمان، و إن لم يكن دقيقا، لعبة أجاد الكاتب استخدامها و توظيفها. فالماضي رمز لكل ما هو جميل في الحياة، بل هو الحياة ذاتها في مختلف تمظهراتها الاجتماعيّة و النّفسيّة و الرّوحيّة.... أما الحاضر فهو على النّقيض من ذلك: رمز للذّلّ و الوحدة و الكرامة المهدورة... هي مرحلة بين الحياة و الموت: هي البرزخ الذي جعله الكاتب عنوانا لأقصوصته هذه. فالشّخصيّة حيّة-ميّتة/ ميّتة-حيّة.
و للزّمان عند الكاتب، على ما نزعم، وظائف أخرى. فهو وسيلته لاستكناه خصائص الشّخصيّة و مشاعرها. فالماضي عنوانٌ للّذّة و الاستمتاع و التّنفيس حينا، و كشف لأدقّ خصائصها الاجتماعيّة و المظهريّة و الجسديّة... حينا آخر. أمّا الحاضر فتعبير عن مدى الضّيق الذي تعيشه في الحاضر، و الوحدة و الكآبة. و الحاضر كشفٌ لبؤرة التأزّم بداية، و انتهاءً بأمنية هي نوع من محاولة إعادة التّوازن المنشود و إن في القبر.
( عفّروا أنفي بها حين تفارق الرّوح الجَسد... و ضعوا ما تبقّى تحت رأسي، ففيها روح من طيب الجنّة).
** المكان: كما الزّمان، لا إطار محدد بدقّة. و هما أساسا اثنان، يمكن أن نقف على بعض ملامحمها الهلاميّة العامّة.
¤مكان التقاء الرّاوي(أنا) بالشّخصيّة المهجّرة. و هنا وقع الحديث عن القرية، المقبرة... ولكن بقي مجهولا.
¤ مكانُ ماضِي الشّخصيّة المهجّرة: و هنا نجد الحديث عمّا يلي:
واحة صغيرة/ صحاري التّيه/ الحوش...
جاء الحديث راسما لصورة معيّنة، فكأنّ الكاتب يشير إلى بلاد الجريد، لاسيما عندما يتحدّث عن عادة سائدة هناك و هي تنظيم السّقي للمقاسم الفلاحيّة في ما يعرف ب "الظمي"( و ظمي كل أسبوع عداده خمس ساعات لا غير).
و للمكان وظائف أيضا لا تختلف كثيرا عن وظائف الزّمان.
عموما قصّة مميّزة لم يقع تحديد إطار مكانيّ محدّد لها قصدا لتكون نموذجا لقصص الاحتلال و ما يمكن أن يرتكبه من ممارسات بشعة في أيّة رقعة من البلاد العربيّة.
كل الاحترام للمبدع علي خالد.
**************
ملاحظة: تبقى هذه القراءة ذاتيّة من بين قراءات ممكنة.
*******************************
النص
برزخ .
أذكر جيدا ملامحه وهو يحدثني عن سر حياته الذي احتفظ به في صدره كل تلك السنوات .افتر ثغره عن ابتسامة خفيفة التمعت لها عيناه الذابلتان وعلت وجهه مسحة من الحزن الداكن . حك أرنبة أنفه المقوس كالسيف بسبابته اليمنى ثم مسح بكفه شاربيه الغليظين. وزاغت نظراته في فضاء الغرفة . لم أشأ أن أفسد عليه شخوصه العميق وأدركت أن محدثي قد طلقته الأرض و فارق الزمان يطويه القهقرى الى أرض غير الأرض وزمن غير الزمن. اكتفيت بعلامات الاهتمام وحسن الاصغاء وقربت علبة التبغ من مرمى يديه. أدرك تماما نهمه الى اللفافة كلما طلق النعاس أجفانه وشرد في الفضاء الرحب كما يفعل الآن. أمسك مروحة السعف بيمناه وغرزها في وسادة استقرت تحت ركبته اليمنى . ثم تنحنح وقال :
"كنا نعيش حياة بسيطة غاية البساطة . نخزن المؤونة التي نجنيها على امتداد السنة مما تدره علينا واحة صغيرة تتغذي كغيرها من واحات الأعمام من عين جارية تنبع من أعلى هضبة مجاورة . خمس وستون نخلة وعشرة أصول زيتون ومثلها من التين وثلاثة وعشرون أصل رمان وستة كروم من العنب وظمي كل أسبوع عداده خمس ساعات لا غير ان احتجت رويت بها شجرك أو رويت بها ما أعددت من أحواض الفلفل والخضر وعرائش الحناء تلك ثروة العائلة كلها .ولم نكن نحتاج الى أكثر من ذلك فالقمح والحنطة والشعير يقايضها جدي مع صديق قديم من واحة من تلك التي تتزين بها صحاري التيه كالنجوم تؤنس وحشة الضاربين في الارض . يحل بيننا في مطلع كل خريف محملا بما تطيق حمله ثلاث من النوق فيقضي معنا موسم جني التمور ويعود بها من حيث أتى محملة بأجود ما تجود به جنتنا من التمور وقطيع من الماعز مما زاد عن حاجتنا يدفع ثمنها نقدا لجدي .كم كنت أسعد بحلوله بيننا وكم كان يشجيني صوت شبابته تسيل منها ألحان عذاب .وكم مرة شاهدت جدي وقد اغرورقت عيناه كلما رافق صديقه نايه بترنيمة من صوته الشجي . ...ايه كم كانت جميلة تلك الأيام ...لقد مرت كالحلم الجميل ..كطيف من تهوى".
سكت محدثي قليلا . بحث بيمناه حوله . أدركت غرضه غير أني خيرت الصمت كي لا أفسد هذا الانسياب العجيب الذي ما ظفر به أحد قبلي . لقد عرف بين الجميع ببعد غوره وانعزاله عن الناس فلم يره أحد من أبناء عمومتي يحضر عرسا من الأعراس أو مناسبة من المناسبات الكثيرة التي تحفل بها القرية في سنوات الخصب خاصة . وحتى المآتم فقد كان يكتفي بحضور صلاة الجنازة وتعزية الحاضرين في المقبرة من أهل المتوفى.واذا صادف أن منعه مانع من حضورها فانه يتجه فور قدومه الى المقبرة يجلس عند الشاهد يتلو ما تيسر من الذكر الحكيم ولا يفارق موضعه الا وقد ابتل شارباه بالدمع . كان يحرص على ذلك حرصا لا مزيد عليه . استغربه الناس في البداية وألفوا حوله القصص ثم ألفوه حين لم يظفروا بما يشفي غليلهم منه ف"القلوب صناديق أسرار قد تضيع مفاتيحها حتى على أصحابها " كما يردد دائما ليقطع الطريق أمام اللجوجين منهم.
اهتدت يده الى علبة التبغ أخيرا .أشعل اللفافة وتابع التهامها في نهم لم أره فيه من قبل .ولم ينبس ببنت شفة ولا أنزل يده من مداعبة شاربيه بين النفس والنفس . ربط عقبها بأختها وجذب نفسا عميقا .
ثم حمحم و أضاف :
"آخر مرة زارنا فيها صديق جدي لم تكن الجمال محملة بالقمح والشعير فحسب . لقد رأيت جدي يسارع بادخالها الحوش حيث تبرك الجمال ثم يستل من كل غرارة ثلاث بنادق حتى كدس في صندوق ملابسه بعد أن أفرغه من محتوياته ما يزيد عن العشرين منها. وقد رأيت جدتي تستخرج من أكياس الشعير اسطوانات صغيرة لامعة التقطت احداها لأتمعن فيها جيدا فافتكتها مني وضمتني الى صدرها قائلة ..أتعرف ما هذه يا بني ؟..انها السبيل الوحيد الذي يجعلك تعيش رافعا رأسك...لا ينبغي ان تضيع منها واحدة مكانها في صدر عدوك ...أفهمت ؟ لم أفهم من كلامها شيئا ساعتها غير أن الرصاصة أعجبتني برأسها المذبب وظهرها الاسطواني وهذا الخاتم الذهبي في ذيلها ...لكنها لا تشبه التمرة في طراوتها ولذتها ونقائها حين تبين لك النواة دون فتحها ...هرعت الى البراح دون ان تفطن جدتي اني لا زلت أحتفظ بالرصاصة ...اختليت في ظل شجرة لوز كبيرة أمام الحوش ...بحثت عن حجرين أصمين وشرعت أعالج الرصاصة محاولا تخليص الخاتم ليكون هدية لأمي ...طرقت بلين أولا ثم تسارعت الضربات لكن بلا جدوى ...غيرت الحجر بآخر محدب حاد ...طرقت بقوة وفجأة أصبت سبابة يدي اليسرى قبضتها بسرعة وألقمتها فمي مغالبا ألما مبرحا... شعرت بطعم الملوحة في ريقي ...جذبت اصبعي فاذا الدم يسيل بغزارة ....غمسته في التراب وحبست دمعتي وكتمت أوجاعي مخافة أن يفطن بي أحد...وبعد لأي انفلقت الرصاصة نصفين فاذا في باطنها مسحوق أسود أشبه برماد الموقد...عركته بين أصابعي شممته فاذا رائحته تزكم أنفي ويشتد لهاعطاسي ...تذوقته...اممممم بفففف ما أمره...شتان بينه وبين مذاق رحيق جنتي ".
انتبه محدثي الى عيني الشاخصتين في أسفل ركبته الدكناء...حول بصره الى الأرض ثم واصل :
" هه ..لم أكن أعلم حينها أن مرارتها ستجاوز اللسان لتستقر في القلب ...فتك الرصاص بأهلي وصحبي وأترابي ...وخرب ساقي اليمنى...وها نحن نقبع كما ترى بعيدا عن واحتنا يفطر قلوبنا الحنين وتمزقنا الذكرى وتأكلنا الهواجس وتفنينا الأيام ...وتزداد المسافة اتساعا بيننا وحلم العودة الى حضنها الدافئ...ليت العمر يجود بيوم أو بعض يوم نقبل فيه ترابها العابق ونستنشق ملء صدورنا عطرها الندي ."
تناول من تحت ركبته بيد ترتجف صرة مطرزة من قماش نفيس . ضمها بين راحتيه بلهفة . قربها من أنفه استنشقها برهة من الزمن ثم قبلها و قال " لا تنس وصيتي ..هه ...عفروا أنفي بها حين تفارق الروح الجسد ....وضعوا ما تبقى تحت رأسي ففيها روح من طيب الجنة ."
#علي_خالد
تونس
