زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

تقرير طبّي....بقلم: أ.محمود حمدون

 تقرير طبّي 

بقلم: أ.محمود حمدون



رماني الطبيب بنظرة نارية , ثم ألقى بعبارة من بين أسنانه: للسن أحكام ينبغي أن نراعيها , يبدو أنك هجرت الرياضة منذ أمد بعيد , كان يحدّثني ورأسه غارقة في أوراق التحاليل الطبية العديدة , مؤشرات ومتوسطات ورموز طبيّة فهمت بعضها وأعيتني قريحتي في قراءة الباقي منها ,فتركتها على أمل أن يهدّئ من روعي , فلما التقيته , حسم رأيه بغلظة : ينبغي أن تسير ولفترة طويلة يوميًا , لا تلك المشية التي يفعلها القوم التي يغلب عليها الدعة , بل هرولة كأنك تجري وراء لقمة عيشك , أو كأنك تفرُّ من هائم يترصّدك ..

لطالما كرهت الأطباء وعياداتهم , تلك اللغة التي يتحدثون بها كأن الحياة والموت يتلاعبون بهما بين أصابعها , لطالما مقتُّ أن أكون لقمة طريّة بين يدي خبّاز بينه وبين الجحيم قيد أنملة ..

استمعت للطبيب الذي يقاربني عُمري , وقد ابيّض شعر رأسه وأحنى هامته قليلًا ليوعزّ إليّ أنه يعلم ما لا أعلم .

أجبته وأنا أتفحّص وجهه أبحث عن ذلك الرجل الذي قابلته منذ عشرين عامًا وتزيد , فلم أر سوى وجهًا صلدًا ونظرة حجرية ترسل شواظًا , لم ينتظر ردًا منّي على عرضه بضرورة ممارسة الرياضة , إذ وقف مدُّ إليّ بتقاريري الطبية , قائلًا بلهجة لا تحمل إلاّ ودًّا مصطنعًا : ألف لا بأس عليك , ثم انكفأ على بعض شأنه ..

اعتدت بعد تلك الزيارة أن أخرج قبيل السادسة مساءً , أقطع شوارع المدينة الغارقة في الصمت , المتاجر مغلقة , خيّمت سحب الخوف على المدينة , فتوارى الجميع ببيوتهم , تخلّى الحكماء عن شجاعتهم , بات كل فرد يلوذ بنفسه , يرمون من يسير وحده بالجنون , سمعت امرأة من شرفة بينها تدعو على الوباء علانية , بينما أقسم شيخ يهرول جواري من الجهة الأخرى من شارع " الصاغة  الرئيس : تالله لو كان الوباء رجلًا لقتلته , غير أنيّ لا أراه ولا أدري أين هو , ثم ارتفع صوته في غلظة بعثت في الأزقة الميّتة على الجانبين جذوة حياة توهّجت لحظات قليلة : من يعرف مكانه أو رآه من قبل فليدلّني عليه .!وقد بدت بعينيه شجاعة لم أرها في عيون القوم منذ سنوات بعيدة .

كنت أسير يشغلني ما بداخلي عمّا يحيطُ بيّ , ألملم شتات نفسي عيون تتلصص على المارة على قلّتهم , مآقي تحمل سؤالًا وحيدًا أدركته : ماذا تفعل ؟ ألا تخشى الوباء ؟!

كنت على وشك أن أجيبهم , وأقول لهم : بل أهرب من قدر إلى آخر , لكنّي كنت وقتها أعمل بوصية الطبيب و أهرول حتى قطعت شوطًا كبيرًا , غمرني عرق كثير وصوت الشيخ الشجاع يطنُ في أذني ,ويتردد صداه بين أبواب المتاجر المغلقة ونحيب نسوة يأتي من بعيد .

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية