احذرني..
******
دوماً نظرتهُ كانت للبعيد؛ للأعلى.
أنا فقط جَهلتُ نهاية حُدوده.
كنت متيمةً بحضوره ..
كلماتهُ لها نكهةً خاصة..
أنفاسهُ لها عطرٌ مُميز لا يتكرر، كحقلِ رُمّان..
لم أعشقه يوماً كأنثى..
عشقتُ البريق المستتر خلفَ بؤبؤ عينيه.
أحببتُ كلّ ما هو عليه؛ وفَقط ..
جذبتني أيقونته المبهرة ..
فكرهُ الناضج؛ ثَقافته ..
اجتهاده، سعيه، طموحه المحلّق كطُموحي؛ لا شيء يُوقفه ...
ضحكتهُ المدوّية؛ إن أصابتك تفجرتَ سعادة ..
خانني عُنفوانه السافر.
لَحقت به تحتَ تهديد الغباء .
لم أكن أعلم أن لقائي به سيكون لحظة وداع.
نهاية قصة مبتورة.
تمنيتُ لو أمحو ذلك اليوم من ذاكرتي، فهو كعتبة على حافتها كُتبت عثرتيّ الأبدية.
من يومَها غدا قلبيّ أعرجاً..
حتى وتيرة أنفاسي، باتت معوجة تجرجرُ خيبتها..
أخذني لسمائه؛ جَولني بين نجومه وشهبه؛
أرجحني بخيوط الشمس؛ تناسيت حينها حقيقتها، فهي إن لمستني أحرقتني ..وإن ابتعدت عنها بتُّ في شتاءٍ لا ينتهي .
لم أخمن أن آخر رشفة خمر له من كأسهِ سوف تكون هاويتي؛ فيسقطني.
انتهت الثمالة ..
ف.ر.ف.س.ن.ي ..
فعلاً ..هكذا تسمى، رفسة.. أنتِ لا تعني الكثير وكبريائكِ لا يهمني ..
نَبذني مِن حياته كما يلفظ البحر عشبة، تعلقتَ بجوفه، تبحث عن الدفء..
كصدفةٍ جوفاء، على شاطيء الوحدة، تَركها؛ ولا شيء في جوفها إلا صدى صَوته ...
لا شيء آخر سوى الدمع؛ مالحاً يُحرق تشققات روحها ..
الآن أنا لا يهمني كيف مضىٓ!!
يوماً ما سأنسى نُعومة سحاباته ..
فقط أسأل نفسي: كيف سنبدأ من جديد ؟؟
حتما لابد أن نلتقي.
حبذا لو نولد من جديد ..
أن نعانق الدنيا بصرخاتِ تمردٍ حقيقية ..
لنبدأ صفحة بيضاء نقية، لا تشوبها المشاعر الزائفة.
تلاحمت أكفنا في دنيا اللا واقعية ..
أ أنزف أوجاعي على الورق، كلمات يزينها الشجن فقط ؟؟
أ أننثر توبتي على أرضٍ طهور، وما زلت لا أعلم بما أذنبت!!.
أم أنها صفعة مؤلمة، تردي الخطيئة وتنهيها!!
أهكذا تبرد المشاعر المختلطة !!
ولكن ما بال العقل والقلب اجتمعا سوياً على ذاتِ الوَجعة!!
تمنيتُ لو أُسلب الإرادة كاملة؛ فتسوقني قدماي لهاويةٍ منحدرة؛ وأفقد فيها السيطرة تماما
كما يَومها..
فكما كانت البداية؛ نهاية ..
لربما النهاية تفتح أفقاً؛ جديد ..
صفحةٌ جديدة لا ماضٍ لها ..
أنثرُ فيها كلمات شعرٍ، لا رثاء ..
ربما تُزهر كَلماتي بستاناً من الحُرية، لا قيود من الماضي تكبلها ..
ربما أطبع قبلة غرام، على حافةِ رسالة ..
أو أبتسمُ لأغنية غزل ..
لكن ..
ويحي من الأثنين يمنعاني؛ ويعيداني لذات العتبة الملعونة.
تَسلّطت النجوم عليّ؛ أسمعها تُعاقبني ..
كيف أنسى؛ والجرح غائر في كلّي ..
كل يوم يزداد عمقا؛ جارفاً معه كل حنيني وحناني ..
أما ثقتي؛ فقدتها يوم تكيفت مع عرجِ نبضي..
فقدتها يوم ضمني الأمل بذارعيه، وتراقصت معه، على أرضٍ خشنة ..
أرهقني قَدري .. وأُغشيّ عليّ من النَصيب ..
توقفي!
افتحي كفيك قدر سعتيهما.
هاكي يا ابنتي ..
حباتُ من أمل، عشق، وبعض الفرح؛
انثريها على جراحك؛ لتُسقى بِدمكِ ..
غداً يجف قَيحك ..
ويزهر كلّك؛ رياحِين من طيبة، حنان وسكينة ..
عفواً:
من أنت سيدي ؟؟
أنا .. أنت ِ ..
كيف وانا لا اعرفك !!
سمعت صدى صوتك يناديني .. أن أمسك بيدي ..
ابتسمت له ..
لكن أين كنت يا سيدي يومها؟؟
يوم كنت أتعربد مسلوبة الارادة..
يوم فقدت بعضي ..
أين كنت يومها ؟؟
ألم تسمع صرختي ؟؟
كان الظلام حالكاً؛ كأني استغيث من جوف العماء..
ها أنا هنا الآن أَجمعك؛ وأطيبُ المقامَ لكِ لتهنئي ..
فلا تفزعي، ياصغيرتي.
تريّثتُ لِعبرةٍ حتى مَرّت..
ثم لحقت دون أن يُزهر بُستاني.
دوماً تخونُني أفكاري..
فانتظرت .. وانتظرت؛ في النهاية لملمت له بذوره السحرية ..
خفت أن تُشوه براعمها بقيحِ ذاكرتي، فهي لا تَلتئِم ..
أعدت له حباته؛ علَّه يبذُرها في أرضٍ خَصبة..
وضعتها في حِجر كَفه؛ قبّلتهُ باحترامٍ يليق بفرسانِ الزمنِ المنصرم.
قررتُ أن أضمَ عذابي بين أضلعي.
سأُداوي جُروحي، بأناملي، وحدي ..
أحضرت القزّ؛ نثرته على بعضي؛
كونت شرنقتي الحرير؛
أنتظر جناحيّ .. غدا سأتعلم أن أطير لسماء من آلمنى وآذاني.
فألمحه من حدودِ سمائه ..
وأرمقه بنظراتٍ جارحة..
فلا يعرفني ..
وإن سألني من أنا؟؟؟
سأعلمه كيف أنه انتهى ومعه كل الحنين .
كيف لفظته بين أحشاء ولادة شجاعتي..
سأعلمه أن يقتل فريسته قبل رفسها؛وإلا استجمعت قواها .. وطاردت سماءه الزائفة ..
حينها سيدرك أني الندم، بجناحين .. فاحذرني يا من كنت يوماً... تطير.
********
مي عبدالحميد
السودان
