مقال
______ صينية البطاطس ______
حقًا... إنها رائعة... رائحتها كفيلة بأن ينمو خلف كتفيك أربعة أجنحة لتنطلق بهم فتخترق الغلاف الجوي، أما عن مذاقها فحدّث ولا حرج. حبات البطاطس الطازجة المغطاه بالتوابل والكثير من عصير الطماطم، والويل كل الويل إذا جاورها طاجن الأرز المعمر والسلطة الخضراء التي تُجسد الجمال بألوانها ومذاقها، وبالطبع لا تخلو المائدة من المخللات، خيار. ليمون. لفت. جزر. وعلينا أن نقف احترامًا للفلفل المخلل، وإذا كنت من هواه الغوص! فعليك بصحن المرق اللذيذ في الافتتاحية، أما إذا كنت _ككاتب المقال_ ممن يعشقون العصائر والمشروبات الرمضانية؛ فعليك بالتمر والخشاف وقمر الدين، ولا ننسى المظلوم؛ ذلك المسمى: عرق سوس.
في سبعينيات القرن الماضي أطلّت علينا معاهدة السلام _رعاها الله_ بما حملتهُ لنا من (آمال) السلام والاستقرار والخروج من أسفل مظلة الفقر إلى الانفتاح الاقتصادي، ذلك التغيير الذي اعتقد البعض أنهُ مجرد تغيير من منظومة الاقتصاد المركزي إلى منظومة الاقتصاد الحر واللحاق بركب الرأسمالية العالمية، لم يدركوا أننا بصدد تغيير اجتماعي يصاحب ذلك الانفتاح.
الداعمون لهذا الانفتاح أدركوا مبكرًا أن هذا التغيير يستلزم بعض المستجدات، فإذا أرادوا تقليد المجتمعات الغربية في الناتج النهائي لمدخلاتهم المادية وتكديس رؤوس الأموال في سلال متعددة؛ لتصبح ركيزة أساسية في منظومة الاقتصاد الحر الجديد! فعليهم بافتعال حرب ناعمة، وقد كانت أولى معارك هذه الحرب الناعمة بينهم وبين صينية البطاطس... وأخواتها.
لم تستطع صينية البطاطس الصمود أمام غزو الشيبسي والبشاميل والبيتزا، ووقف الخشاف والتمر وقمر الدين عاجزون أمام هجوم البيبسي والكوكاكولا وحليفهما سفن اب، أما الهوت دوج والبرجر والناجتس فقد راح ضحيتهم الديك البلدي ودكر البط المتين، لكن الحلويات الشرقية كالكنافة والقطائف والست أم علي! حازت جميعها على نوع من التطبيع مع نظرائها من الحلويات الغربية.
أراد الأثرياء الجدد تغيير النمط الاستهلاكي للمواطن المصري في تلك الفترة الزمنية حتى يتسنى لهم العمل بأريحية في عمليات الاستيراد والتصدير... عفوًا... الاستيراد والاستيراد... فلم يكن هناك تصدير. وقد أطلق بعض المثقفين على ذلك التغيير اسم : «ثقافة الكوكاكولا»
زحف نمط الاستهلاك الجديد جنبًا إلى جنب مع السنوات السريعة الماضية حتى وصل إلينا في عامنا هذا، وللأسف الشديد لم يصل هذا التغيير إلينا منفردًا! بل شمل العديد والعديد من مناحي الحياة، الكثير من العادات والتقاليد الاجتماعية المصرية الأصيلة قد طمستها ثقافة الكوكاكولا، لتأتينا الآن ثقافة التباعد الأسري والاجتماعي حتى تُكمل على ما تبقى من «لمة العيلة»
فماذا نحن فاعلون أمام المتغيرات الجديدة!؟ هل ننساق وراء مجاراة الواقع أم سندرك ضرورة الحفاظ على عادتنا وتقاليدنا وتراثنا وقوميتنا!؟
**********
عزيز محمد عزيز
