حصاد السراب
بقلم خالد الخليف
- انقلعْ بقطيعك، بعيدا عن طريق سامي المقام، يا حيوان..
بهذه التحيّة، بادرني ذو البدلة الأنيقة والنياشين، بعد ان أوقف عربته المدجَّجة إزائي، وأردف:
بسرعة.. ياحيوان، لقد أوشك موكب مقامه على المرور، تحرّك.. ياغبي.
رغم إني على مبعدة، غير هيِّنة من الطريق، ورغم أنّي لا أعرف من هو سامي المقام، فقد وثبت من مكاني، إلى ظهر ريشة.. ريشة حمار القطيع، حماري الطيِّع، لكزته بعقب قدمي الراجفة، في جنبه، آمراً إيّاه:
- لتمض بنا يا ريشة بعيدا، عن طريق سامي المقام.
نعم إنّه يدرك، جرّاء خبرته الطويلة بعقبيّ، جديّة الأمر، وخطورته، وشدّته، بل يستطيع ترجمة حالتي النفسيّة، عن طريق تحسُّسهما، ساخطا كنت أم راضيا، هانئا أم مكمودا، هادئا أم قلقا، لتأتي استجابته متناغمة مع كلّ حالة، متناسبة مع كلّ مقتضى!!.
- احْمُدِ الله ياريشة، أنك لم تدخل المدرسة، صحيح أن العلم نور، ولكن ليس بمدارس أمِّ حويكيرة، وأبي قاطور، حيث يتعلّم أولادنا الأذى هناك، قبل أبجد هوّز، فيمتهنون كرامة الناس، مع ارتدائهم البدلة.
أحمدُ الله ياريشة، على انشغال ذي البدلة الأنيقة، بموكب سامي المقام، وإلّا لكان لقاؤنا أكثر ودِّا، وربما شف عن حميميّة لا تقضي وطرها، إلّا بخروف سمين.
حاحا يا ريشة حا...
أتعيت لغنمي، تواثبت المراييع خلف ريشة، دون ان ترفع رؤوسها، تجلجل أجراسها معلنة للقطيع بدء المسير، يتقدمها المرياع درعان، بصوفه الطويل المصبوغ، وقرنيه القصيرين، بفعل الإخصاء.
- لا تغضب يادرعان.. فلست وحدك ضحيّة هذا الفعل الشنيع، في أمِّ حويكيرة وأبي قاطور.. على الأقل ما يزال لديك بقية من قرنين، يوحيان بأنك كنت فحلا، أومشروع فحل، ذات يوم، وانظر حولك، لترى كم من فحلٍ، اقتَلَعَتْ قرنيه، تقلُّباتُ الدهر.. أررررره.
يتلفَّتُ شرارٌ بغضب وريبة، خلف العربة التي انطلقت - فور تأكُّد ذي البدلة الأنيقة، من شروعي بالابتعاد- وهو ما انفكّ ينبحها بشدّة، منذ توقُّفها، منتظرا منّي، إشارة لمعالجة الأمر، حسب طريقته، معلنا اعتراضه ورفضه، لهذا الموقف المزري!.
- اصمت يا شرار، كن حكيما، واختر السلامة، ولا تجعل وفاءك لهويمل، يودي بك إلى التهلكة، احسُبْها ياشرار، لا تثق بي كثيرا، في تعاملك مع ذوي البدلات الأنيقة أولئك، فوجودي - معك- في مواجهتهم، لا يضيف إلى قوّتك شيئا، ولا يحمل لضيقك فرجا، واعلم أنّ هويمل، رغم مودَّته لك، وسموِّ مقامك لديه، فلن يكلِّم سامي المقام بكلب، هذا إن أتيحت له رؤية مقامه يوما.
ابتعدت العربة، فكظم شرارٌ غيظه، مزدردا الإهانة، وجانبني في مسيره خببا، بالكاد يمسك لسانه الأحمر الطويل العريض، من الوقوع، جراء لهاثه من شدة الحر، غير آبه بالجدل القديم الجديد، هل مشكلة اللسان، في عرضه أم في طوله!؟
- ليكن غضبك يا شرار، على أساس من التكافؤ في القيم والخلق، فمن العار، الخروج على نبل الفروسية، لتخاصم من هو دونك.
أنت لا تعلم، أن الذي أغضبك منذ قليل، يمكن أن يبيعني الطريق وسالكيه، بذاك الخروف الأعجف، بضمان السلامة فحسب، نظر إليّ شرارٌ بعينين ثاقبتين مستنكرتين، وهزَّ رأسه ليتخلَّص من ذبابةٍ تزعجه.
- نعم.. لا تستغرب يا شرار، هذا ما يتعلَّمه أبناؤنا في مدارس أمِّ حويكيرة وأبي قاطور، ولاءٌ مصلحيّ، ووفاءٌ منفعيّ، تشهد لتخرُّجهم فيه، قطع مزخرفة من (الكارتون)، يؤطِّرونها بأطرٍ مذهَّبة، ويعلقونها، على الجدران، لبثِّ الفخر، في نفوس آبائهم، كأغلفةٍ لخيبات أعمارهم، بينما أنت يا دونكيشوت زمانك، جِبِليِّ الولاء، غَرِيزيّ الوفاء، فلا تخضْ يا شرار صراعا، لا يضمن اقتسام الشرف، بين الفائز والخاسر، يذهب الفائز فيه، بشرف المقدرة، ويذهب الخاسر بشرف التضحية، والإثنان بنبل المقاصد، تماما كصراعك النبيل مع الذئاب، فالذئب لا يهاجم القطعان، عدوانيَّة أوحبّا بالأذى والضرر، ولا بقصد إظهار ذئبيّته وإشهارها، إنّما يفعل ذلك، بدافع سدّ الجوع لا أكثر، وهذه غاية نبيلة في حدّ ذاتها، لا يرتدي لها بدلة أنيقة، ولا يطرز كتفيه وصدره من أجلها، بالنجوم والنياشين، غاية مشروعة، لكلّ الأحياء، في كوننا الواسع، وإن اختلفت رؤيتنا لها، ومردُّ الاختلاف ذاك، للمبدأ ذاته: حرصا منّا على أرزاقنا، خشية الجوع..
أما وقوفك، في وجه الذئب، فهو ردُّ فعلٍ نبيلٍ أيضا، دافعك الغريزي، في الوفاء، رغم بخلي الشديد عليك، ينطلق أيضا في تفسيره الكلبيّ، من ذات المبدأ، فزوال القطيع، يعني لك جوع هويمل، وجوع الأخير، سيذهب بكسرة الخبز اليابسة، التي لم تذق غيرها من يده، وقناعتك البهيميّة، بأن كسرة الخبز تلك، عطاؤه الباذخ، هي موردك الوحيد، المترتِّب عليه، استمرار حياتك!.
فلا يخدعك التفسير البشريّ لوفائك، فهو لا يزال قاصرا، متلبّسا بظاهره بالمثاليّة والرومانسيّة، وغارقا في باطنه، باللؤم والنذالة!.
فإيّاك والنزاع من أجل أحد بعد اليوم، حتّى من أجل هويمل!...
رمقني شرارٌ بنظرة رثاء حزينة، وأطرق بأسىً يتلمَّس طريقه، بين شجيرات القتاد، تتشكَّل تلالا صغيرة بما سَفَتْ عليها الريح من رمال..
- في لحظة الصفاء هذه يا شرار، سأقول لك، ما دفعني للصراحة معك..
سأقول لك، لماذا يعتنق هويمل الأميّة منهجا، رغم دونيّتها، فترفض أصابعُه بكل قرف، الإحاطةَ بالقلم، والإمساكَ به!!؟.
- يصر المتخرِّج من أبنائنا-أيُّ متخرِّجٍ- من مدارس أمِّ حويكيرة، وأبي قاطور، وجامعاتهما، ويعمل جاهدا، من خلال وجوده في مركز القرار -أيِّ مركز قرار- على ضرورة تسديد المجتمع، فاتورة النور الذي أنار عقله، وكأنّه تفضَّلَ على المجتمع بتعلُّمه، ومحو جهله!؟..
فيصرُّ- ويستصدر لذلك القوانين- على أن يكون صاحب الدخل الأعلى، بين باعة الجهد في مؤسَّسته، وما العمل في حقيقته إلّا بيعا للجهد، ليأكل ثمرات من هو أبذل جهدا منه، فقط لأنه أعلى في السلم الوظيفي، فينطفئ نور العدل، ويذهب بالإبداع، وتتحول المؤسَّسة، إلى مزرعة خاصة فاسدة، تأكل أبناءها، وتنهش أثداءها بلا رحمة، لا همّ لها إلا إشباع النَّهِمِ، الذي لم يجاوز علمه، معه أعتاب المدرسة، أو الجامعة، فتنحدر أمِّ حويكيرة، ويهوي أبو قاطور، إلى أسفل سافلين!؟..
نظر إليّ شرار بتمعُّنٍ، لم أعهد في نظراته البلاهة أو البلادة، قبل هذه اللحظة، ربما أصابه ماسمع منّي، بالإحباط واليأس، فرقَّتْ نظرته لسيل المرارة الذي اتلمَّظ به، ربما لم يستوعب شيئا مما قلت، أوقل هو عاتب عليّ، أنا الذي دأبت، على تهجؤ سحائب الحزن، على إهابه، حرفا حرفا، حين تأخذه منّي، موجة العتب، بعيدا إلى جزر الكآبة، كأنّي به يناقش سكوتي، عن إهانة ذي البدلة الأنيقة لي، وبالتالي له، منذ قليل، وعدم موافقتي، على معركته التي قدحت شرارتها معه!؟...
- لا ياشرار.. على رعاة الإنسانية الحؤول، دون تحوُّل هؤلاء البشر، إلى وحوش، بالكفاية وحدها، وليس كما يخيَّل لنا بالقوانين والعقوبات الزاجرة، واستنساخ البدلات الإنيقة وإغداق النياشين والأوسمة.. رغم أنها ضرورة، لحصانة المجتمع، وأنها تحُدُّ من ذلك التحوُّل إلى الوحشيّة، مؤقتا على مستوى الأفراد، ولكن الأدهى أنها بوجود الحاجة ستتحوَّل وإيِّاها إلى مزيج منفجر بعد حين..
والحاجة عند البشر، لاتقف في معناها، عند الجوع وحده، وهي مجموعة متنوِّعة من الاحتياجات، كالعلم والصحة والعدل والحريّة...... والتي تستدعي في مجملها، وجود مصطلح الكفاية.
- الكفاية ياشرار، تنسحب على مفهوم الشبع، عند كلِّ الأحياء، إلّا البشر، ربما كان ذلك الشذوذ امتحانا أوامتهانا لهم، فالويل كلُّ الويل للمحتاجين، من عدم كفاية المتخمين، والويل كلُّ الويل للمتخمين، من عدم كفاية المحتاجين، ولا يسبب الأرق للتاريخ وصُنَّاعِهِ، حقيقةً أم زورا، أكثر من لحظة تحوُّل عدم الكفاية، إلى سُعُارٍ، سُعَارٍ يأتي على كلّ شيء، سيلا لا يسدُّه سدٌّ، ولا تحجزه البدلات الأنيقة، ولا تقف في وجهه النياشين.. لقد أكْثَرَ هويمل عليك يا شرار أليس كذلك!؟.
لم يمهلْنا موكب سامي المقام، حتّى نتوراى عن الطريق خلف التلال، فها هي أبواق الموكب وزماميره، تشقُّ أحشاء السكون، تغشى أسماعنا، تدعونا بشدَّة للإلتفات.
تنفس ريشة الصعداء، عندما قفزت إلى الأرض، مترجّلا عن ظهره، فالتفتنا نحن أقطاب الكون الأربعة، نرقب الموكب المهيب من بعيد، بينما سام القطيع حولنا راتعا.
أرتال دراجات متحاذية، تتقدَّمُ وتجانبُ وتتقفّى رتلا طويلا، من العربات السود، فاتني أن أعدّها، وربما انْشَغَلَ بعَدِّها ريشةُ، وهو يبادل أذنيه الطويلتين، تقديما وتأخيرا!..
مشهد الموكب من بعيد، يبعث على الذهول، أشبه بأمِّ أربعٍ وأربعين ضخمة! تدِبُّ على الأرض وهي في الواقع، أسبق من بُزَاةِ الطير.
- ما قولك ياريشة لو أن هويمل هو سامي المقام!؟..
حرّك ريشة أذنيه بالتبادل، تعبيرا عن الاستهجان والازدراء...
- أعدك ياريشة لوحصل هذا، أن تكون أسعد حمار، بين أمِّ حويكيرة، وأبي قاطور، إن لم تكن الأسعد على وجه الأرض، صحيح ان المساس، بقداسة الأعراف بين المخروبتين، أمر أقرب إلى المقامرة بالمصير، ففكرة إنْ لم تَرْكَبْ تُرْكَبْ، السائدة في أمّ حويكيرة، والفكرة المقابلة لها في أبي قاطور فكرة الحبل إمّا هو في يدك، وإمَّا هو في عنقك، فكرتان يصعب الإنفلات، من أصرهما، إلّا أن وضعك بالذات، سيكون استثنائيّا، ستكون حمار سامي المقام، أهم ما في الأمر، أنك ستغدو التطوُّرَ الإستثنائيَّ، في مفهوم الركوب المشار إليه، فلن يركبك أحد، سأجلب لك مركبة، تليق بك، وتتناسب مع واقعك العضوي والاعتباري، وسأستقدم لها سائقا، من بلاد الخواجات، ولاؤه لعمله، همُّه أن يبدع في سلامتك، وليس من أبناء أمِّ حويكيرة أو أبي قاطور!! يقود بك مركبتك، وهو يكيد لك، متحيّنا الفرص، للانقلاب عليك!..
الخواجات يا ريشة، يحبُّون عملهم، سمعتُ أحدهم يقول ذلك، عبر ترجمانه، لجدّي يوم جيء بهما، على وشك الموت ظمأً إلى بيته، في أعماق الصحراء.
كنت صغيرا يومها، عندما سأله جدّي، عمَّا يجبرهم، على مقارعة الصحراء وأهوالها، حتّى نالهم ما هم فيه من محنة، لازلت أذكر ابتسامة الخواجة الصفراء، عندما أجاب:
لا شيء يجبرنا، سوى حبّنا لما نقوم به.. إنَّنا لا نعمل شيئا لا نحبّه، نضحّي من أجل مانحبّ بكلّ شيء، فننجح في كلّ شيء.
لا زلت أذكر تقاسيم الحزن والألم، وشبح الأسف، على وجه جدّي، وهو يقول للترجمان بلهجة أهل البادية:
إيييه أيها الحْضِرِي الحَمَرْ(الأحمر)، أنا على يقين، أنّ أحدا منّا - بدءاً من أمِّ حويكيرة وانتهاءً بأبي قاطور - لم يعمل عملا برضاه ورغبته.. ولا منّا مَنْ سلك فيهما طريقا، اختاره بإرادته، لقد ألزمتنا الحياة يا(حَمَرْ الوجه) السيرَ، في دروب لا نريدها، فأفضت بنا تلك الجَوَادُّ، من فشلٍ إلى فشل، وأسلمتنا بها، كلُّ خيبةٍ لأختها!..
- لَإنْ سَمَا مقامي، كما ذكرت لك يا ريشة.. فلا تظنَّ أنّني سأزرع لك حبَّة من شعير، أوعودا من الذُّرَة، فأنا لن أفسدك بيديّ يا ريشة، نعم فالشبع لأمثالك مفسدة، سأكتفي بأنْ أضع، على عينيك نظّارة جميلة سميكة، كتلك التي تواري عينيْ ذي البدلة الأنيقة والنياشين، إلا أنّها ستكون خضراء.. خضراء تشع سلاما، وتفيض أحلاما، فتريك ذلك الجبل العاري، غابةصنوبر، وتمدُّ أمام عينيك هذا السهل، الأجرد الكئيب، حقل برسيمٍ أجذل، بلا حدٍّ أو نهاية، وتحيل حتى السماء والغيم لناظريك مروجا يانعة، من نَجِيلٍ وقَلْقَلان، فلا يعرف خُواءُ بطنك صيفا ولا يكابد خريفا..
لست أدري، ما الذي جعل شرارا يهِرُّ، وهو باسط ذراعيه، تحت حنك ريشة، لعله يتساءل عن مصيره لديَّ، عندما يسمو مقامي..
- أنت يا شرار، لا تغيّرُك سرّاءٌ ولا تبدّلُك ضرّاء، جيناتك لا تتماشى مع التغيير، ولا أَدَلُّ على ذلك، من ذَنَبِك الأعوج، الذي ظلّ دهورا، يرفض القولبةَ، حتى غدا مضرب المثل..
أنت متعجرفٌ، صلفٌ متعالٍ، لا يعجبك العجب (طزّازٌ) هوايتُك بولُك، فلا مررتَ بشيء إلا تبوّلتَ عليه، كنوعٍ من إثبات وجودك، وهويّتُك وفاؤك المَرَضِيّ، المثير للرثاء، في هذا الزمان الخَرِب.
مدَّ عنقه، واضعا رأسه بين ذراعيه المبسوطتين، ووارى عينيه بنصف إغماضة حزنا وأسفا.
- لا تحزن يا شرار، سأعمل جهدي لترفيهك، على ثقتي بفشل، محاولتي لتغيير طباعك فاعذرني.
هز ذيله ترحيبا بالفكرة، لحظات غامرة، سرعان ما أفسدها، على الجميع، درعانٌ الكبشُ الخصيّ، بعطسة شديدة، ملأت وجوهنا جميعا، بمفرزات أنفهِ المحتقن، فقد كنّا في موسمٍ، تكثر فيه أمراض الماشية.
-تفوووه.. على وجهك، ووجه كل من لا يستحي يا درعان.. قسما، لو أنّني مالك القطيع، لجعلت هذه المطويّة الحلبيّة، تلعب في أوداجك، جزاء قذارتك...
هرعت إلى قربة الماء، المعلقة بالكوت الأحمر، الذي يرتديه ريشة، وهي تلوح على جنبه الأيمن، فأهرقت منها، ما كفاني، لتنظيف يديّ ووجهي، بينما التهى شرار، بلعق ما وصل لسانه إليه، من وجهه، ومسح بعضه الآخر بذراعيه، بيد أنّه لم يغضب، من درعان القذر، كغضبه من ذي البدلة الأنيقة والنياشين، ربما كان هذا، بسبب الألفة بينهما، فالعشرة لا تهون، إلا على قليل الأصل.
لم يكترث ريشة، بما حصل، وأنا على ثقة، من عدم قناعته بما سمع، فصمته المرير، يشي بكفره بعبثية الغد الموعود، المتواري وراء ستائر الأحلام، وحجب الأقدار، المقتصر حال حدوثه المستحيل، على الجانب السلطويّ، دون النفاذ البنائيّ البنيويّ، إلى المنهج والتفكير..
تفكيره المثير للرثاء، يبعث في نفسي، رغبة عارمة بالبكاء، والذوبان حزنا، في دمعة ساخنة، عندما أراه يواجه إحباطاته، وخيباته وآلامه، بصمته العميق..
تناهى إلى سمعي، رجعُ غناءٍ أنثويٍّ بعيد، يشيع في النفس، بَهْجَةَ مَنْ حَدَّهُ القيظُ، إلى ظلال واحةٍ هانئةٍ.. التفتُّ إلى جهة الصوت، فلم أر أحدا.. قلت في نفسي، لعلها حِصَّةٌ ابنةُ مالك القطيع، خرجت من المضارب تحتطب.
آه لو أنّها هي، ولو أنّها.. ولو.. وتوالت (اللَّولوات) بأشهى الصور، حتى وثب من أعماقي، هويمل المتعفِّف الجبان المنتوف، يهتف بي:
خسئت يا هويمل، كيف تجرؤ على التفكير بهذا!؟.
وما مصيرك، لو قرأ ابنُ عمِّها كسَّارٌ المجرم المتهتِّكُ، عُرْيَ تفكيرك، ووقاحة أحلامك!؟..
عادني سمو مقامي، مرة أخرى، لأطوِّحَ بكسّارٍ خلف الشمس، حتى لا يعرف له الجن الأزرق طريقا، فيخلو بذلك لي الطريق، إلى قلب حصَّة.
ألجأني الجهد والكلال، إلى الجلوس، بجوار صخرة، ما لبثتُ أن اتكأتُ عليها، أغمضت عينيّ، على رجع الغناء الرخيم، فزال منّي شعوري بالوقت.. فلم أعِ كم استغرق عراكي، مع ذي البدلة الأنيقة، بمباركة كسَّارٌ المتهتِّك، لوشاية هويمل الجبان له، بأحلامي العارية، بينما ريشة وشرار يتغتغان شامتين...
_______________
الشام - ٢٠٢٠/٥/١٠
