أم سالم
بقلم أ. محمد أحمد باسنبل
الاهداء: إلى أصدقائي الساكنين معي أسفل السفينة ،
في القاع.
أصيبت الألوان في دار ام سالم بنوبة البريق ، على نحو عجيب اليوم .. فقد أصيبت الجدران بشيئ من العناية وكذا الأرضية مما جعلهما يلمعان على غير المعتاد .
عصف بالبيت الاهتمام بالتفاصيل . المقاعد ، العصفور المطاطي فوق الثلاجة، المفارش الملونة المتدلية على المنظدة، المرآة ، صارت الأشياء في مكانها ظاهرة وقد زال عنها الخجل،
حتى ثوب ام سالم تعاركت الألوان فيه .. شعلة أولمبياد ، تعثر حاملها، وانكب ما فيها إلى ثوبها .. نار بألوان قوس قزح.
قامت باكرا، وأخذت مسحا وتنظيفا لبيتها، منذ أن تناهى الضوء الخافت إلى سمعها، فقد افاقت العصافير ،وافاق الخميس .موعد ، سيفد فيه اخوها صالح ، يحمل معه اخبار وجعها .
وجع صنيعة بطن امتلأت بسبب نزق فتاة وفتى تزوجا حديثا ، لم يعبأ بالبرد القارس ، وهو يكاد يجمد أوصالهما، انهمكا يطفأن وبحرارة حرائق الفتوة.
ليلتها حملت أم سالم بسالم ولم تمتلئ تلك البطن بعدها ابدا.
:- ليتك حاضرا بقربي الآن يا ابا سالم ، فالاعذار التي يسوقها صالح لي قد تصدعت .
غادرها أبو سالم بحمى الضنك قبل عام ، وفزعت لفقده.. وتبعه سالم بعدة ايام مغادرا إلى الجبال ، ومعه بندقية ، ونصف جناح وطن .ساعتئذ اصابها شلل نصفي ،وامست وحيدة، لايزورها إلا جارتها ام هند ، وأخوها صالح الذي خص الخميس بمكرمة زيارته لها، ولولاهما لاقتادها الصمت المطبق ، إلى حافة النسيان والجنون .
:- كيف حالك يابنت الردفاني.
احتضنته بقوة حتى ارتعش جسدها الهزيل.
:- دعيني أدخل أولا .
أرخت سدول يديها عليه مخافة أن تشق على كتفيه. فما كان منه الا ان نحى عكازها بحنو جانبا واقفل الباب.
وصل صالح أخيرا. .
في العادة .. حينما كانا صغير ان ، يلعبان الغميضة ، يختبئ أسفل السلم، وكانت تعلم ذلك ، وتذهب تبحث عنه في الرواق ، أو في الغرف ، ويضحك صالح بفوزه وتضحك هي لضحكه.
شيئ ما أصاب اخوها حينما شرعوا يحتفون بزفافها على ابي سالم مساءا، تعبت عينيها بحثا في الأرجاء دون جدوى ، اختفى أسفل السلم ولم يظهر حتى ربط خصرها بحزام مذهب وحملت باكية الى بيت الغرباء.
:- تعال يا صالح وحدثني ماذا فعلت مع سالم، الا يستحي !! يتركني كركام حطام وبقايا حياة.
: الست امه؟
: ايتركني وحيدة ؟ وفي عمري هذا؟
: الا يشفق علي؟
: وهل رأيته ؟ ا هو بخير؟
شدت يد اخوها اليها وكأنها تستمد منه ما ينقصها من قوة .. واغرورقت عيناها بالدمع .
عبثا حاولت ثني سالم عن قراره بالذهاب ، وتركها وحيده ،وعبثا حاول سالم أن يسقيها قطرات عرق( جيفارا ) الهارب الى الأدغال ، عبثا حاول ان يذيقها انكسارات( ناصر) و انتصاراته ، وهي تجيبه في كل مرة .:
- انا وطنك ياولدي والباقي رجع صداي ، رجع تفاصيل فصولي، رحع احتراق لحمي ودمي.
ولما تيأس منه تقول : تبا للأوطان
28/5/2020
