زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

اليقظة _ بقلم: أ. مهاب حسين/مصر





قصة قصيرة 


اليقظة


عائد لتوه .. 

ينوء بأكفان يوم شاق مضى، يتحسب لغد مجهول أتي .
يتلمس طريق المنزل، تفادى الموكب المهيب، وسار على قدميه.. مخترقا دون أن يدري حشدهم المتدافع المشتعل بالهتاف.
لحق به الحرس المرافق ..
 أوقفوه لصق الجدار.. 
كبلوا يديه من الخلف، أوثقوا عصابة فوق عينيه.. دقوا رأسه بكعب بنادقهم، أغمض جفنيه، وراح في غيبوبة.

أفاق .. 
ليجد نفسه في قاعة فسيحة.. محتشدة بالرجال والنساء، رائحة بخور تتضوع.. موائد ممتدة، متخمة بما لذ وطاب، نوافير تتوسط الباحة، تتدفق بشلالات مياه ملونه، صوت المعازف يضفي على المكان أجواء أسطورية، كألف ليلة وليلة.. 

سار الهوينى .. يتأمل وجوه الناس، المستغرقة في الاحتفال .. يحتسون كؤوس الخمر، شعر بأن وجوههم مألوفة، كأنها تتطابق مع زملائه في العمل، أشاورا له بأن يشاركهم، ندت عنه ايماءة بلا معنى، رنت ضحكاتهم في جوانب القصر

تعجب مما حدث له .. 
مابين طرفة عين وأخرى.
تناسى عن عمد كل ما سبق هذا البعث المبهر، الغير مبرر !. 
"الموكب، العصابة، الحشد .. كل شيء، كل شيء " .. لا يريد أن يتذكر سوى اللحظة الآنية.

أيكون قد مات ؟.
و تم حسابه ..
هل دخل الجنة أم النار ؟.

توالى قدوم عدة رجال علي الساحة، يرتدون ثيابا مزركشة، أخذوا يؤدون ببراعة حركات راقصة، منسقة، يتلوون في انسيابية. لما أطال التحديق فيهم.. رمقه أحدهم بنظرة جامدة .. 
عرفه على الفور .. 
إنه أحد المخبرين الذين استوقفوه في الموكب، انتابه الذعر .. أشاح بوجهه مبتعدا.. 
 كان السلطان كما يبدو من هيئته، يتربع في صدر المجلس بجوار الحاشية، يصفق ويثني على العرض !. 

تساءل.. 
هؤلاء الناس ..
 هل مثله، قدموا للمكان بنفس الطريقة. خاف أن يسأل، فيفسد تعويذة السحر ..لتفقد مفعولها، فيجد نفسه من جديد في أحضان طواحين البؤس والشقاء. 
استأنس بشعور .. أن لا أحد يراقبه، يرصد خطواته.

إنه حر طليق ..
نعم يشعر بذلك لأول مرة ..
حر .. 
يتكلم، يصمت، يأكل، يغني، يتثاءب..
كأنه مزق صك العبودية.
فك أسر قيود الإذلال. 

عجوز يشبه أباه.. اقترب منه، بادره بالسؤال :

- أين الرسالة يابني ؟.
هه.. "وفتح فاهُ مشدوها".
ألم تقابل كبير الديوان ؟.
-  لا
مستعجبا :
- كيف جئت إذن ؟!.
-  ماذا تحوي الرسالة ؟.
-  ألا تتذكر.. 

سحب شهيقا عميقا .. وزفره ببطء متلذذا.. طاردا كل سموم روحه.. 

في ركن عامود، شيخ يتصدر مجلس علم، كما تبدو هيئته، يُلقي درسا، ومريدوه كثر،
جلس القرفصاء، ينصت.
تحدث الشيخ عن علم الفلك ومدارات الأقمار، وقوانين المد والجزر، وأخذ يتنقل برشاقة وعذوبة مابين موضوعات شتى، بلغة يسيره .. فيأسر الألباب بعمق حكمته، وغزارة علمه.

ما أن أنهى حديثه .. حتى انفض الجمع،
استبقاه بإشارة من يده .. سأله عن وجهته،
وماذا استفاد مما سمع .. تلعثم، بان الغضب على وجه الشيخ المشرّب بالحمرة :

- من أتى بك ؟.
- لا أعرف .
- أول مرة ؟.. 

المنصتون لدرس الشيخ، أخذوا يلتفون لاهين حول مغنيات حسان ممشوقات القوام، بأصواتهن الرخيمة، يدققن الأوتار، يترنمن بموشحات أندلسية بديعة.

 أومأ السلطان برأسه، فسرعان مانصبوا أمامه ستارة بيضاء شفافة، تومض خلفها مصابيح إضاءة . 
وشرع يشاهد وهو يقهقه، إحدى تمثيليات خيال الظل، التي تجسد دُماه "عجيب الدين الواعظ" و"عسلية المعاجيني" و"عواد الشرماط" و"مبارك الفيال و"ناتو السوداني"..
وهي قصة طومان باي ..
وكيف تم شنقه أمام الناس .. على باب زويلة .

خرج من القاعة .. 
بعد أن ملأ بطنه بأكداس اللحم، وتجرع كأسين من النبيذ المعتق. 
لمح شجرة سنديان ضخمة وارفة الأغصان، لم ير مثلها من قبل، أسند رأسه على جذعها.. 
غلبه النعاس.. 
فراح فى سبات ..حتى علا غطيطه على 
صوت صدح البلال
فتح حدقتيه بصعوبه شديدة  ..

وجوه شمعيه بملامح شائهة، ملابسهم مزركشة .. يجلسون أمامه، يتفحصوه في ازدراء، السلطان يتوسطهم.. الشيخ الُمعلم ينزوي في الركن صامتا، طومان باي يشهر سيفه، أبي يهز رأسه آسفا.. 
يحاول أن يستفيق!.



********


مهاب حسين/مصر.





عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية