زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

في منتصف الهدف _ بقلم: أ. علاء طبال





ق.ق

في منتصف الهدف

 من قلب القبطان


 علاء طبال 


********


أطلقت زفرة في الهواء حملتها رياح المساء المطير صوب حطام سيارة منهك بثقل القمامة والزبال فوقه، قابع في انعطافة الزقاق المفضي إلى مبنى جريدة العاصمة الوطنية الذي خرجت منه لتوي، وأنا أتابع قفزه وشقلباته المسعورة فوقه وصياحه: أنا السيد أنهيت عملي!. 
ظل يردد هراءه المجنون فوق الحطام المتخم بأكوام النفايات والخردة، إلى أن اختطفني هذا المشهد العبثي وأعادني إلى عمودي الصحفي الذي حفرت كلماته في ذاكرتي إلى الأبد: 
"ليس التزلف والتقرب إلى أصحاب النفوذ والجاه أو أصحاب الشهرة والسطوة أو نجوم المجتمع من شيمي، بل مقابلة أساطين العلم والأدب أو أحد المناضلين، لذلك تحمست كثيراً وتطوعت لتلبية اقتراح رئيس حكومة ما بعد الحرب الأخيرة حول مقابلة اللواء، الناجي الوحيد من أنياب النازلة، في آخر جلسة لسماع القرارات.
بينما كنت مستمتعاً بأحاديث السائق المفعمة بالوطنية حول شجاعة جيشنا في دحر أعداء البلاد والله، جالساً على المقعد الوثير الأمامي المحاذي لمقعد سائق التاكسي التي هيأتها الحكومة لي على أحسن ما تكون التهيئة، كان الإرهاق قد دب في أوصال وفود المناطق البعيدة.
توقف السائق أمام منزل متواضع زاد في تواضعه فخامة الأبنية الحديثة المجاورة له، في إحدى ضواحي العاصمة.
طرقت مرات عديدة حتى فتحت لي عجوز مكرمشة قزمة الباب، أريتها بطاقتي المهنية والقرار الحكومي الرسمي في إجراء المقابلة.
تناولت بطاقتي والقرار بيدين راجفتين، وحدقت طويلاً بالمكتوب لدرجة أحسست معها بانثقابهما في المواضع التي ثبتت عليها بؤبؤيها الهرمين، دون أن تفهم كلمة في الغالب.
استقبلتني بحفاوة وطلبت مني الانتظار في حجرة الجلوس، ثم دلفت إلى الداخل وعادت لتقول لي: سيحضر زوجي لمقابلتك بعد قليل.
قلبت طرفي في الحجرة التي تغلب على أثاثها البساطة، وإن كانت تجملها هنا وهناك بعض التحف، أما ما عداها يدل على أن البطل المقدام يعيش عيشة بسيطة تغلب عليها مظاهر الفقر، بعيداً عن إغراءات المال والحكم ووساوس السلطة، وعلى أنه تركها لمن هم أكفأ منه في فنون السياسة.
انتظرت وقتاً غير قصير إلى أن دخل الحجرة بمبذله البالي وسيماته الكهلة والنشطة في آن، صافحت كفه المعروق بحرارة مبعثها كبر منزلته في عيني بكلتا يدي.
اخترقتني نظراته النافذة الناعسة وأنا أقول له بحمية وحماسة: 
- كم يشرفني ويسعدني مقابلة مجاهد ضحى برفاهه وروحه في سبيل الوطن.
ابتسم ابتسامة محزونة غريبة وهو يعيد إلي بطاقتي والقرار، ثم هز رأسه قائلاً: 
- المناضل الذي تنشده يسكن في العمارة المجاورة لي.
اعتذرت له، وعند خروجي سكبت غضبي على رأس السائق الذي انتظرني في مكان قريب من الدار:
- لماذا لم تقل لي أن اللواء يسكن في العمارة!. 
- ظننتك تعرف.
كم كانت حسرتي عظيمة بعد أن تغيرت انطباعاتي عنه، وعن الحرب والنظام مائة وثمانين درجة بعد المقابلة."
- بماذا تحدق أيها الأبله!.
استفقت من شرودي على وقع عبارته الصفيقة، وقد كنت مثبتاً بصري عليه وعلى كيس البلاستيك والأوراق، وعمودي الصحفي الذي رميته فيه، في منتصف الهدف.
- تكلم!. 
- أحدق بالساسة وزبانيتهم والشعب!.
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!. 
وسرعان ما سابقت ساقاه وجملته الرياح التي اشتدت، أما أنا اقتربت من الحطام وربت عليه، وقلت في نفسي: لم أرمِ العمود نتيجة خوفي من رميهم رأسي في مقلب القمامة في المقام الأول، بل نتيجة ازدحام رأسي بكل الأمور والتخبطات عدا الأمر الوحيد المهم.. عدا الشعب.


- تمت -











عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية