تفكيك
*****
صعدت سيارة مرتبكة التكوين، بدأ الطريق سرابًا، تتخطي السيارة ظلال الأشجار المتعانقة علي الجانبين، خفضت السرعة، أذرع أخطبوطية تأسر السيارة، يصبأ المقود، تتلاشى الأذرع، أخبط المقود تذمرًا، أتحرك، تعبرني المحطات، تنبثق ثانية غابة الأذرع، تخمد الأطارات، تتسرب الغابة، أدير مؤشر الراديو، أتداخل مع المغني:
جلست والكأس بيديها، تقلب كتابي المأجور
قالت:لا تفرح، فالغد مفقود.
ترتج السيارة، بالمقود أقاوم التشظي، أتوقف، تهبط مركبة بللورية، أتربة تتطاير حولها، تنغمد سيقانها في الأرض، يغشاني الوهن، تتفتح أبواب القواقع الزجاجية المتراصة علي السطح، تترجل منها الأجساد العارية، يحيطون بالسيارة، تشرط مباضعهم رأسي، أسلاكهم تختبر السطح المتعرج، يتدثر الفراغ شاشة عملاقة:
(أم تعصر ثديها الجاف، طفل ينحت دمية الطين، تنثني أسنانه اللبنة. )
يلحق بهم الزعيم الإعلامي، ستون حارسا يفسحون السبيل، يشق صدري بخيط ناصع، يتاجج الطقس، تتبخر الدماء، تتكثف علي سطح المرآة، أري:
(فتاة تستكين علي فرش ورياش، تتبهرج بمحفة الذهب، تتناقل بين جذوع نخل خاوية، تسح دمعًا، فجأة تبتلعها الصحراء، تستغيث، لا أقدر حراكاً. )
وبنظرة مباغتة يكسر المرآة، يستبدل الزجاج بآخر، تلازمه التشنجات، يترأس المداولة الطارئة، ألمحهم يحلون قدمي بشطري المخ،وجهازي البولي بالقلب، واليدين بالعينين، يغادرونني، السماء تبتلع المركبة، يديرني محرك السيارة، يقطعني الطريق.
تمت بحمد الله
********
عصام الدين محمد أحمد
*****************
تحليل الأديب _ محمد البنا
*********
*********
فسيفساء تتشظى قطع بازل صغيرة متناثرة بين الحياة والموت ( حادث سيارة )، تنتهي إلى نصف وعي.
نص مفكك بمهارة وحنكة كاتب قدير، عمد إلى تقطيع المشهد منشئًا جمل فعلية حركية متلاحقة مرتبة وغير مرتبة( تخمد الإطارات / أدير الراديو / بالمقود أقاوم التشظي / أتوقف )، وسائق على مشارف الموت تنتابه الهلاوس البصرية( أم / فتاة / هبوط المركبة الفضائية / لحظة الحساب ( شق الصدر )، والعقاب ( إعادة التركيب للجسد المتشظي بما يناسب الجرم الماضي، ومن ثم نصف إفاقة، تتلاشى الهلاوس، يعود الطريق، وتتحرك السيارة.
أهو حادث ؟ أم لحظة مراجعة للذات ؟..كلاهما يصلح تجميعًا لقطع البازل المبعثرة.
توقفت قليلًا عند الترتيب الزمني للجمل مستنكرًا عدم تواليها المنطقي ( خمود الإطارات تعني توقف أو فسادها / تمسك بالمقود تعني سيارة متحركة كيفما أتفق/ توقف )، ثم ما لبث أن تبينت حقيقة أن الهلاوس لا تأتي تباعًا وفقًا لترتيب زمني متصاعد أو متناقص، وإنما تتراءى كيفما أتفق، وتذكرت قول شاعرنا الكبير كامل الشناوي في قصيدته الشهيرة " ظمأ وجوع " حين قال ( تبكي الخطى مني وترتعد الدموع ) إرتباك ظاهر، ولكن ما أجمله من إرتباك عظيم البلاغة.
نص مفكك بمهارة وحنكة كاتب قدير، عمد إلى تقطيع المشهد منشئًا جمل فعلية حركية متلاحقة مرتبة وغير مرتبة( تخمد الإطارات / أدير الراديو / بالمقود أقاوم التشظي / أتوقف )، وسائق على مشارف الموت تنتابه الهلاوس البصرية( أم / فتاة / هبوط المركبة الفضائية / لحظة الحساب ( شق الصدر )، والعقاب ( إعادة التركيب للجسد المتشظي بما يناسب الجرم الماضي، ومن ثم نصف إفاقة، تتلاشى الهلاوس، يعود الطريق، وتتحرك السيارة.
أهو حادث ؟ أم لحظة مراجعة للذات ؟..كلاهما يصلح تجميعًا لقطع البازل المبعثرة.
توقفت قليلًا عند الترتيب الزمني للجمل مستنكرًا عدم تواليها المنطقي ( خمود الإطارات تعني توقف أو فسادها / تمسك بالمقود تعني سيارة متحركة كيفما أتفق/ توقف )، ثم ما لبث أن تبينت حقيقة أن الهلاوس لا تأتي تباعًا وفقًا لترتيب زمني متصاعد أو متناقص، وإنما تتراءى كيفما أتفق، وتذكرت قول شاعرنا الكبير كامل الشناوي في قصيدته الشهيرة " ظمأ وجوع " حين قال ( تبكي الخطى مني وترتعد الدموع ) إرتباك ظاهر، ولكن ما أجمله من إرتباك عظيم البلاغة.
