وداعا يا أبي
(قصة قصيرة)
********
لأمر ما خطر له خاطر غريب يومها. لا يدري كيف بات ليلته يتقلب على الجمر. ما أثقل الليل حين يشتد في صدرك الصخب وتطلب الكرى فيتمنع ويضيق صدرك ولا تجد في الكون كوة واحدة بقدر خرم ابرة تبثها ضجيجه . يقولون إن الأرواح تسبح في الملكوت، تحيط بنا لكننا لا نراها. ويقولون أيضا إنها تسعد وتتألم مثلنا تماما . تنتشي وتزهو إذا ابتهجت في الدنيا أرواح أخرى تحبها فتسارع بالخروج من برزخها لترفرف وتحلق في سمائها . بات يصدق هذا الأمر... لقد شعر بذلك ليلة بات يقلّب أدواته وكتبه وكراساته استعدادا للالتحاق بالمدرسة في يومه الأول . ويقولون أيضا إنها تغضب وتزمجر وتتألم حين يعرض لمن تحب عارض من عوارض الألم والإنكسار التي كثيرا ما خيّمت على سمائه . ضاق صدره الليلة أكثر مما ينبغي . أكثر مما يحتمل هذا الجسد . لكنها لم تأت ...لِمَ لَمْ تأت كما يقولون فيبثها بعض ما يجد !؟. لِمَ لم تأت فتؤنس وحشته وتحلق فوق رأسه وتهمس في أذنه همسها الناعم الطروب فيهدأ وينام على هدهدة صوتها وأنغام حنانها ورفرفة جناحيها !؟..أتُراها نسيته هي أيضا !؟.. وما الذي يمكن أن يشغلها عنه ... هو لم يفقدها يوما !؟..كانت روحا شفيفة لطيفة ... بل كانت الألطف والأجمل والأروع من كل من حوله...وكم حاول أن يضمّها الى صدره ...فعل ذلك أكثر من مرة . وصورها خياله الغض في أشكال مختلفة : جناحان أبيضان ، ليّنا الملمس كالحرير . يهبانه الدفء شتاء ويمتحانه نسيمًا عذبا ليّنا رطبا صيفا . كانت تفلت من قبضته كلما فتح عينيه فيسارع الى غلقهما ليراها ... نعم كان يراها ... تُمسك به وتضعه فوق رقبتها وتحلّق به عاليا عاليا في الفضاء حتى تداعب أنفاسه طيب أنفاسها . عبق لذيذ لم يستنشق له مثيلا. كان يرى الأفق رحبًا وهو في مكانه ذاك . بساتين ممتدة يانعة وأزهار زاهية وأنهارجارية . لم يكن يستشعر جوعا ولا عطشا وهو معها ...كان يشعر أنه كالأثير...كم رغب أن تحمله الى منبت الشمس ...إلى ذلك النور الجميل الذي يتدفق هناك هناك بعيدا فتسري في الكون ألحان عذاب يهتز لها الوجود ... كثيرا ما التقى في رحلته تلك بأطفال في مثل سنه وجوههم ناظرة تكاد من بهجتها تضيء . وكم سعد بوجودها معه . لم تكن جلسته تلك تشبه شيئا سوى ذكرى بعيدة جدا سكنت أعماقه وهو طفل لم يتجاوز عامه الثالث وهو يمسك بيدي والده وقد استقر فوق عنقه وهو يدور به ، وتتعالى ضحكاتهما معا، ويسمع ضحكة أمه وهي تمد ذراعيها من حولهما لتتلقفه . كم هو بحاجة الليلة الى رحلة أخرى .
لم لم تأت تلك الروح الجميلة !؟ فتحلق به كما عودته ثم تسلمه الى فراشه البائس البسيط ويستسلم لاغفاءة من الجنة ، قبل أن يستفيق وقد مسحت عن صدره الغض كل حزن وكل أسى . يستفيق وفي الصدر تلك الطاقة العجيبة من الصبر والعزم والأمل.
عاوده الأمل . مرّ من الليل نصفه أو أكثر منه قليلا ...من يدري لعلها تأتي بعد حين ...سيغمض عينيه الآن ...هيا ..هيا أيتها الروح الجميلة
.أريد أن أهمس لك...لا تتركيني وحيدا مع الهواجس والظنون .
جافاه النوم . تقلب ذات اليمين وذات الشمال . سحب الغطاء . غطى به وجهه .شعر بأن قدميه في العراء. لفّ ركبتيه الى صدره .تكور .لا فائدة . لن تأتي .
نزع الغطاء عن وجهه واستقام جالسا . نظر إلى يمينه فألفى جسدين تكوّرا في لحاف واحد . وألفى جسد أخته يلتحم بجسد جدته العجوز وقد انزاح الغطاء عن كتفيها وظهرها . نهض بهدوء . حمل لحافه وغطاها به ثم سار على أطراف أصابعه الى الزاوية الأخرى للغرفة حيث تعودت أن تنام أمه . تلمس فراشها فألفاه في برود الثلج . أمسك وسادتها بكلتا يديه وضمّها الى صدره ثم غمر بها وجهه وأخذ نفسا عميقا، فتسربت الى شقوق الروح أنفاسها وانتشت . أغمض عينيه يستزيد . فانتبه لرفرفة الجناحين بين كتفيه . انتفض واستدار . فلم ير غير العتمة تلف الغرفة .
اتجه الى الباب . تلمس الجانب الأيمن فوجد الجرّة في مكانها . سكب في الدورق بعض الماء وعبّ حتى شعر ببرودة تسري في كامل جسده . ملأ صفيحةً تعود أن يصطحبها كلما زار صحبة أمه أو جدته قبر أبيه . ودلف خارج المنزل .
قادته قدماه إلى أطراف القرية . لم يكترث لنباح كلاب القرية يصل إلى مسامعه . ولم ينتبه إلى أنه خرج حافيا الا حين انتهى المعبّد وانخرط في المسلك الترابي الأقصر المؤدي إلى المقبرة .
كان الظلام يلف الكون . سمى الله وسلم وهو يطأ بابها. سمع حفيفا يتردد في الأرجاء ورأى في أقصى المقبرة كهيأة رجل ببياض تحيط به هالة من النور تجلس على شاهد قبر أبيه . أو هكذا خيّل إليه .انفرجت أساريره وسرت في جسده قشعريرة وحثّ الخُطى محاذرا أن تطأ قدماه القبور المتناثرة في غير نظام حتى وصل القبر فجثا على ركبتيه .تلمس شاهد القبر يبحث عن الرجل الذي رٱه للتو . لقد تبخر .
تذكر سرّ الفاتحة . هكذا كانت تقول جدته. للفاتحة سرً عظيم .تلاها في خشوع وترتيل كما تلاها حين أثنى عليه المؤدب ليلة السابع والعشرين من رمضان في رحاب مسجد القرية وسط جموع المصلين . وخيّل اليه كأنّ أرجاء المقبرة تهتز .خيل اليه كأنّه سمع عشرات الأصوات تؤمن بعده . ها أنا الآن معك يا أبي . ها قد جئتك أيتها الروح الجميلة .هل تسمعني يا أبي . لابد أنك تسمعني . أفتقدك كثيرا .أحن الى مداعبتك لي وملاعبتك .أشتاق أن أضمك .أتلهف إلى مذاق الحلوى التي تدسها في جيبي.وأعرف أنك بخير يا أبي .لقد رأيت البساتين والأزهار والأنهار والجداول حين حملتني على كتفيك وحلقت بي روحك .انا أيضا بخير .وأختي بخير ...لا عليك ...نذهب إلى المدرسة كل صباح والمعلم يحبنا ... يقول اننا نشبهك ... يسلمنا جائزة جميلة كل عام ...البعض ...فقط البعض يا أبي ...لا تهتم ... يسخرون من ميدعتي المرقعة وحذائي الممزق ...لكن لا يهم يا أبي ... أمي تقول أنني أفضل منهم وجدتي أيضا وحتى المعلم قالها لي مرة... أمي تقول أنني يوما ما سأكون قادرا على شراء ملابس جديدة وحذاء جديد وحتى سيارة ...حقيقية وليست مثل التي اشترتها لي في العيد ...هي تقول فقط علي أن اجتهد وأنا أجتهد في الدراسة يا أبي ...أمي لاتكذب ...أتدري لم جئتك الٱن يا أبي ؟ يقولون أن الأرواح تنزل عند الفجر ...والفجر قريب يا أبي ...يقولون أنك عند الله يا أبي ...سأطلب منك طلبا وحيدا يا أبي ...أطلب من الله أن لا يأخذ أمي يا أبي ...بربّك يا أبي ...بربّك ...ليس الٱن يا أبي ...انها مريضة يا أبي ...في المشفى ...خالي يقول حالتها صعبة ...في غيبوبة منذ أسبوع ...يقول إن الأطباء فعلوا كل شيء ...و" الباقي على الله "...اطلب منه أن يشفيها يا أبي ...فنحن نحبها ونحتاج اليها يا أبي ...بربّك يا أبي ".
خيل اليه كأنه يسمع شهقات ...تلتها رفرفة عظيمة ...واستسلم لخدر لذيذ ...لم يستفق الا وشعاع الشمس يسري في أوصاله ...جلس وفرك عينيه ...استشعر من نفسه نشاطا عظيما ...سكب صفيحة الماء على شاهد القبر...وأعاد تلاوة الفاتحة ....ثم نهض يطلب الطريق ....وماكاد يصل المعبّد حتى التقى " فرج" ابن خاله يبحث عنه :" أين كنت ؟ قلبنا الدنيا بحثا عنك ... أبي يبحث عنك منذ الصباح ...سنذهب أنا وأنت معه لزيارة أمك في المستشفى ....أبي يقول انها بخير ...يومان أو ثلاثة ونعود بها الى بيتها ...هيا اسرع ".
رفع يديه الى السماء ..."شكرا يارب ...شكرا يا أبي ..."والتفت صوب المقبرة ملوحا : "وداعا يا أبي ."
**********
علي خالد / تونس
